والمسألة الثانية : مسألة التترس

مسألة التترس لها صورتان عند العلماء:

ـ الصورة الأولى في حالة الضرورة : فأكثر العلماء وجماهير الفقهاء يجوزون في هذه الحالة قتل المسلمين إذا تترس بهم العدو دفعا للضرر العام عن المسلمين . [1].
وهناك من أهل العلم من يمنع حتى في هذه الحالة . قال في مغني المحتاج : ( وإن تترسوا بمسلمين ) ولو واحدا أو ذميين كذلك ( فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم ) وجوبا صيانة للمسلمين وأهل الذمة ... ( وإلا ) بأن دعت ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ بِأَنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ حَالَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ بِحَيْثُ لَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ ظَفِرُوا بِنَا وَكَثُرَتْ نِكَايَتُهُمْ ( جَازَ رَمْيُهُمْ ) حِينَئِذٍ ( فِي الْأَصَحِّ ) الْمَنْصُوصِ ، وَنَقْصِدُ بِذَلِكَ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ وَنَتَوَقَّى الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الذِّمَّةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ؛ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ الْإِعْرَاضِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ الْإِقْدَامِ ، وَيُحْتَمَلُ هَلَاكُ طَائِفَةٍ لِلدَّفْعِ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَمُرَاعَاةِ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ .
وَالثَّانِي الْمَنْعُ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ رَمْيُ الْكُفَّارِ إلَّا بِرَمْيِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَكَالذِّمِّيِّ الْمُسْتَأْمَنُ). مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج - (ج 17 / 305 ص 307)
و بناءا على هذا فإن هذه الصورة من التترس فيها خلاف, ولكن قد نقل شيخ الاسلام الاتفاق عليها . قال رحمه الله : وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَيْشَ الْكُفَّارِ إذَا تَتَرَّسُوا بِمَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَخِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الضَّرَرَ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ ؛ وَإِنْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَتَرَّسُوا بِهِمْ . وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ الْمُفْضِي إلَى قَتْلِ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ. مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 427
وقال أيضا : فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ وَخِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ نَرْمِيَهُمْ وَنَقْصِدَ الْكُفَّارَ . وَلَوْ لَمْ نَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَازَ رَمْيُ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ . مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 426)[2]
والذي يظهرـ توفيقا بين الرأيين والله اعلم ـ أن هذا الاتفاق صحيح في صور معينة من الضرورة وهي التي تحققت فيها ضوابط المصلحة التي نص عليها العلماء كما سيأتي في كلام القرطبي .
قال الغزالي :
أَمَّا الْوَاقِعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورَاتِ فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ ، وَمِثَالُهُ : أَنَّ الْكُفَّارَ إذَا تَتَرَّسُوا بِجَمَاعَةٍ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ لَصَدَمُونَا وَغَلَبُوا عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ رَمَيْنَا التُّرْسَ لَقَتَلْنَا مُسْلِمًا مَعْصُومًا لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا وَهَذَا لَا عَهْدَ بِهِ فِي الشَّرْعِ ، وَلَوْ كَفَفْنَا لَسَلَّطْنَا الْكُفَّارَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُونَهُمْ ثُمَّ يَقْتُلُونَ الْأُسَارَى أَيْضًا ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : هَذَا الْأَسِيرُ مَقْتُولٌ بِكُلِّ حَالٍ فَحِفْظُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ تَقْلِيلُ الْقَتْلِ كَمَا يَقْصِدُ حَسْمَ سَبِيلِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ ، فَإِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى الْحَسْمِ قَدَرْنَا عَلَى التَّقْلِيلِ وَكَانَ هَذَا الْتِفَاتًا إلَى مَصْلَحَةٍ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهَا مَقْصُودَ الشَّرْعِ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ وَأَصْلٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْحَصْرِ .
لَكِنَّ تَحْصِيلَ هَذَا الْمَقْصُودِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَهُوَ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ غَرِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فَهَذَا مِثَالُ مَصْلَحَةٍ غَيْرِ مَأْخُوذَةٍ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ .
وَانْقَدَحَ اعْتِبَارُهَا بِاعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ أَنَّهَا ضَرُورَةٌ قَطْعِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهَا مَا لَوْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ فِي قَلْعَةٍ بِمُسْلِمٍ إذْ لَا يَحِلُّ رَمْيُ التُّرْسِ إذْ لَا ضَرُورَةَ فَبِنَا غُنْيَةٌ عَنْ الْقَلْعَةِ فَنَعْدِلُ عَنْهَا إذْ لَمْ نَقْطَعْ بِظَفَرِنَا بِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً بَلْ ظَنِّيَّةً ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهَا جَمَاعَةٌ فِي سَفِينَةٍ لَوْ طَرَحُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ لَنَجَوْا، وَإِلَّا غَرِقُوا بِجُمْلَتِهِمْ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كُلِّيَّةً إذْ يَحْصُلُ بِهَا هَلَاكُ عَدَدٍ مَحْصُورٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَاسْتِئْصَالِ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ لِلْإِغْرَاقِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ وَلَا أَصْلَ لَهَا . المستصفى - (ج 1 / ص 441ـ 442)
قال القرطبي :" قلت: قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية.
فمعنى كونها ضرورية، أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس.
ومعنى أنها كلية، أنها قاطعة لكل الامة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الامة.
ومعنى كونها قطعية، أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا.
قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لان الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين.
وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون.
تفسير القرطبي - (ج 16 / ص 286ص 287)
وقد نص شيخ الإسلام على أهم شرط من هذه الشروط وهو " كونها قطعية " : أي لا يندفع الضرر عن المسلمين إلا بقتل الترس . قال ـ رحمه الله ـ : فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضى إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التى لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذى لا يندفع إلا بذلك أولى . ) مجموع الفتاوى ج: 28 ص: 540
وعلى فرض أن ما تقوم به الجماعة السلفية من تفجيرات يدخل في هذه الحالة ـ وهي حالة الضرورة ـ فلا بد من تحديد أقسام هذه الضرورة التي يستندون اليها في تجويز هذه التفجيرات و صورها , وهم لم يفعلوا ذلك . و بيان صور الضرورة واقسامها متيعن , حتى نعلم هل يستباح بمثلها قتل من لا يستحق القتل من المسلمين المختلطين بالمرتدين؟ لانه ليس كل ما يظنه الانسان ضرورة يكون ضرورة معتبرة تستحل بها الدماء .
والضرورة التي نظن أنهم قد يستندون إليها في هذه التفجيرات في الجزائر قسمان : هو إما دفع الضرر العام عن سائر المسلمين بما فيهم المجاهدين , وذلك بزوال هذا الطاغوت , أوبتقليل ضرره وتخفيفه كطرده من الجبال مثلا .
القسم الثاني : دفع ضرر خاص في كل عملية يقومون بها . وهذه يدخل فيها عدة صور منها الممنوعة والجائزة .
فإن كان مقصودهم دفع الضرر عن كل المسلمين بزوال هذا الطاغوت , فالمقطوع به أنه لا يندفع هذا الضرر بتلك التفجيرات , سواء كان المقتول رأسا من رؤوس الطواغيت , أو بعض جنوده بل حتى الكثير منهم . فكل هذا قد وقع في جهادنا مع الطاغوت وفي مرحلة كان الجهاد قويا و الطاغوت مزلزل العروش , فقد قتل الطاغوت بوضياف أحد رؤسائهم ـ في وقت كانوا بأمس الحاجة إليه ـ وكثير من قادتهم والالاف من جنودهم ولم يندفع ضررهم بذلك و لم يزُل نظامهم . فكيف يعتقد أن يزول نظامهم في هذا الوقت ـ بهذه التفجيرات ـ بعدما تمكنوا وضعفت شوكة المجاهدين واستعانوا بسائر ملل الكفر.
أما تقليل ضرره كطرده من الجبال , وتخفيف ضغطه , فلا يحصل أيضا بهذه التفجيرات لأ نها لا تستهدف مراكز الطاغوت مباشرة في الجبال , التي هي موضع الضرر المباشر, وإنما تقع في المدن بعيدة عن الطاغوت .
وان كان مقصودهم دفع ضرر خاص , فلابد لهم من تحديد صوره في الواقع بما يوافق ما ذكره العلماء من صور الضرورة , أو ما يشبهها .
فاذا نظرنا الى ما تقوم به الجماعة السلفية من عمليات , كل عملية على حدة , فلا نرى أنها يندفع به أي ضرر يباح بمثله استباحة دم مسلم , لأننا كما اسلفنا القول ليس أي ضرر يبيح قتل المسلم تبعا لقتل الكافر . فهل يبيحون دم المسلم لأجل قتل بعض الطواغيت أو بعض الكفار الأصليين , اللهم الا اذا قيل ان بعض أنواع تلك التفجيرات ـ في مجموعها ـ يؤدي في المآل الى اندفاع الضرر العام ـ أي زوال الطاغوت ـ أو يقل ضرره ويخف . وهذا أمر ـ أي زواله في المستقبل ـ ظني ليس مقطوعا به , ولا مظنونا ظنا غالبا . وهذا ينقض إحدى شروط المصلحة التي نص عليها الفقهاء , كما تقدم وهو شرط القطعية .
فمراد الفقهاء بالضرورة ـ لمن تتبع كلامهم في مصنفاتهم والله اعلم ـ التي تبيح ضرب الترس ـ بشرطها ـ هو دفع ضرر خاص ومباشر في واقعة معينة , وليس دفع ضرر عام , لا يحصل الا في وقائع متكررة ومتتالية .
وقد نبه بعض من تكلم في بعض أنواع هذه التفجيرات من أهل العلم المجاهدين أنه لاينبغي النظر في هذه العمليات الى دفع الضرر العام ـ تسلط الكافر ـ ولكن ينبغي النظر الى كل عملية على حدة , فلا تباح الا لضرورة معتيرة , على أن تكون موافقة لشروط التترس التي وضعها العلماء .

قال أبو يحيى (حسن قائد) في موضوع بعنوان (التترس في الجهاد المعاصر) : " وما يظهر لي - والله تعالى أعلم - فيما يتعلق بحالة الاضطرار أو خوف الضرر الذي عُلق به الحكم وهو جواز رمي الترس يمكن أن يقسم إلى قسمين :
الأول منهما : هو ما كنا نتحدث عنه وهو الضرر العام الشامل الكلي المتعلق بعموم تسلط الكفار على ديار المسلمين ، وهذا يرتبط بأصل قيام الجهاد ضدهم وهو من أهم أسباب تعينه في هذا الزمان وهو نتيجة متحتمة ولازمة لغلبة الكافرين على بلدان المسلمين والذي يعبر عنه بعض الفقهاء بإفساد الدين والدنيا ويعضد هذا الأمرَ العام وجوبُ استمرار الجهاد وعدم قبول أي بديل عنه لأنه أمر شرعي مفروض أولاً ولأن ما سواه من المسالك والطرق إنما هي إطالة لعمر الفساد ومنح الفرصة للكفرة في التمكين لأنفسهم ونشر سمومهم وقلب حياة المسلمين وصوغها حسب إراداتهم وميولهم الشهوانية.
وأما القسم الثاني : من أقسام الضرر الواقع على المسلمين فهو ما يتعلق بكل عملية عسكرية على حدة والتي تدخل في مجمل العمل الجهادي العام وتعتبر فرداً من أفراده وجزئية من جزئياته ، وذلك يتطلب أموراً كثيرة في تقدير الضرر ومدى قوة تحققه من ضرب هذا الهدف على التعيين، وعن إمكانية إزالته بهذه الطريقة المعينة وانحصارها فيها بحيث لا يتأتى التوصل إلى ذلك الهدف إلا بتلك الكيفية المحددة ، وفي هذا تتعدد أوجه النظر وتختلف الاجتهادات ، ولهذا فلا يكفي - فيما يظهر والله أعلم - التعليل بخوف الضرر العام الشامل الواقع من احتلال الكفار لبلدان المسلمين واعتبار حالات وجود أفراد الاحتلال جميعها بين المسلمين هي من قبيل مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء ، بل لا بد من النظر في كل حالة بعينها وحصر المصالح المتوخاة من ورائها ومعرفة مدى الأضرار الحقيقة التي يراد إزالتها من ضرب الهدف العسكري المقصود في تلك العملية وذلك مع استحضار الضوابط والقيود التي ذكرها الفقهاء والتي سنشير إليها في النقطة الآتية ".
وهذه التفجيرات الي تقوم بها الجماعة السلفية ـ فيما نرى ـ لم تدفع أي ضرر بقسميه , وإنما جلبت الضرر للمجاهدين لاسيما في المناطق التي وقعت فيها المجازر. وسيأتي ذكر بعض هذه الأضرار فيما كتبه أخونا أبو جعفر محمد ـ أمير جماعة حماة الدعوة السلفية ـ حول هذه التفجيرات .
ولهذا فبناء على نوع التفجيرات التي تقوم بها الجماعة السلفية , وما قرروه في بعض ما بلغنا من كتاباتهم حول هذه المسألة, فإن تفجيراتهم لا تدخل في الصورة الأولى من التترس ـ وهي صورة الضرورة ـ وإنما تندرج في الصورة الثانية , وهو ضرب الترس من المسلمين ومن في حكمهم ولو لغير ضرورة . قال أبو الحسن الرشيد في أجوبته :
قال : 1) أن رمي مؤسسات الكفار والمرتدين في هذا الزمان ضرورية أو شبه ضرورية في حالة حربنا مع الطواغيت، حيث يحارب المجاهدون المستضعفون جحافلاً جرارة شاكية السلاح، تامة الاستعداد من الطواغيت وأعوانهم، بحيث أصبح من شبه المستحيل الدخول معهم في مواجهة مفتوحة.
2) تحصن الطواغيت – الوزراء والقادة منهم – بالسيارات المصفحة وبالدروع الواقية من الرصاص وبالحراسات الكثيفة وإجراءات الأمن المعقدة، بحيث أصبح من العسير جداً، أو شبه المستحيل، الوصول إلى أئمة الكفر بغير استخدام المتفجرات والصواريخ وما أشبهها.
3) يحرص الطواغيت على أن تكون تجمعاتهم ومواكبهم وسط الناس والجماهير، مما يتعذر اقتناصهم منعزلين، مما يؤدي لتعطيل الجهاد، إذا تُرك رميهم، كما ذكر العلماء في السبب المبيح لرمي الكفار إذا تترسوا بمسلمين.
فهذا السبب ـ أي تعطيل الجهاد ـ الذي ذكره أبو الحسن رشيد لتجويز تفجيراتهم ، إنما ذكره العلماء في الصورة الثانية من التترس . وبهذا يتبين أنهم يرون جواز هذه التفجيرات ـ الذي يقتل فيها المسلم مع المرتد ـ مطلقا ولو لغير ضرورة والله أعلم .


ـ الصورة الثانية في مسألة التترس :
وهي جواز ضرب الترس ولو لغير ضرورة ـ وهو دفع الضرر عن المسلمين ـ اذا ترتب عليه مصلحة راجحة .
في هذه الصورة رأيان للعلماء : رأي يجيز ضرب الترس , وبه قال جمهور الاحناف والمالكية و الامام الثوري .
ورأي يمنع وبه يقول الشافعية والحنابلة والحسن بن زياد من الحنفية وبعض المالكية [3].
قال ابن قدامة : وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ ، وَلَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ ، لِكَوْنِ الْحَرْبِ غَيْرَ قَائِمَةٍ ، أَوْ لِإِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ ، أَوْ لِلْأَمْنِ مِنْ شَرِّهِمْ ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ .
فَإِنْ رَمَاهُمْ فَأَصَابَ مُسْلِمًا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ .
وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى رَمْيِهِمْ لِلْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، جَازَ رَمْيُهُمْ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ .
وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، لَكِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمْ إلَّا بِالرَّمْيِ ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ : لَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ } الْآيَةَ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ رَمْيُهُمْ إذَا كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ . المغني - (ج 21 / ص 105)
قال ابن رشد : (وأما إذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين وأطفال من المسلمين فقالت طائفة: يكف عن رميهم بالمنجنيق , وبه قال الاوزاعي وقال الليث: ذلك جائز.
ومعتمد من لم يجزه قوله تعالى: * (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) * الآية.
وأما من أجاز ذلك فكأنه نظر إلى المصلحة) بداية المجتهد - (ج 1 / ص 309)
وعلى القولين - في هذه الحالة الثانية من التترس- لا حجة للجسدق على مشروعية هذه التفجيرات .
أما على رأي من قال بالمنع فظاهر . وهم طائفتان : إحداهما ترى المنع مطلقا ، قل عدد المسلمين المتواجدين وسط الكفار أم كثروا كالأوزاعي والليث بن سعد - رحمهما الله -. والطائفة الأخرى تمنع رمي الكفار بما يعم به الهلاك إدا كان عدد المسلمين كثيرا لأن الظاهر إصابتهم .
قال الشافعي - رحمه الله - : " وان كان فيهم ـ أي الكفار ـ أسارى من المسلمين نظرت فإن خيف منهم أن هم إن تركوا قاتلوا وظفروا بالمسلمين جاز رميهم، لان حفظ من معنا من المسلمين أولى من حفظ من معهم وان لم يخف منهم نظرت، فإن كان الاسرى قليلا جاز رميهم لان الظاهر أنه لا يصيبهم، والاولى أن لا ترميهم، لانه ربما أصاب المسلمين وان كانوا كثيرا لم يجز رميهم، لان الظاهر أنه يصيب المسلمين، وذلك لا يجوز من غير ضرورة ". المجموع - (ج 19 / ص 296) - (ج 19 / ص 297).
وهذه هي صورة الواقع التي تقع فيها تفجيرات الجسدق . فهي تحدث غالبا في أماكن مكتظة بالناس ، ولهذا يسقط منهم في كل مرة جرحى وقتلى , مع دعوى أصحاب التفجيرات انهم يحتاطون ويختارون الأوقات التي تقل فيها حركة السكان . وعلة المنع من ضرب الترس من المسلمين عند الطائفتين هو صيانة دماء المسلمين وتعظيم حرماتهم .قال في مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج : ( وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ ) وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ ذِمِّيِّينَ كَذَلِكَ ( فَإِنْ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ تَرَكْنَاهُمْ ) وُجُوبًا صِيَانَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ . - (ج 17 / ص 306) .
قَالَ اللَّيْثُ : تَرْكُ فَتْحِ حِصْنٍ يُقْدَرُ عَلَى فَتْحِهِ ، أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ . المغني ج21/105
أما على رأي من قال بجواز ضرب الترس في هذه الحالة [4] فلا يسوغ للجسدق أيضا القيام بهذه التفجيرات ، لأن حجة هؤلاء العلماء في جواز استعمال الأسلحة التي يعم بها الهلاك في هذه الحالة هو إقامة فرض الجهاد ، بحيث إذاامتنعوا المجاهدون من استعمالها تعطل الجهاد وتوقف . قال السرخسي : وَلَا بَأْسَ بِإِرْسَالِهِ الْمَاءَ إلَى مَدِينَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَإِحْرَاقِهِمْ بِالنَّارِ وَرَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ أَطْفَالٌ أَوْ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَى أَوْ تُجَّارٌ ... وَكَذَلِكَ إنْ تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِالرَّمْيِ إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ الرَّامِي يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصِيبُ الْمُسْلِمَ وَعَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ فَرْضٌ وَتَرْكُ الرَّمْيِ إلَيْهِمْ جَائِزٌ وَلَكِنَّا نَقُولُ : الْقِتَالُ مَعَهُمْ فَرْضٌ وَإِذَا تَرَكْنَا ذَلِكَ لِمَا فَعَلُوا أَدَّى إلَى سَدِّ بَابِ الْقِتَالِ مَعَهُمْ ... المبسوط - (ج 12 / 125ص 126)
فالمصلحة عند المجيزين لضرب الترس ـ في الصورة الثانية من التترس ـ هو الحفاظ على فرض الجهاد حتى لا يتعطل كما هو مصرح به في كلام الفقهاء .
ومعلوم عند أهل الخبرة من المجاهدين , أن هذه الوسيلة ليست الوسيلة القتالية الوحيدة حتى يتعطل الجهاد ويتوقف , بل هناك العديد من الوسائل القتالية التي تجعل هذا الجهاد مستمرا ومحفوظا بإذن الله . والمجاهدون السنيون يجاهدون بغير هذه التفجيرات منذ ما يقارب العقدين من الزمان . و يوجد من الأهداف الكثير, التي يحصل بها النفع للمجاهدين , من غير أن يقتل أحد من عامة الشعب كما سياتي ـ في آخر البحث ـ مفصلا في موضوع لأخينا أبي جعفر أمير جماعة حماة الدعوة السلفية .
قال محمد خير هيكل : ( وأما قول المجيزين في هذه الصورة بان القتال هولإقامة الفرض , وجعل الترس مانعا لإقامة الفرض إنما يعني سد باب الجهاد , أي تعطيل حكم شرعي يجب ان يكون ماضيا الى يوم القيامة . فالجواب : ان وجود الترس مانع ظرفي لا ينسد به الجهاد ... ثم إن هذا الترس الذي يفعله العدو إنما هو في بعض الاوقات , أو على بعض الجهات , أو نقاط معينة تهمه حمايتها .والجهاد يبقى محفوظا وراء تلك الاوقات والجهات والنقاط ) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية . الجزء الثاني ص 1337
وكلام المؤلف , وإن كان في غير صورة الواقع الذي نتحدث عنه , إلا أن نفس هذا الكلام يرد به على اصحاب هذه التفجيرات , فليس قتال المدن بهذه التفجيرات هو القتال الوحيد لإقامة فرض الجهاد , بل يمكن قتال الطاغوت في المدن أحيانا بغير هذه الوسائل . كما أن هناك من الأهداف القتالية النافعة , مما يحاذي المدن الكثير.
وهناك قتال الجبال وهو أهم انواع القتال في هذه المرحلة , لأن فيه حفظ رأس مال المجاهد , فالجبال هي التي يسكنها المجاهد وينطلق منها لقتال عدوه . وحفظ رأس المال أولى من الربح , ويمكن للمجاهدين في الجبال استعمال العديد من الوسائل القتالية النافعة التي هي في قدرة المجاهدين ـ حتى العمليات الاستشهادية ـ ومن غير مفسدة راجحة .[5]
ـ بل الذي نراه أن هذا الجهاد قد يتعطل باستعمال هذه التفجيرات لما يترتب عليها من مفاسد . و هذه المفاسد تجعل هذه التفجيرات محرمة , ولو كانت في الأصل جائزة .
ومن أهم هذه المفاسد :
ـ نفرة الناس عن أهل الجهاد ، فهذه التفجيرات فيها تنفير للناس عن أهل الجهاد وانحيازهم للطاغوت . وهذه مفسدة ظاهرة ، وقد وقع مثلها أيام الجماعة الضالة بسبب
المجازر والتفجيرات التي كانت تقوم بها , فقد تحول كثير من الناس أنصارا للطاغوت , وكثير منهم أمسكوا عن مناصرة المجاهدين , وانعدم بذلك الجهاد في كثير من المناطق أو ضعف وقل أنصاره
ولأجل هذه المفسدة ـ أي التنفير عن أهل الإسلام ـ نهي الله تعالى نبيه عن قتال أهل مكة عام الحدبية . قال تعالى : وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .
فالمعرة على قول عند المفسرين أن يعير الكفار المسلمين يقولون قتلوا اهل دينهم . ومعلوم أن في ذلك تنفير للناس عن أهل الإسلام قال الشوكاني :( وأصل المعرّة : العيب ، مأخوذة من العرّ ، وهو الجرب ، وذلك أن المشركين سيقولون : إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم ). فتح القدير -
قال العز بن عبد السلام :
فَإِنْ قِيلَ : لِمَ الْتَزَمَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ إدْخَالَ الضَّيْمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِعْطَاءَ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ ؟ قُلْنَا : الْتَزَمَ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَفَاسِدَ عَظِيمَةٍ وَهِيَ قَتْلُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ لَا يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ وَفِي قَتْلِهِمْ مَعَرَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَاقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ إيقَاعَ الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إلَى الْكُفَّارِ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَامِلِين ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ أَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْقِتَالِ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً وَهِيَ إسْلَامُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْكَافِرِينَ وَكَذَلِكَ قَالَ : { لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } أَيْ فِي مِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ رَحْمَتِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ : { لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا } أَيْ لَوْ تَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَتَمَيَّزَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا . َقواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 1 / ص 146ـ147 / )
ولاشك ـ أن المعرة التي نصت عليها الآية حاصلة عند وقوع هذه التفجيرات , وحدوث الإصابات في أوساط المسلمين , فإن أهل الكفر يتكلمون ويتهمون المجاهدين بالتعدي على المستضعين من النساء والاطفال والشيوخ والزمنى ويصورون , ويحرضون الناس بإقامة المسيرات والتجمعات ـ كما يقع دائما عقب هذه التفجيرات ـ , وهذا مما يسبب النفرة عن أهل الجهاد وترك مناصرتهم بل ومعاداتهم
ـ ويزيد في نفرة الناس عن أهل الجهاد كون هؤلاء الذين يقومون بهذه التفجيرات لازال فيهم بقايا من عهد زييوني وعنتر, ولا زالون يزكون منهج زيتوني الضال المفسد . وهذا الأخير عند كثير من الناس ـ مجاهدين وغيرهم ـ من المخابرات او من الخوارج في اقل احواله من السفاكين للدماء بغير حق.
ـ وأيضا فإن كثيرا من الناس ينفرون من أهل الجهاد لأنهم يشكون أن وراء هذه التفجيرات الطاغوت المرتد بالتخطيط والتوجيه , ولاسيما وقد كان الطاغوت وراء مثل هذه العمليات ـ الذي يقتل فيها الشعب ـ واستعمل فيها طائفة من أهل الجهاد بعضهم كان من خواج الأزارقة , وبعضهم كان من عملائه المندسين في صفوف المجاهدين.
فقد وقعت بعض هذه التفجيرات والصراع محتدم بين جناحين من أجنحة السلطة :بوتفليقة وحلفاؤه والمعارضون له . وقد صرح بهذا كثير من السياسيين وأعلن بوتفليقة بما يدل على ذلك في خطاب ارتجالي مباشرة بعد تفجيرات باتنة التي كان مستهدفا بالقتل فيها فقال : إن وراء هذه التفجيرات أطراف خارجية .
ـ ومن المفاسد أيضا : أن هذه التفجيرات كانت من شعار خوارج الجماعة الإسلامية المسلحة . وهذا معلوم لدى الشعب ولدى المجاهدين ـ الذين كانوا كالمجمعين على عدم استعمال هذه التفجيرات ـ قبل انضمام الجماعة السلفية للقاعدة . ولا زالت هذه المفسدة قائمة , فلا يزال كثير من الناس يعتقدون أن القائمين بهذه التفجيرات من الخوارج او يصيرون في المآل من الخوارج كما شاهدوه في الواقع أيام الجماعة الإسلامية المسلحة .
والواجب مخالفة أهل البدع فيما عرفوا به وتميزوا به , وكان من شعارهم و قد تميزنا عنهم في الاسم ( جماعة حماة الدعوة السلفية والجماعة السلفية للدعوة والقتال ) , فكيف في أعمالهم القتالية التي هي من خصائصهم ؟ فلا يجوزالتشبه بهم فيما اختص بهم ولو كان مشروعا في الأصل .
قال شيخ الإسلام : ( وبالغ طائفة منهم فنهوا عن التشبه بأهل البدع مما كان شعارا لهم , وإن كان في الأصل مسنونا , كما ذكره طائفة منهم في تسنيم القبور, فإن مذهب الشافعي أن الأفضل تسطيحها , ومذهب أحمد وأبي حنيفة أن الأفضل تسنيمها .ثم قال طائفة من أصحاب الشافعي بل ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات, لأن شعارالرافضة اليوم تسطيحها ففي تسطيحها تشبه بهم فيماهو شعار لهم . وقالت طائفة بل نحن نسطحها فإذا سطحناها لم يكن تسطيحها شعار لهم . واتفقت الطائفتان على أن النهي عن التشبه بأهل البدع فيما هو شعار لهم , وإنما تنازعوا في أن التسطيح هل يحصل به ذلك أم لا ؟ ...
بل قد ذكر طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما كراهة أشياء لما فيها من التشبه بأهل البدع , مثل ما قال غير واحد من الطائفتين ومنهم عبد القادر ويستحب أن يتختم في يساره للآثار, ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة وحتى إن طوائف من أصحاب الشافعي يستحبون تسنيم القبور وإن كانت السنة عندهم تسطيحها قالوا لأن ذلك صار شعار المبتدعة ... وقد يتردد العلماء في بعض فروع هذه القاعدة لتعارض الأدلة فيها أو لعدم اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة ...) اقتضاء الصراط ج: 1 ص: 136 اقتضاء الصراط ج: 1 ص: 138
وقال : فالذي قالته الحنفية وغيرهم أنه إذا كان عند قوم لا يصلون إلا على على دون الصحابة , فإذا صلى على علي ظن أنه منهم و فيكره لئلا يظن به أنا رافضي .فأما إذا علم أنه صلى على علي وعلى سائر الصحابة لم يكره ذلك . وهذا القول يقوله سائر الأئمة فإنه اذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحبا . ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارا لهم فلا يتميز السنى من الرافضي , ومصلحة التميز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب . وهذا الذي ذهب إليه يحتاج إليه في بعض المواضع إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب . لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائما , بل هذا مثل لباس شعار الكفار وإن كان مباحا إذا لم يكن شعارا لهم كلبس العمامة الصفراء فإنه جائز إذا لم يكن شعارا لليهود فإذا صار شعارا لهم نهى ) منهاج السنة النبوية ج: 4 ص: 154 ص: 155
ـ ومن المفاسد ايضا : أن هذه التفجيرات ذريعة لإفساد الجهاد من قبل المرتدين والخوارج المارقين . فقد يستغلها الطاغوت لتشوبه المجاهدين والتنفير ـ كما بينا في الكتاب رقم 1/28 حول هذه التفجيرات ـ وهو دائما يتحين هذه الفرص ويينتظر مثل هذه السقطات ليستغلها في الوقت المناسب ضد المجاهدين . وقد تحيا ـ بسبب هذه التفجيرات ـ بدعة الخوارج مرة اخرى , ويعود فسادهم للجهاد بعدما انتهى , لانه من المعلوم انه ما زال في اهل الجهاد من كان على تلك البدعة , وكذلك عامة الشعب , لايزال فيهم من كان مناصرا للجماعة .إ.م , ويحمل معتقداتها. وأيضا لازال بقية في السجون من اولئك المبتدعة الغلاة . وهذه التفجيرات ـ التي كانت من أنواع قتالهم ـ تحيي في قلوبهم ـ بلا شك ـ ذلك المعتقد الباطل , فيعودون لفاسدهم وإفسادهم . و من مفاسد هذه التفجيرات أيضا : إيقاع الضرر على المجاهدين. و الإضرار بالمسلمين عموما محرم , فكيف بخواصهم من المجاهدين الذين تمس هذه التفجيرات جهادهم مباشرة , لا سيما جماعة حماة الدعوة السلفية .
وسياتي في آخر البحث ذكر لبعض هذه الاضرار في موضوع لأخينا أبي جعفر محمد أمير جماعة حماة الدعوة السلفية .
تنبيه مهم : قد تبين لنا فيما تقدم أن الجماعة السلفية تقوم بهذه التفجيرات مطلقا , ولو من غير ضرورة , فهذا يعني أن هذه التفجيرات ستصبح ـ عندهم ـ تستعمل كسائر العمليات القتالية . ومعلوم أن العدو المرتد مختلط بالمسلمين في كل مكان , لا يمكنهم الإنفصال عنه , ومعنى هذا أنه لا يمكن قتال المرتدين إلا بقتل طائفة من المسلمين معهم في كل مرة , وقد يكونون هم كل القتلى أو معظم القتلى ـ كما وقع في عملية باتنة الأخيرة ـ فبهذه الطريقة والأسلوب من القتال لا يمكن غالبا تحاشي قتل المعصومين.
وهذا النوع من القتال هو ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ًٍصريحا في الحديث الصحيح. َففِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مِنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يُوفِي لِذِي عَهْدِهَا ؛ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْت مِنْهُ } .
قال النووي : وَفِي بَعْض النُّسَخ : ( يَتَحَاشَى ) بِالْيَاءِ ، وَمَعْنَاهُ : لَا يَكْتَرِث بِمَا يَفْعَلهُ فِيهَا ، وَلَا يَخَاف وَبَاله وَعُقُوبَته . شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 322)
وهذا يجر بالضرورة الى دين الخوارج الذين يستبحون دماء المسلمين , كما يستبيحون دماء الكفار على السواء. وهذا الذي وقع للجماعة الإسلامية المسلحة لمن يعرف حقيقة الجهاد في الجزائر وتتبع مراحل هذه الجماعة . فقد بدأت جهادها سنية تقتل المرتدين فقط وتتحاشى قتل من لا يستحق القتل من المسلمين , ثم صارت في آخرالأمر من الخوارج المارقين تقتل المسلمين والمردين جميعا بل صارت من الأزارقة , وهم غلاة الخوارج الذين يقتلون الشيوخ والأطفال ويسبون النساء ثم يقتلونهن.

[1] انظر الجهاد والقتال في السياسة الشرعية للدكتور محمد خير هيكل : الجزء الثاني 1331
[2] وفي نقده ـ أي شيخ الاسلام ان تيمية ـ لكتاب ابن حزم (مراتب الاجماع) ص 302 يشعر كلامه ان في المسالة خلاف .قال ـ رحمه الله ـ
:" اذا خيف على جيش المسلمين فانه يجوز ان يرموا بقصد الكفار وان افضى الى قتل المعصومين, لان فساد ذلك دون فساد استيلاء الكفار على جيش المسلمين وهذا مذهب الفقهاء المشهورين كابي حنيفة والشافعي واحمد وغيرهم . وقال : " ولو لم يخش على جيش المسلمين ففي جواز الرمي قولان : يجوز , كقول أبي حنيفة وبعض اصحاب الشافعي . والثاني : لا يجوز كالمعروف من مذهب احمد والشافعي
[3] ( انظر الجهاد والقتال في السياسة الشرعية ) الجزء الثاني 1335
[4] وهناك بعض من يرى الجواز في هذه الحالة يمنع إذا كان بين المسلمين المتواجدين بين الكفار أاطفال . ومنهم الحسن بن زياد من الأحناف . قال ـ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ : إذَا عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمًا وَأَنَّهُ يَتْلَفُ بِهَذَا الصُّنْعِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ وَتَرْكَ قَتْلِ الْكَافِرِ جَائِزٌ . أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَقْتُلَ الْأَسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ مُرَاعَاةَ جَانِبِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ " المبسوط - (ج 12 / 125ص 126) وعلى هذا القول ايضا لا تجوز هذه التفجيرات .
[5] وأيضا فليس مقصود العلماء من تقييد جواز هذه الصورة من التترس باستمرار الجهاد وعدم تعطله , أن يستمر من غير مصلحة راجحة ., بل مقصودهم أن تتحقق المصالح العظيمة من وراء الجهاد , من فتح الحصون والقلاع , والثكنات والاستيلاء على الاموال الاسلحة . وهذه التفجيرات يقتل فيها المجاهد نفسه ويقتل غيره . من غيرأن يحصل منفعة ظاهرة , اللهم الا قتل بعض الطواغيت , واحيانا لا يقتل حتى الطاغوت المستهدف بالقتل كما وقع في تفجيرات العاصمة وباتنة وانما الذي يقتل هو الشعب فقط .