بعد ذكره أقوال العلماء حول جواز قتل الإنسان نفسه لأجل مصلحة الدين، قال أبو الحسن رشيد : وقد أفتى جماعة من أهل العلم المعاصرين بجواز هذه العمليات - أي الاستشهادية - ، ثم ساق أسماء بعض من أفتى بذلك ، وهدا فيه ايهام لبعض القراء من عوام المسلمين أن هؤلاء العلماء يرون جواز التفجيرات التي تقوم بها الجماعة السلفية , والواقع خلاف ذلك ، فمعطم هؤلاء ينكرون هده التفجيرات وينعتون أصحابها بالخوارج ، لاسيما بعض علماء الحجازكالعثيمين ، والألباني ، ويوسف القرضاوي - الصديق الحميم لبوتفليقة -الذي يعلن في كل مرة استنكاره هذه التفجيرات ، ووقوفه مع الطاغوت ضد أصحابها ، بل وضد سائر المجاهدين .
و جاء في أجوبة ابي الحسن رشيد : إصابة مدنيين أثناء التنفيذ, وهذا ما يعرف بمسألة التترس .
نقول :
قبل ذكر اقوال العلماء في مسالة التترس , ينبغي أولا بيان أن هذه التفجيرات هي من جنس التترس ,لأنه قد وجدنا من اهل العلم المعاصرين من ينفي كون هذه التفجيرات تدخل في مسالة التترس . انظرـ مثلا ـ القول المبين في مفهوم التترس وحكمه في الدين للدكتور غني سعود العاني ـ أحد علماء العراق ـ .
ـ وقد ذكر أبو الحسن: أن مسألة التترس ـ في إحدى صورتيها ـ قد قال بها جمهور الفقهاء . قال : من المقرر عند عامة المسلمين فضلا عن خاصتهم أنه يحرم قتل المسلم بغير حق، لما ورد في ذلك من وعيد شديد، ومع ذلك فإن علماء المسلمين لم يجعلوا تلك القوارع الواردة في تحريم قتل النفس منصبة على من قتل المسلمين الذين يتترس بهم الكفار إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بقتلهم وخيف من تركهم أن يُجتث الإسلام أو يُباد أهل الشوكة من أهله، فذهب جمهور أهل العلم إلى جواز قتل الترس في الحالة المذكورة .
هذه الصورة من التترس قد نقل صاحب الرسالة عن شيخ الاسلام وغيره انها مجمع عليها . فينبغي بيان وجه هذا التعارض .
ـ ذكر في جوابه ـ نقلا عن صاحب الانتقاض ـ : خامسًا : أنَّ النَّاظر في المصالح والمفاسد في أمر يكون نظره فيه لكل من يناله هذا الأمر من المسلمين.
نقول : من المعلوم لدى الحماة وكذا من يقومون بهذه التفجيرات : أن الضرر سينال طائفة من المجاهدين لاسيما في المناطق التي وقعت فيها المجازر بكثرة من وجوه عديدة. ثم بعد حدوث التفجيرات قد وقع فعلا هذا الضرر, بل تضاعف.
فينبغي لزاما الامساك عن هذه التفجيرات على فرض أن النظر كان سليما في تقدير المصلحة قبل حدوث التفجيرات . وأيضا لا يكون النظر سليما إلا بمشاورة سائر أهل الجهاد من أهل العلم والخبرة , الذين عاشوا جميع مراحل الجهاد في هذه البلاد , أو معظمها سواء كانوا موافقين أو مخالفين , وفي أي حهة كانوا لأنهم ادرى بوجوه المصالح والمفاسد وعاقبة هذه التفجيرات.
وقد علمنا أنهم لم يشاوروا حتى بعض من هم تحت تنظيمهم فقد أنكر عليهم هذه التفجيرات بعض قادتهم. منهم المدعو: ابو مسلم الجزائري. كما جاء في جريدة الشروق بتاريخ 01/06/2007 إن صح الخبر.
ـ ورد في أجوبة أبي الحسن رشيد انه :
يجب أن يحرص المجاهدون على تكرار إنذار المسلمين المخالطين للطواغيت وأعوانهم وأسيادهم من اليهود والأمريكان بالابتعاد عن مقارهم ومكاتبهم ومواكبهم وتجمعاتهم، إلا إذا أدى هذا الإنذار إلى كشف المجاهدين وإنزال خسائر بهم.
نقول :
من المعلوم ان سائر بلاد المسلمين اليوم قد تسلط عليها المرتدون ولا يمكن لأهلها غالبا أن يعتزلوا هؤلاء المرتدين ولا يخالطوهم كيف وهم يعيشون تحت حكمهم ويسكنون معهم في نفس أرضهم , وقد تكثف تواجد الطواغيت في سائر البلاد بسبب الحرب القائمة بينهم وبين المجاهدين .
فلا تخلو قرية من مراكز الطواغيت وتجمعاتهم , بل حتى الجبال قد سكنها هؤلاء المرتدون , و اقاموا فيها ثكناتهم . كما اقاموا الابراج في كثير من الطرقات التي لا تخلو غالبا من المارة مشاة و ركبانا. ولا تخلو المدن والقرى ـ غالبا ـ من مرور مراكبهم , فكيف لهؤلاء السكان المسلمين اعتزالهم والابتعاد عنهم. هذا إذا امكن اعلامهم مسبقا بهذه التفجيرات, ومن المعلوم انه لا يمكن للمجاهدين انذارهم مسبقا لتعذر اتصال المجاهدين بالشعب , كما لا يخفى على من يعيش في هذه البلاد مجاهدين وغيرهم , هذا من جهة. من جهة أخرى: هذه التفجيرات أعمال مباغتة , لا يمكنهم انذار الناس بها حتي لا تنكشف .
اما اعتزال الطواغيت مطلقا والرحلة من المناطق التي تقع فيها التفجيرات ـ غالبا المدن ـ الى اماكن لاتقع فيها كالجبال ومحيطها , فإن هؤلاء المخالطين للمرتدين ـ في هذه البلاد ـ جميعا يتعذر أو يتعسر عليهم في الغالب ذلك ـ إلا من قدر على الجهاد ـ لأسباب معلومة:
1 ـ أسباب تعود إلى عجز مالي أو بدني .
فكثير الناس في هذه البلاد لا يستطعون مغادرة مدنهم او قراهم التي يسكنون فيها بسبب الفقر وقلة ذات اليد , او ضعف الجسم وهو حال المستضعفين من النساء او الولدان أو الرجال الشيوخ والمرضى .
2 ـ أسباب عامة تعود لقهر طاغوت أو ظلم الخوارج,
فكثير من هؤلاء المخالطين للمرتدين قد فروا من الأماكن الجبلية ومن الأماكن المعزولة بسبب المجازر التي كان من ورائها الخوارج و الطاغوت , ولازالت كثير من القرى فارغة بسبب ذلك. ولازال كثير من الشعب يمتنع عن دخول الغابات , خوفا من القتل والذبح , وإذا دخل احدهم مضطرا فإنه إذا رأى احد المجاهدين , بل أحدا يحمل زي المجاهدين فإنه يفر لا يلوي على شيء , فكيف ياخذ اهله الى مثل هذه المناطق ليعتزل الطاغوت وهو يخافها لمجرد الاحتطاب او ادنى اقتراب .
و بعض الشعب كان مصرا على البقاء في الجبال بعد تلك المجازر, فطرده الطاغوت واجبره على مغادرة تلك المناطق , حتى لايتعامل مع المجاهدين السنيين فهؤلاء ان ارادوا اعتزال اماكن التفجيرات , فالذي يمكنهم هو الرجوع إلى مساكنهم التي طردوا منها وهذا ممنوعون منه غالبا , لاسيما في المناطق التي لازال فيها المجاهدون ينشطون .
الرد المفصل :
هذه المسألة ـ أي التفجيرات ـ مركبة من مسألتين :
الأولى : العمليات الإستشهادية : وهذه ينغمس فيها المسلم في جمع من الكفار ويفجر نفسه قاصدا قتل الكفار والنكاية فيهم . و لا خلاف بيننا وبين أصحاب التفجيرات في جواز أصل هذه العمليات في أوساط الكفار الخلص , وإن كنا قد نختلف معهم في مقصد من مقاصدها, أوفي حد النكاية. وإنما النزاع في ايقاع هذه العمليات في جموع كفار مختلطين بالمسلمين .
فهذه المسألة بهذه الصورة فيها قتل النفس و قتل الغير , لأجل ما يظنه القاتل مصلحة للمسلمين . فلا بد من إثبات جواز هذه المسألة بهذه الصورة المركبة. وعليه فلا يمكن الاستدلال بفتاوى العلماء التي نقلها صاحب الرسالة على جواز هذه التفجيرات لأنها خاصة بالعمليات الاستشهادية في أوساط الكفار الخلص .
ونتكلم بالتفصيل على المسألتين :
ـ العمليات الاستشهادية :
فبناء على تلك الفتاوي وكلام أهل العلم المنقول في أجوبة ابي الحسن رشيد حول العمليات الاستشهادية , فإن هذه التفجيرات لا تصح , لأن شرط هذه العمليات ـ الذي نصوا عليه ـ أن تكون في جموع الكفار المحاربين , لإحداث النكاية فيهم , وليس بين جموع الكفار المختلطين بالمسلمين . فهذه التفجيرات فيها قتل للكفار والمسلمين على السواء.
وجميع العلماء الذين يذكرون هذه المسألة يقيدون جوازها بحصول المنفعة للمسلمين , وإلا حرمت . قال ابن القيم : ( والمجاهد لا يقصد أن يغلب ويسلب وإن كان قد يقع ذلك من آحاد المجاهدين إذا قصد الانغماس في العدو وأن يستشهد في سبيل الله تعالى , وهذا يحمد إذا تضمن مصلحة للجيش والإسلام , كحال الغلام الذي أمر الملك بقتله ليتوصل بذلك إلى إسلام الناس ) الفروسية ج: 0 ص: 324
وقال ابن تيمية : (وقد روى مسلم فى صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين , ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم فى صف الكفار, وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان فى ذلك مصلحة للمسلمين , وقد بسطنا القول فى هذه المسألة فى موضع آخر. فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره , كان ما يفضى إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التى لا تحصل إلا بذلك , ودفع ضررالعدو المفسد للدين والدنيا الذى لا يندفع إلا بذلك أولى ) مجموع الفتاوى ج: 28 ص: 540
وسئل ـ رحمه ـ عمن قال: " أريد أن أقتل نفسي فى الله " فأجاب :( فهذا كلام مجمل , فانه اذا فعل ما أمره الله به فأفضي ذلك الى قتل نفسه فهذا محسن في ذلك , كالذي يحمل على الصف وحده حملا فيه منفعة للمسلمين , وقد اعتقد أنه يقتل فهذا حسن , وفي مثله أنزل الله قوله " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد " ومثل ما كان بعض الصحابة ينغمس فى العدو بحضرة النبى . وقد روي الخلال باسناده عن عمر بن الخطاب ان رجلا حمل على العدو وحده فقال الناس : القى بيده الى التهلكة .فقال عمر: لا ولكنه ممن قال الله فيه " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد".
وأما إذا فعل ما لم يؤمر به حتى أهلك نفسه , فهذا ظالم متعد بذلك. مثل ان يغتسل من الجنابة فى البرد الشديد بماء بارد يغلب على ظنه انه يقتله, او يصوم فى رمضان صوما يفضي الى هلاكه , فهذا لا يجوز, فكيف فى غير رمضان. وقد روى أبو داود فى سننه فى قصة الرجل الذي اصابته جراحة فاستفتى من كان معه هل تجدون لي رخصة فى التيمم . فقالوا لا نجد لك رخصة.
فاغتسل فمات فقال النبى :قتلوه قتلهم الله هلا سألوا اذا لم يعلموا فانما شفاء العي السؤال . وكذلك روى حديث عمرو بن العاص لما اصابته الجنابة فى غزوة ذات السلاسل , وكانت ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه بالتيمم . ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم . فقال يا عمرو اصليت بأصحابك وانت جنب . فقال يا رسول الله انى سمعت الله يقول : "ولا تقتلوا انفسكم " . فضحك ولم يقل شيئا فهذا عمرو قد ذكر ان العبادة المفضية الى قتل النفس بلا مصلحة مامور بها هي من قتل النفس المنهى عنه , واقره النبى على ذلك .
وقتل الانسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والاجماع كما ثبت عنه فى الصحاح انه قال " من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". وفى الحديث الاخر :"عبدي بادأنى بنفسه فحرمت عليه الجنة واوجبت له النار". وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراح وكان النبى يخبر انه من اهل النار لعلمه بسوء خاتمته . وقد كان لا يصلى على من قتل نفسه . ولهذا قال سمرة بن جندب عن ابنه لما اخبر انه بشم فقال لو مات لم أصل عليه .
فينبغى للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الانسان قتل نفسه أو تسببه فى ذلك , وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين انفسهم واموالهم له , كما قال تعالى :" ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة ". وقال :" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله اي يبيع نفسه" مجموع الفتاوى ج: 25 ص: 279 ـ 281
وقد جاء في أجوبة أبي الحسن رشيد : قال السرخسي في شرحه تعليقاً على الشيباني : (فالشرط أن تكون حملته تنكي فيهم ظاهراً). فلا تصح هذه العمليات الا بشرط حصول المنفعة , والا حرمت .
وحديث الغلام الذي هو العمدة في الاستدلال على جواز العمليات الاستشهادية , فيه نص صريح على اشتراط حصول هذه المنفعة لجواز قتل الإنسان نفسه ,. وقد روى قصة هذا الغلام مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ومما جاء فيه : فَقَالَ لِلْمَلِكِ ـ أي الغلام ـ إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ ارْمِنِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ فَقَالَ النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ .
قال شيخ الإسلام : " وقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قصتهم مبسوطة فيها أن الراهب صبر حتى قتل وأن الغلام أمر بقتل نفسه لما علم أن ذلك سبب لإيمان الناس إذا رأوا تلك الآية , وأن الناس لما آمنو فتنهم الكفار حتى يرجعوا عن دينهم فلم يرجعوا حتى ان المرأة التي ارادت ان ترجع انطق الله صبيها وقال اصبري يا اماه فإنك على الحق ) الاستقامة ج: 2 ص: 332
فالمصلحة ظاهرة في الحديث ـ كما هو واضح ـ وهي دخول الناس في دين الله ورسوخ الايمان في قلوبهم , حتى اختاروا القتل على الكفر بالله . فلأجل إيمان الناس بالتوحيد , وكفرهم بطاغوت ذلك الزمان أمر الغلام بقتل نفسه , وهو عكس ما يحصل بهذه التفجيرات ، ففيها تنفير ظاهرللناس عن المجاهدين يؤدي بهم إلى ترك الجهاد والإنحياز للطاغوت .
فكثير من الناس قد فروا من الجبال وسكنوا المدن خوفا من القتل , وحماية لأنفسهم من ظلم الخوارج, إذا بهم تلاحقهم هذه التفجيرات لقتلهم مرة أخرى. فهم يرون أن الطاغوت يحميهم وأهل الجهاد يقتلونهم . فكيف يعود هؤلاء إلى المجاهدين ويناصرونهم ؟
وفي هذا :
ـ مخالفة لما نص عليه حديث الغلام من حصول تلك المصلحة بعد قتل الغلام ، وهو العمدة في استدلالهم على جواز هذه التفجيرات .
ـ و تفويت مصلحة ضرورية ـ بالاتفاق بين المجاهدين ـ فالشعب هم مادة هذا الجهاد الأساسية.
ـ وفيها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يعمل بها في مثل أحوالنا. فقد كان يعامل الناس في مرحلة الاستضعاف ـ وهي ما يعيشه المجاهدون الآن ـ بالتأليف حتى يكونوا في صفه ولا يكونوا في صف عدوه .
وقال ابن القيم في ذكره لأدلة سد الذرائع :
الْوَجْهُ التَّاسِعُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكُفُّ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ - مَعَ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً - لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى تَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُوجِبُ النُّفُورَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِمَّنْ دَخَلَ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ، وَمَفْسَدَةُ التَّنْفِيرِ أَكْبَرُ مِنْ مَفْسَدَةِ تَرْكِ قَتْلِهِمْ ، وَمَصْلَحَةُ التَّأْلِيفِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْقَتْلِ . إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 3 / ص 345) ـ(ج 3 / ص 347)
قال شيخ الإسلام: فَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَكْثَرَ أَمَرَ بِهِ ؛ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ . وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ ؛ بَلْ يَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَزَوَالِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ ... .
.. . . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَئِمَّةِ النِّفَاقِ وَالْفُجُورِ لِمَا لَهُمْ مِنْ أَعْوَانٍ فَإِزَالَةُ مُنْكَرِهِ بِنَوْعِ مِنْ عِقَابِهِ مُسْتَلْزِمَةٌ إزَالَةَ مَعْرُوفٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِغَضَبِ قَوْمِهِ وَحَمِيَّتِهِمْ ؛ وَبِنُفُورِ النَّاسِ إذَا سَمِعُوا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَاطَبَ النَّاسَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ وَاعْتَذَرَ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَوْلًا الَّذِي أَحْسَنَ فِيهِ : حَمِيَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عبادة مَعَ حُسْنِ إيمَانِهِ . مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 337) ص 338)
وقال أيضا عن سبب ترك علي لقتال الخوارج أول ما ظهروا : "وانما لم يقتلهم علي رضي الله عنه أول ما ظهروا لأنه لم يتبين له أنهم الطائفة المنعوته حتى سفكوا دم ابن خباب , وأغاروا على سرح الناس . فظهر فيهم قوله يقتلون : أهل الاسلام ويدعون أهل الأوثان . فعلم أنهم المارقون . ولأنه لو قتلهم قبل المحاربة له لربما غضبت لهم قبائلهم, وتفرقوا على علي رضي الله عنه , وقد كان حاله في حاجته الى مداراة عسكره واستئلافهم , كحال النبي في حاجته في أول الأمر إلى استئلاف المنافقين" . الصارم المسلول ج: 2 ص: 348ـ349
فعلم بهذا أن استئلاف الناس بترك بعض انواع القتال حتى وإن كانت جائزة , مطلوب لمن كان حاله كحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رضي الله عنه في تلك المرحلة .
وبهذا يتبين ان الاحتجاج بفتاوى العلماء ـ الذين نسب إليهم أبوالحسن القول بجواز العمليات الاستشهادية ـ ساقط ، و الله تعالى اعلم
و جاء في أجوبة ابي الحسن رشيد : إصابة مدنيين أثناء التنفيذ, وهذا ما يعرف بمسألة التترس .
نقول :
قبل ذكر اقوال العلماء في مسالة التترس , ينبغي أولا بيان أن هذه التفجيرات هي من جنس التترس ,لأنه قد وجدنا من اهل العلم المعاصرين من ينفي كون هذه التفجيرات تدخل في مسالة التترس . انظرـ مثلا ـ القول المبين في مفهوم التترس وحكمه في الدين للدكتور غني سعود العاني ـ أحد علماء العراق ـ .
ـ وقد ذكر أبو الحسن: أن مسألة التترس ـ في إحدى صورتيها ـ قد قال بها جمهور الفقهاء . قال : من المقرر عند عامة المسلمين فضلا عن خاصتهم أنه يحرم قتل المسلم بغير حق، لما ورد في ذلك من وعيد شديد، ومع ذلك فإن علماء المسلمين لم يجعلوا تلك القوارع الواردة في تحريم قتل النفس منصبة على من قتل المسلمين الذين يتترس بهم الكفار إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بقتلهم وخيف من تركهم أن يُجتث الإسلام أو يُباد أهل الشوكة من أهله، فذهب جمهور أهل العلم إلى جواز قتل الترس في الحالة المذكورة .
هذه الصورة من التترس قد نقل صاحب الرسالة عن شيخ الاسلام وغيره انها مجمع عليها . فينبغي بيان وجه هذا التعارض .
ـ ذكر في جوابه ـ نقلا عن صاحب الانتقاض ـ : خامسًا : أنَّ النَّاظر في المصالح والمفاسد في أمر يكون نظره فيه لكل من يناله هذا الأمر من المسلمين.
نقول : من المعلوم لدى الحماة وكذا من يقومون بهذه التفجيرات : أن الضرر سينال طائفة من المجاهدين لاسيما في المناطق التي وقعت فيها المجازر بكثرة من وجوه عديدة. ثم بعد حدوث التفجيرات قد وقع فعلا هذا الضرر, بل تضاعف.
فينبغي لزاما الامساك عن هذه التفجيرات على فرض أن النظر كان سليما في تقدير المصلحة قبل حدوث التفجيرات . وأيضا لا يكون النظر سليما إلا بمشاورة سائر أهل الجهاد من أهل العلم والخبرة , الذين عاشوا جميع مراحل الجهاد في هذه البلاد , أو معظمها سواء كانوا موافقين أو مخالفين , وفي أي حهة كانوا لأنهم ادرى بوجوه المصالح والمفاسد وعاقبة هذه التفجيرات.
وقد علمنا أنهم لم يشاوروا حتى بعض من هم تحت تنظيمهم فقد أنكر عليهم هذه التفجيرات بعض قادتهم. منهم المدعو: ابو مسلم الجزائري. كما جاء في جريدة الشروق بتاريخ 01/06/2007 إن صح الخبر.
ـ ورد في أجوبة أبي الحسن رشيد انه :
يجب أن يحرص المجاهدون على تكرار إنذار المسلمين المخالطين للطواغيت وأعوانهم وأسيادهم من اليهود والأمريكان بالابتعاد عن مقارهم ومكاتبهم ومواكبهم وتجمعاتهم، إلا إذا أدى هذا الإنذار إلى كشف المجاهدين وإنزال خسائر بهم.
نقول :
من المعلوم ان سائر بلاد المسلمين اليوم قد تسلط عليها المرتدون ولا يمكن لأهلها غالبا أن يعتزلوا هؤلاء المرتدين ولا يخالطوهم كيف وهم يعيشون تحت حكمهم ويسكنون معهم في نفس أرضهم , وقد تكثف تواجد الطواغيت في سائر البلاد بسبب الحرب القائمة بينهم وبين المجاهدين .
فلا تخلو قرية من مراكز الطواغيت وتجمعاتهم , بل حتى الجبال قد سكنها هؤلاء المرتدون , و اقاموا فيها ثكناتهم . كما اقاموا الابراج في كثير من الطرقات التي لا تخلو غالبا من المارة مشاة و ركبانا. ولا تخلو المدن والقرى ـ غالبا ـ من مرور مراكبهم , فكيف لهؤلاء السكان المسلمين اعتزالهم والابتعاد عنهم. هذا إذا امكن اعلامهم مسبقا بهذه التفجيرات, ومن المعلوم انه لا يمكن للمجاهدين انذارهم مسبقا لتعذر اتصال المجاهدين بالشعب , كما لا يخفى على من يعيش في هذه البلاد مجاهدين وغيرهم , هذا من جهة. من جهة أخرى: هذه التفجيرات أعمال مباغتة , لا يمكنهم انذار الناس بها حتي لا تنكشف .
اما اعتزال الطواغيت مطلقا والرحلة من المناطق التي تقع فيها التفجيرات ـ غالبا المدن ـ الى اماكن لاتقع فيها كالجبال ومحيطها , فإن هؤلاء المخالطين للمرتدين ـ في هذه البلاد ـ جميعا يتعذر أو يتعسر عليهم في الغالب ذلك ـ إلا من قدر على الجهاد ـ لأسباب معلومة:
1 ـ أسباب تعود إلى عجز مالي أو بدني .
فكثير الناس في هذه البلاد لا يستطعون مغادرة مدنهم او قراهم التي يسكنون فيها بسبب الفقر وقلة ذات اليد , او ضعف الجسم وهو حال المستضعفين من النساء او الولدان أو الرجال الشيوخ والمرضى .
2 ـ أسباب عامة تعود لقهر طاغوت أو ظلم الخوارج,
فكثير من هؤلاء المخالطين للمرتدين قد فروا من الأماكن الجبلية ومن الأماكن المعزولة بسبب المجازر التي كان من ورائها الخوارج و الطاغوت , ولازالت كثير من القرى فارغة بسبب ذلك. ولازال كثير من الشعب يمتنع عن دخول الغابات , خوفا من القتل والذبح , وإذا دخل احدهم مضطرا فإنه إذا رأى احد المجاهدين , بل أحدا يحمل زي المجاهدين فإنه يفر لا يلوي على شيء , فكيف ياخذ اهله الى مثل هذه المناطق ليعتزل الطاغوت وهو يخافها لمجرد الاحتطاب او ادنى اقتراب .
و بعض الشعب كان مصرا على البقاء في الجبال بعد تلك المجازر, فطرده الطاغوت واجبره على مغادرة تلك المناطق , حتى لايتعامل مع المجاهدين السنيين فهؤلاء ان ارادوا اعتزال اماكن التفجيرات , فالذي يمكنهم هو الرجوع إلى مساكنهم التي طردوا منها وهذا ممنوعون منه غالبا , لاسيما في المناطق التي لازال فيها المجاهدون ينشطون .
الرد المفصل :
هذه المسألة ـ أي التفجيرات ـ مركبة من مسألتين :
الأولى : العمليات الإستشهادية : وهذه ينغمس فيها المسلم في جمع من الكفار ويفجر نفسه قاصدا قتل الكفار والنكاية فيهم . و لا خلاف بيننا وبين أصحاب التفجيرات في جواز أصل هذه العمليات في أوساط الكفار الخلص , وإن كنا قد نختلف معهم في مقصد من مقاصدها, أوفي حد النكاية. وإنما النزاع في ايقاع هذه العمليات في جموع كفار مختلطين بالمسلمين .
فهذه المسألة بهذه الصورة فيها قتل النفس و قتل الغير , لأجل ما يظنه القاتل مصلحة للمسلمين . فلا بد من إثبات جواز هذه المسألة بهذه الصورة المركبة. وعليه فلا يمكن الاستدلال بفتاوى العلماء التي نقلها صاحب الرسالة على جواز هذه التفجيرات لأنها خاصة بالعمليات الاستشهادية في أوساط الكفار الخلص .
ونتكلم بالتفصيل على المسألتين :
ـ العمليات الاستشهادية :
فبناء على تلك الفتاوي وكلام أهل العلم المنقول في أجوبة ابي الحسن رشيد حول العمليات الاستشهادية , فإن هذه التفجيرات لا تصح , لأن شرط هذه العمليات ـ الذي نصوا عليه ـ أن تكون في جموع الكفار المحاربين , لإحداث النكاية فيهم , وليس بين جموع الكفار المختلطين بالمسلمين . فهذه التفجيرات فيها قتل للكفار والمسلمين على السواء.
وجميع العلماء الذين يذكرون هذه المسألة يقيدون جوازها بحصول المنفعة للمسلمين , وإلا حرمت . قال ابن القيم : ( والمجاهد لا يقصد أن يغلب ويسلب وإن كان قد يقع ذلك من آحاد المجاهدين إذا قصد الانغماس في العدو وأن يستشهد في سبيل الله تعالى , وهذا يحمد إذا تضمن مصلحة للجيش والإسلام , كحال الغلام الذي أمر الملك بقتله ليتوصل بذلك إلى إسلام الناس ) الفروسية ج: 0 ص: 324
وقال ابن تيمية : (وقد روى مسلم فى صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين , ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم فى صف الكفار, وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان فى ذلك مصلحة للمسلمين , وقد بسطنا القول فى هذه المسألة فى موضع آخر. فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره , كان ما يفضى إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التى لا تحصل إلا بذلك , ودفع ضررالعدو المفسد للدين والدنيا الذى لا يندفع إلا بذلك أولى ) مجموع الفتاوى ج: 28 ص: 540
وسئل ـ رحمه ـ عمن قال: " أريد أن أقتل نفسي فى الله " فأجاب :( فهذا كلام مجمل , فانه اذا فعل ما أمره الله به فأفضي ذلك الى قتل نفسه فهذا محسن في ذلك , كالذي يحمل على الصف وحده حملا فيه منفعة للمسلمين , وقد اعتقد أنه يقتل فهذا حسن , وفي مثله أنزل الله قوله " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد " ومثل ما كان بعض الصحابة ينغمس فى العدو بحضرة النبى . وقد روي الخلال باسناده عن عمر بن الخطاب ان رجلا حمل على العدو وحده فقال الناس : القى بيده الى التهلكة .فقال عمر: لا ولكنه ممن قال الله فيه " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد".
وأما إذا فعل ما لم يؤمر به حتى أهلك نفسه , فهذا ظالم متعد بذلك. مثل ان يغتسل من الجنابة فى البرد الشديد بماء بارد يغلب على ظنه انه يقتله, او يصوم فى رمضان صوما يفضي الى هلاكه , فهذا لا يجوز, فكيف فى غير رمضان. وقد روى أبو داود فى سننه فى قصة الرجل الذي اصابته جراحة فاستفتى من كان معه هل تجدون لي رخصة فى التيمم . فقالوا لا نجد لك رخصة.
فاغتسل فمات فقال النبى :قتلوه قتلهم الله هلا سألوا اذا لم يعلموا فانما شفاء العي السؤال . وكذلك روى حديث عمرو بن العاص لما اصابته الجنابة فى غزوة ذات السلاسل , وكانت ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه بالتيمم . ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم . فقال يا عمرو اصليت بأصحابك وانت جنب . فقال يا رسول الله انى سمعت الله يقول : "ولا تقتلوا انفسكم " . فضحك ولم يقل شيئا فهذا عمرو قد ذكر ان العبادة المفضية الى قتل النفس بلا مصلحة مامور بها هي من قتل النفس المنهى عنه , واقره النبى على ذلك .
وقتل الانسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والاجماع كما ثبت عنه فى الصحاح انه قال " من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". وفى الحديث الاخر :"عبدي بادأنى بنفسه فحرمت عليه الجنة واوجبت له النار". وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراح وكان النبى يخبر انه من اهل النار لعلمه بسوء خاتمته . وقد كان لا يصلى على من قتل نفسه . ولهذا قال سمرة بن جندب عن ابنه لما اخبر انه بشم فقال لو مات لم أصل عليه .
فينبغى للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الانسان قتل نفسه أو تسببه فى ذلك , وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين انفسهم واموالهم له , كما قال تعالى :" ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة ". وقال :" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله اي يبيع نفسه" مجموع الفتاوى ج: 25 ص: 279 ـ 281
وقد جاء في أجوبة أبي الحسن رشيد : قال السرخسي في شرحه تعليقاً على الشيباني : (فالشرط أن تكون حملته تنكي فيهم ظاهراً). فلا تصح هذه العمليات الا بشرط حصول المنفعة , والا حرمت .
وحديث الغلام الذي هو العمدة في الاستدلال على جواز العمليات الاستشهادية , فيه نص صريح على اشتراط حصول هذه المنفعة لجواز قتل الإنسان نفسه ,. وقد روى قصة هذا الغلام مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ومما جاء فيه : فَقَالَ لِلْمَلِكِ ـ أي الغلام ـ إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ ارْمِنِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ فَقَالَ النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ .
قال شيخ الإسلام : " وقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قصتهم مبسوطة فيها أن الراهب صبر حتى قتل وأن الغلام أمر بقتل نفسه لما علم أن ذلك سبب لإيمان الناس إذا رأوا تلك الآية , وأن الناس لما آمنو فتنهم الكفار حتى يرجعوا عن دينهم فلم يرجعوا حتى ان المرأة التي ارادت ان ترجع انطق الله صبيها وقال اصبري يا اماه فإنك على الحق ) الاستقامة ج: 2 ص: 332
فالمصلحة ظاهرة في الحديث ـ كما هو واضح ـ وهي دخول الناس في دين الله ورسوخ الايمان في قلوبهم , حتى اختاروا القتل على الكفر بالله . فلأجل إيمان الناس بالتوحيد , وكفرهم بطاغوت ذلك الزمان أمر الغلام بقتل نفسه , وهو عكس ما يحصل بهذه التفجيرات ، ففيها تنفير ظاهرللناس عن المجاهدين يؤدي بهم إلى ترك الجهاد والإنحياز للطاغوت .
فكثير من الناس قد فروا من الجبال وسكنوا المدن خوفا من القتل , وحماية لأنفسهم من ظلم الخوارج, إذا بهم تلاحقهم هذه التفجيرات لقتلهم مرة أخرى. فهم يرون أن الطاغوت يحميهم وأهل الجهاد يقتلونهم . فكيف يعود هؤلاء إلى المجاهدين ويناصرونهم ؟
وفي هذا :
ـ مخالفة لما نص عليه حديث الغلام من حصول تلك المصلحة بعد قتل الغلام ، وهو العمدة في استدلالهم على جواز هذه التفجيرات .
ـ و تفويت مصلحة ضرورية ـ بالاتفاق بين المجاهدين ـ فالشعب هم مادة هذا الجهاد الأساسية.
ـ وفيها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يعمل بها في مثل أحوالنا. فقد كان يعامل الناس في مرحلة الاستضعاف ـ وهي ما يعيشه المجاهدون الآن ـ بالتأليف حتى يكونوا في صفه ولا يكونوا في صف عدوه .
وقال ابن القيم في ذكره لأدلة سد الذرائع :
الْوَجْهُ التَّاسِعُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكُفُّ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ - مَعَ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً - لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى تَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُوجِبُ النُّفُورَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِمَّنْ دَخَلَ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ، وَمَفْسَدَةُ التَّنْفِيرِ أَكْبَرُ مِنْ مَفْسَدَةِ تَرْكِ قَتْلِهِمْ ، وَمَصْلَحَةُ التَّأْلِيفِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْقَتْلِ . إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 3 / ص 345) ـ(ج 3 / ص 347)
قال شيخ الإسلام: فَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَكْثَرَ أَمَرَ بِهِ ؛ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ . وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ ؛ بَلْ يَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَزَوَالِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ ... .
.. . . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَئِمَّةِ النِّفَاقِ وَالْفُجُورِ لِمَا لَهُمْ مِنْ أَعْوَانٍ فَإِزَالَةُ مُنْكَرِهِ بِنَوْعِ مِنْ عِقَابِهِ مُسْتَلْزِمَةٌ إزَالَةَ مَعْرُوفٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِغَضَبِ قَوْمِهِ وَحَمِيَّتِهِمْ ؛ وَبِنُفُورِ النَّاسِ إذَا سَمِعُوا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَاطَبَ النَّاسَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ وَاعْتَذَرَ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَوْلًا الَّذِي أَحْسَنَ فِيهِ : حَمِيَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عبادة مَعَ حُسْنِ إيمَانِهِ . مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 337) ص 338)
وقال أيضا عن سبب ترك علي لقتال الخوارج أول ما ظهروا : "وانما لم يقتلهم علي رضي الله عنه أول ما ظهروا لأنه لم يتبين له أنهم الطائفة المنعوته حتى سفكوا دم ابن خباب , وأغاروا على سرح الناس . فظهر فيهم قوله يقتلون : أهل الاسلام ويدعون أهل الأوثان . فعلم أنهم المارقون . ولأنه لو قتلهم قبل المحاربة له لربما غضبت لهم قبائلهم, وتفرقوا على علي رضي الله عنه , وقد كان حاله في حاجته الى مداراة عسكره واستئلافهم , كحال النبي في حاجته في أول الأمر إلى استئلاف المنافقين" . الصارم المسلول ج: 2 ص: 348ـ349
فعلم بهذا أن استئلاف الناس بترك بعض انواع القتال حتى وإن كانت جائزة , مطلوب لمن كان حاله كحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رضي الله عنه في تلك المرحلة .
وبهذا يتبين ان الاحتجاج بفتاوى العلماء ـ الذين نسب إليهم أبوالحسن القول بجواز العمليات الاستشهادية ـ ساقط ، و الله تعالى اعلم