تابع الجزء الثالث
3ـ الدعوة إلى مصالحة الطاغوت
ومن جرائمهم أيضا : أنهم أصبحوا من أنصار بوتفليقة يستغلهم ضد خصومه ويستعملهم للتمكين لحكمه , فجميع رؤوس الإنقاذ الهالكين المهلكين يدعون الآن إلى المصالحة , وهي في الحقيقة دعوة إلى التحاكم إلى الطاغوت والتصالح والإجتماع مع المرتدين , بجميع أصنافهم [1].
فاستمع إلىالمجرم نور الدين الذى أصبح عضوا في اللجنة الوطنية للعفو مع بقية أصحابه الخائنين حيث يقول :"المصالحة من الصلح والصلح مبدأ إسلامي . والمصالحة مشروع حضاري أممي انتحلته جميع البلدان التي أصابتها أزمات داخلية , وعلى رأسها جنوب إفريقيا. لهذا ننصح الشعب الجزائري أن يذهب إلى صناديق الإقتراع يوم 28 سبتمبر ويصوت بنَعَم لمشروع المصالحة الوطنية )
وفي حوار للسفير مع المجرم نور الدين سألته: ما هي أول مبادرة قمتم بها لخدمة البلاد؟ فكان مما أجاب : كما ساهمنا في إقناع البعض بوضع السلاح وإن كانت الإستجابات ضئيلة إلا أننا تمكنا من ذلك , وقد كان الأمر بالتنسيق مع المؤسسات الأمنية , وكنا في غليزان ننسق مع بعض الأحزاب كالنهضة وجبهة التحرير والجمعيات .
وقدمنا مشروع المصالحة للرئيس بوتفليقة في عهدته الأولى عن طريق قنوات كبلخادم والسيد أحمد بن بلة .
كيف كان التحاقكم باللجنة الوطنية للعفو؟
كان عندنا عمل يصبو إلى ما تصبو إليه اللجنة من أبعاد المصالحة في مختلف المناطق( مستغانم, معسكر, سعيدة , وهران...) كنا ننسق مع بعض التنظيمات الجماهرية وبعض الأحزاب ومنها الأفلان . وكان محورنا الأساسي صياغة مشروع المصالحة الوطنية . ولما أنشئت اللجنة والتي نعتبرها امتدادا لما كنا نصبو إليه التحقنا بها وكل الجماعة الذين كانوا ينشطون في المسعى التحقوا بها وصاروا أعضاء رسميين ) السفير ع 275رجب من29إلى05شعبان1426/03إلى09سبتمبر2005
وجاء في نفس الجريدة: فمدني مزراق الذي هو أكثر المترشحين للتضرر من ظاهر نص الميثاق يرى صياغة مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة صياغة استئصالية , ومع ذلك هو مصر على المضي في إنجاحه وتعبئة الجماهير من أجل التصويت عليه , وذلك لإطمئنانه على أن الأمور سوف لن تسير وفق ظاهر ومنطوق الميثاق .
قال بن عيشة في حوار لأخبار الأسبوع : "لا أعتقد أن هناك حلا للأزمة الجزائرية غير المصالحة الوطنية الشاملة والعادلة "( وليس الشريعة المطهرة ولا حول ولا قوة إلا بالله )
ويقول أيضا : إن مساعينا مع الجماعات المسلحة غير "الجيا" هي جزء من مشروع المصالحة الوطنية الذي نعتبر أنفسنا فيه بمثابة حجر الزاوية . وقد بدأت هذه الإتصالات مع الأيام الأولى للهدنة ...)
ذلك لتعلم ـ أخي الموحد ـ أن خيانتهم للمجاهدين كانت قديمة ولذلك أنشىء الجيش الإسلامي للإنقاذ , واتخذوا الهدنة مطية للردة , تحايلا على الشرع وخداعا للمسلمين .
قال بن حجر أحد أمراء الإنقاذيين :" أتوجه بالنداء إلى الرئيس وإلى كل من يرى الخير لهذا البلد , من أصحاب النفوذ أن طريق السلم والأمن لهذا البلد يمرعبر المصالحة مع شيوخ الجبهة المظلومة والحوار بإعادة الإعتبار لهم ولكثير من المظلومين , وقد جربتم كثيرا من الحلول الأمنية وتجاوزتم الحقائق فلم تحققوا شيئا )
هذه ـ أخي الموحد ـ تصريحات الهالكين من قادة ( ج إ إ ) فيها دعوة صريحة للتصالح مع المرتدين والتحاكم إلى الطاغوت , واعتراف منهم أنهم كانوا المبادرين إليها قبل المرتدين , واعتراف منهم أيضا أنهم كانوا يسعون لاستدراج المجاهدين إلى هذه المصالحة التي تنقض أصل الإسلام وركنه الأعظم .
وتأمل تلبيسهم أن المصالحة من الصلح والصلح مبدأ إسلامي , ومقارنة ما وقع بالجزائر بين المرتدين والموحدين بما وقع بين المشركين بجنوب إفريقيا .
وتأمل إ صرارهم أنه لا حل إلا في المصالحة . وقد تقدم قولهم أيضا تسميتهم للجهاد أزمة وفتنة وأن الأمن والراحة في ترك الجهاد والدخول تحت حكم الطاغوت .
هؤلاء ـ أيها الموحد ـ هم قادة الجهاد الذين كانوا يجاهدون لأجل التمكين لدين الله ! ما عرفوا التوحيد ولاعرفوا ما يهدم أصله , بل وما شموا رائحة ذلك , نعوذ بك اللهم من هذا البلاء .
والمصالحة من الصلح والصلح مبدأ إسلامي نعم , ولكن هل يكون مع الكفار والمرتدين؟! فهل هذا إلا هدم لأصل الدين وركنه الأعظم وهو الولاء والبراء.
فمعلوم أن خصومتنا مع حكام هذه البلاد هي خصومة في الدين , خصومة بين الموحدين والمشركين . والله قد فرض علينا مع جميع الخصوم في الدين من الكفار والمرتدين وأهل البدع العداوة والبغضاء والجهاد أبدا حتى يرجعوا إلى الدين الحق ويتركوا الدين الباطل .
قال تعالى{ وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده }
وقال تعالى{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }
وقال { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق } الآية
وقال { يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة }
ففي هذه الآيات بيان واضح صريح أن العداوة والبغضاء يجب أن تبقى بادية ظاهرة من المؤمنين مادام الكفار على حالهم من الكفر والشرك لم ينزعوا عنه , و يبقى الجهاد قائما مستمرا مع الشدة والغلظة ما داموا على تلك المحادة والمشاقة لله و رسوله .
ويفهم من الآيات أن العداوة والبغضاء والجهاد لا تزول إلا إذا تابوا من شركهم وكفرهم , فلا أخوة ولامصالحة ولا مسالمة إلا بعد التوبة من الشرك والخضوع لحكم الله تعالى , وهذا ما جاء صريحا في منطوق آيات التوبة.
قال تعالى{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم }
وقال تعالى ({ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين }
ومن أعرض عن هذه النصوص الصريحة , وحكم عقله وهواه وأراد الإصلاح بين الكفر والإيمان فهو عدو لله ورسله , وهو من المنافقين بنص القرآن والنفاق من شر الكفر, لأن هذا الفعل منه مضاد للإيمان , فالإيمان يقتضي إعلان الحرب على الكفر والكافرين .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ( ثم أخبر الله تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك ، ولم يستجيبوا للداعي ، ورضوا بحكم غيره ، ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول صلىالله عليه وسلم وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى : { فإن تَوَلَّوا فَاعلَم أَنَّما يُريدُ اللهُ أَن يُصيبَهُم بِبَعضِ ذُنوبِهِم وإنَّ كَثيراً مِنَ النّاسِ لَفَاسِقُون }، اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الاحسان والتوفيق ، أي بفعل ما يرضى الفريقين ويوفق بينهما ، كما يفعله من يروم التوفيق بين ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما خالفه ، ويزعم أنه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتوفيق ، والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي ، فمحض الإيمان في هذا الحرب لا في التوفيق وبالله التوفيق ) إعلام الموقعين (1/50
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة له في الدرر السنية:( ... فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد فيه، والعقل كل العقل ما أوصل إلى رضى الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه. والغضب ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم وعدم الغضب والاشمئزاز، وسوى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته فأي خير يبقى في قلب هذا..." اهـ. من جزء الجهاد ص35.
وشر من ذلك من زعم أن في ترك الجهاد وفي هذه المصالحة والدخول تحت حكم الطاغوت الأمن و الراحة , وفي الجهاد الفتنة والفساد والأزمات .
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى : ( ولكن لمّا عاد الإسلامُ غريباً كما بدأ ، صار الجاهلون به ، يعتقدون ما هو سبب الرحمة ، سبب العذاب ، وما هو سبب الإلفه والجماعة ، سبب الفرقة والاختلاف ، وما يحقن الدماء سبباً لسفكها ،كالذين قال الله فيهم : { وإن تصبهم سيئةٌ يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون } [ الأعراف / 131 ] . وكذلك الذين قالوا لأتباع الرُسل {إنَّا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجُمنكم وليمسنكم منا عذابٌ أليم قالوا طائركم معكم أئن ذُكّرتم بل أنتم قومٌ مسرِفون } [ يس / 18 ، 19 ] . فمن أعتقد أن تحكيم شريعة الإسلام ، يُفضي إلى القتال والمخالفة ، وأنه لا يحصل الاجتماع والإلفة إلاَّ على حكم الطاغوت ، فهو كافر عدو لله ولجميع الرُسل ، فإن هذا حقيقة ما عليه كفار قُريش ، الذين يعتقدون أن الصواب ما عليه آباؤهم ، دون ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم .
المقام الثاني : أن يقال : إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كُفر ، فقد ذكر الله في كتابه : أن الكفر أكبر من القتل ، قال : { والفتنة أكبر من القتل } البقرة / 217 ، وقال : { والفتنة أشد من القتل } [ البقرة / 191 ] ، والفتنة هي الكُفر ، فلو اقتتلت البادية والحاضرة ، حتى يذهبوا ، لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض ، طاغوتاً يحكم بخلاف شريعة الإسلام ، التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم ... ) الدرر السنية 10 / 509 _ 511
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله :( عمن يجيء من الإحساء , بعد استيلاء هذه الطائفة الكافرة ـ أي الأتراك ـ على أهله , ممن يقيم فيه للتكسب , أو التجارة , ولا اتخذه وطناً , وأن بعضهم يرى ذلك , ولكن يعتقد أنه حصل بهم راحة للناس , وعدم ظلم وتعد على الحضر .... إلخ ؟ )
فكان من جوابه بعد أن ذكر وجوب الهجرة من دار الكفر وتحريم الإقامة قوله رحمه الله : .
( إذا تبين هذا : فالأقسام ـ أي المقيمين بدار الكفر ـ مشتركون في التحريم , متفاوتون في العقوبة , قال تعالى :{ ولكل درجات مما عملوا} [ الأنعام 132] وأخبث هؤلاء وأجهلهم , من قال : إنه حصل بهم راحة للناس , وعدم ظلم وتعد على الحضر ؛ وهذا الصنف أضل القوم , وأعماهم عن الهدى , وأشدهم محادة لله ورسوله , ولأهل الإيمان والتقى , لأنه لم يعرف الراحة التي حصلت بالرسل ، وبما جاؤوا به في الدنيا والآخرة , ولم يؤمنوا بها الإيمان النافع .
والمسلم يعرف : أن الراحة كل الراحة , والعدل كل العدل , واللذة كل اللذة في الإيمان بالله ورسوله , والقيام بما أنزل الله من الكتاب والحكمة , وإخلاص الدين له , وجهاد أعدائه وأعداء رسوله , وأنه باب من أبواب الجنة , يحصل به النعيم والفرح واللذة , في الدور الثلاث , قال الله تعالى { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر}الآية [ البقرة :177] .
ولو علم هذا المتكلم : أن الشرك أظلم الظلم , وأكبر الكبائر , وأقبح الفساد و أفحشه , لكان له مندوحة عن مثل هذا الجهل الموبق , قال تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} [ الأعراف :85] وقال تعالى { يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون } [ البقرة :26 - 27] فجعل الخسار كله بحذافيره , في أهل هذه الخصال الثلاث , كما يقيد الضمير المقحم بين المبتدأ والخبر , وقال تعالى : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} [ الأنفال : 73 ] .
فهذا الفساد المشار إليه , في هذه الآيات الثلاث الكريمات , هو الفساد الحاصل بالكفر , والشرك , وترك الجهاد في سبيل الله , واتخاذ أعداء الله أولياء من دون المؤمنين .
وبالجملة : فمن عرف غور هذا الكلام – أعني قول بعضهم : إنه حصل بهم راحة الناس , وعدم ظلم وتعد على الحضر – تبين له ما فيه من المحادة والمشاقة لما جاءت به الرسل , وعرف أن قائله ليس من الكفر ببعيد . ) 3/56,58
كلام نفيس لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في تفسيرسورة الكافرون يبطل هذه المصالحة
قال رحمه الله:( فإن قوله: {قل يا أيها الكافرون} خطاب لكل كافر...
والقول بأنه إنما خاطب بها معينين قول لم يقله من يعتمد عليه. ولكن قد قال مقاتل بن سليمان: إنها نزلت في أبـي جهل والمستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد. ونقل مقاتل وحده مما لا يعتمد عليه باتفاق أهل الحديث، كنقل الكلبـي.
ولهذا كان المصنفون في التفسير أهل النقل لا يذكرون عن واحد منهما شيئاً، كمحمد بن جرير، وعبد الرحمن بن أبـي حاتم، وأبـي بكر بن المنذر، فضلاً عن مثل أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وقد ذكر غيره هذا عن قريش مطلقاً، كما رواه عبد بن حميد، عن وهب بن منبه قال: قالت قريش للنبـي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن ندخل في دينك عاماً وتدخل في ديننا عاماً، فنزلت: {قل يا أيها الكافرون} حتى ختمها. وعن ابن عباس، قالت قريش: يا محمد! لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك، فنزلت السورة. وعن قتادة قال: أمره الله أن ينادي الكفار فناداهم بقوله: {يا أيها}.
وروى ابن أبـي حاتم عن وهب بن منبه: قال كفار قريش، فذكره. وقال عكرمة: برأه الله بهذه السورة من عبدة جميع الأوثان ودين جميع الكفار، وقال قتادة: أمر الله نبيه أن يتبرأ من المشركين فتبرأ منهم.
وروى قتادة عن زرارة بن أوفى: كانت تسمى «المقشقشة». يقال: قشقش فلان، إذا برىء من مرضه، فهي تبرىء صاحبها من الشرك.
وبهذا نعتها النبـي صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف في المسند والترمذي من حديث إسرائيل، عن أبـي إسحاق، عن فروة بن نوفل عن أبيه، عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال له: «مجيء ما جاء بك؟» قال: جئت، يا رسول الله! لتعلمني شيئاً أقوله عند منامي، قال: «إذا أخذت مضجعك فاقرأ: {قل يا أيها الكافرون}، ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك».
رواه غير واحد عن أبـي إسحاق، وكان تارة يسنده، وتارة يرسله رواه عنه زهير، وإسرائيل مسنداً؛ ورواه عنه شعبة ولم يذكر عن أبيه وقال: «عن أبـي إسحاق، عن رجل، عن فروة بن نوفل»، ولم يقل «عن أبيه». قال الترمذي: وحديث زهير أشبه وأصح من حديث شعبة. قال: وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، فرواه عبد الرحمن بن نوفل، عن أبيه، عن النبـي صلى الله عليه وسلم وعبد الرحمن بن نوفل هو أخو فروة بن نوفل.
قلت: وقد رواه عن أبـي إسحاق، إسماعيل بن أبـي خالد، قال: جاء رجل من أشجع إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! علمني كلاماً أقوله عند منامي. قال: «إنك لنا ظئر، اقرأ {قل يا أيها الكافرون} عند منامك، فإنها براءة من الشرك».
فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً من المسلمين أن يقرأها، وأخبره أنها براءة من الشرك، فلو كان الخطاب لمن يموت على الشرك كانت براءة من دين أولئك فقط، لم تكن براءة من الشرك الذي يسلم صاحبه فيما بعد. ومعلوم أن المقصود منها أن تكون براءة من كل شرك ـ اعتقادي وعملي.
وقوله: {لكم دينكم ولي دين} خطاب لكل كافر وإن أسلم فيما بعد... كما قال لنبيه: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ } [الشعراء: 216] فإنه بريء من معاصي أصحابه وإن تابوا منها. وهذا كقوله: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ } [يونس: 41]. ]
وروى ابن أبـي حاتم، حدثنا أبـي، ثنا محمد بن موسى الجرشي، ثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى، ثنا داود بن أبـي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن قريشاً دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن بعطوه مالاً فيكون أغنى رجل فيهم، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطأوا عقبه ـ أي يسودوه ـ فقالوا: هذا لك عندنا، يا محمد! وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء. فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، وهي لك ولنا فيها صلاح. قال: «ما هي؟». قالوا: تعبد آلهتنا سنة ـ اللات والعزى ـ ونعبد إلهك سنة.
قال: «حتى أنظر ما يأتيني من ربـي». فجاءه الوحي من الله من اللوح المحفوظ {قل يا أيها الكافرون} إلى أخرها، وانزل الله عليه {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّىۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } [الزمر: 64 ـ 66].
وقوله: {أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} خطاب لكل من عبد غير الله وإن كان قد قدر له أن يتوب فيما بعد. وكذلك كل مؤمن يخاطب بهذا من عبد غير الله.
وقوله في هذا الحديث: «حتى انظر ما يأتيني من ربـي» قد يقول هذا من يقصد به دفع الظالمين بالتي هي أحسن ليجعل حجته أن الذي عليه طاعته قد منع من ذلك. فيؤخر الجواب حتى يستأمره، وإن كان هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه لا سبيل إليه.
... ومن النقلة من يعين ناسا غير الذين عينهم غيره. منهم من يذكر أبا جهل وطائفة، ومنهم من يذكر عتبة بن ربيعة وطائفة، ومنهم من يذكر الوليد بن مغيرة وطائفة. ومنهم من يقول: طلبوا أن يعبدوا الله معه عاماً ويعبد آلهتهم معهم عاماً، ومنهم من يقول: طلبوا أن يستلم آلهتهم.
ومنهم من يقول: طلبوا الاشتراك، كما روى ابن أبـي حاتم وغيره عن ابن إسحاق قال: حدثني سعيد بن ميناء مولى أبـي البختري قال لقي الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب وأمية بن خلف، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله. فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه. فأنزل الله السورة.
وهذا منقول عن عبيد بن عمير، وفيه أن القائل له عتبة، وأمية.
فهذه الروايات متطابقة على معنى واحد، وهو أنهم طلبوا منه أن يدخل في شيء من دينهم، ويدخلوا في شيء من دينه، ثم إن كانت كلها صحيحة فقد طلب منه تارة هذا وتارة هذا، وقوم هذا وقوم هذا.
وعلى كل تقدير فالخطاب للمشركين كلهم ـ من مضى، ومن يأتي إلى يوم القيامة.
وقد أمره الله بالبراءة من كل معبود سواه. وهذه ملة إبراهيم الخليل، وهو مبعوث بملته. قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ } [الزخرف: 26 ـ 28].
وقال الخليل أيضاً: {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } [الأنعام: 78، 79]. وقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لأبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } [الممتحنة: 4].
وقال لنبيه: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ } [يونس: 41]. فقد أمره الله أن يتبرأ من عمل كل من كذبه، وتبريه هذا يتناول المشركين وأهل الكتاب .
... فنقول: الفعل المضارع هو في اللغة يتناول الزمن الدائم سوى الماضي، فيعم الحاضر والمستقبل...
فقوله: {لا أعبد} يتناول نفي عبادته لمعبودهم في الزمان الحاضر والزمان المستقبل، وقوله: {ما تعبدون} يتناول ما يعبدونه في الحاضر والمستقبل، كلاهما مضارع.
وقال في الجملة الثانية عن نفسه: {ولا أنا عابد ما عبدتم}. فلم يقل «لا أعبد»، بل قال: {ولا أنا عابد}. ولم يقل «ما تعبدون»، بل قال: {ما عبدتم}. فاللفظ في فعله وفعلهم مغاير للفظ في الجملة الأولى.
والنفي بهذه الجملة الثانية أعم من النفي بالأولى. فإنه قال: {ولا أنا عابد ما عبدتم} بصيغة الماضي
فهو يتناول ما عبدوه في الزمن الماضي، لأن المشركين يعبدون ٱلهة شتى. وليس معبودهم في كل وقت هو المعبود في الوقت الآخر، كما أن كل طائفة لها معبود سوى معبود الطائفة الأخرى.
فقوله: {ولا أنا عابد ما عبدتم} براءة من كل ما عبدوه في الأزمنة الماضية، كما تبرأ أولاً مما عبدوه في الحال والاستقبال. فتضمنت الجملتان البراءة من كل ما يعبده المشركون والكافرون في كل زمان ـ ماض، وحاضر، ومستقبل. وقوله أولاً: {لا أعبد ما تعبدون} لا يتناول هذا كله.
وقوله: {ولا أنا عابد} اسم فاعل قد عمل عمل الفعل، ليس مضافاً، فهو يتناول الحال والاستقبال أيضاً. لكنه جملة اسمية، والنفي بما بعد الفعل فيه زيادة معنى، كما تقول: ما أفعل هذا، وما أنا بفاعله.
وقولك «ما هو بفاعل هذا أبداً» أبلغ من قولك «ما يفعله أبداً». فإنه نفى عن الذات صدور هذا الفعل عنها، بخلاف قولك «ما يفعل هذا»، فإنه لا ينفي إمكانه وجوزاه منه.
... فقوله: {ولا أنا عابد ما عبدتم}، أي نفسي لا تقبل ولا يصلح لها أن تعبد ما عبدتموه قط ولو كنتم عبدتموه في الماضي فقط، فأي معبود عبدتموه في وقت فأنا لا أقبل أن أعبده في وقت من الأوقات.
ففي هذا من عموم عبادتهم في الماضي والمستقبل، ومن قوة براءته وامتناعه وعدم قبوله لهذه العبادة في جميع الأزمان ما ليس في الجملة الأولى. تلك تضمنت نفي الفعل في الزمان غير الماضي، وهذه تضمنت نفي إمكانه وقبوله لما كان معبوداً لهم ولو في بعض الزمان الماضي فقط. والتقدير: ما عبدتموه ولو في بعض الأزمان الماضية فأنا لا يمكنني ولا يسوغ لي أن أعبده أبداً.
... وهذه السورة يؤمر بها كل مسلم وإن كان قد أشرك بالله قبل قراءتها.
فهو يتبرأ في الحاضر والمستقبل مما يعبده المشركون في أي زمان كان، وينفي جواز عبادته لمعبودهم، ويبين أن مثل هذا لا يكون ولا يصلح ولا يسوغ. فهو ينفي جوازه شرعاً ووقوعاً. فإن مثل هذا الكلام لا يقال إلا فيما يستقبح من الأفعال. كمن دعي إلى ظلم أو فاحشة فقال: «أنا أفعل هذا؟ ما أنا بفاعل هذا أبداً». فهو أبلغ من قوله: «لا أفعله أبداً». وهذا كقوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } [البقرة: 145].
فهو يتضمن نفي الفعل بغضاً فيه وكراهة له، بخلاف قوله: «لا أفعل». فقد يتركه الإنسان وهو يحبه لغرض آخر. فإذا قال: «ما أنا عابد ما عبدتم» دل على البغض والكراهة والمقت لمعبودهم ولعبادتهم إياه. وهذه هي البراءة.
ولهذا تستعمل في ضد الولاية فيقال: تول فلانا، وتبرأ من فلان. كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لأبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } [الممتحنة: 4] ـ الآية
وأما قوله عن الكفار: {ولا أنتم عابدون ما أعبد}، فهو خطاب لجنس الكفار وأن أسلموا فيما بعد، فهو خطاب لهم ما داموا كفاراً. فإذا أسلموا لم يتناولهم ذلك. فإنهم حينئذ مؤمنون، لا كافرون.
وإن كانوا منافقين فهم كافرون في الباطن، فيتناولهم الخطاب.
...وما دام الكافر كافراً فإنه لا يعبد الله، وإنما يعبد الشيطان؛ سواء كان متظاهراً، أو غير متظاهر به كاليهود.
...فكل كافر بمحمد لا يعبد ما يعبده محمد ما دام كافراً. والفعل المضارع يتناول ما هو دائم لا ينقطع. فهو ما دام كافراً لا يعبد معبود محمد صلى الله عليه وسلم ـ لا في الحاضر ولا في المستقبل.
ولم يقل عنهم «ولا تعبدون ما أعبد»، بل ذكر الجملة الاسمية ليبين أن نفس نفوسكم الخبيثة الكافرة بريئة من عبادة إله محمد، لا يمكن أن تعبده ما دامت كافرة. إذ لا تكون عابدته إلا بأن تعبده وحده بما أمر به على لسان محمد. ومن كان كافراً بمحمد لا يكون عمله عبادة لله قط.
وتبرئتهم من عبادة الله جاءت بلفظ واحد بجملة اسمية تقتضي براءة ذواتهم من عبادة الله، لم تقتصر على نفي الفعل . )16/526
وقال ابن القيم :( أما المسألة الرابعة وهي أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل , وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة وباسم الفاعل أخرى , فذلك والله أعلم لحكمة بديعة , وهي أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه , وفي كل وقت , فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل الدالة على الوصف والثبوت . فأفاد في النفي الأول أن هذا لا يقع مني , وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي ولا شأني . فكأنه قال عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي . وأما في حقهم فإنما أتى بالإسم الدال على الوصف والثبوت دون الفعل , أي أن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتف عنكم , فليس هذا الوصف ثابتا لكم وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحدا , وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه وإن عبدوه في بعض الأحيان. فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره ... فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته وتبتل إليه تبتيلا لم يلتفت إلى غيره ولم يشرك به أحدا في عبادته , وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدا لله ولا عبدا له...
وأما المسألة الخامسة وهي أن النفي في هذه السورة أتى بأداة "لا" دون "لن" , وذلك لأن النفي ب"لا" أبلغ منه ب"لن" , وأن "لا" أدل على دوام النفي وطوله من "لن" . وأنها للطول والمد الذي في نفيها طال النفي بها واشتد . وأن هذا ضد ما فهمته الجهمية والمعتزلة من أن "لن" إنما تنفي المستقبل ولا تنفي الحال المستمر النفي في الإستقبال...فالإتيان بلا متعين هنا والله أعلم .
وأما المسألة السادسة وهي اشتمال هذه السورة على النفي المحض , فهذا هو خاصة هذه السورة العظيمة , فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها أنها براءة من الشرك. فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين , ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقا للبراءة المطلوبة , هذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحا . فقوله لا [أعبد ما تعبدون ] براءة محضة [ولا أنتم عابدون ما أعبد ] إثبات أن له معبودا يعبده , وأنتم بريئون من عبادته . فتضمنت النفي والإثبات وطابقت قول إمام الحنفاء إنني [ براء مما تعبدون إلا الذي فطرني ] الزخرف 26 27 وطابقت قول فئة الموحدين [وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله] فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله تعالى ...
وأما المسألة الثامنة وهي إثباته هنا بلفظ [ يا أيها الكافرون ] دون يا أيها الذين كفروا فسره والله أعلم إرادة الدلالة على أن من كان الكفر وصفا ثابتا له لازما لا يفارقه فهو حقيق أن يتبرأالله منه , ويكون هو أيضا بريئا من الله . فحقيق بالموحد البراءة منه . فكان في معرض البراءة التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله التي هي غاية الكفر, وهو الكفر الثابت اللازم في غاية المناسبة , فكأنه يقول كما أن الكفر لازم لكم ثابت لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة دائما أبدا , ولهذا أتى فيها بالنفي الدال على الإستمرار مقابلة الكفر الثابت المستمر وهذا واضح .
المسألة التاسعة وهي ما الفائدة في قوله [ لكم دينكم ولي دين ] وهل أفاد هذا معنى زائدا على ما تقدم . فيقال في ذلك من الحكمة , والله أعلم , أن النفي الأول أفاد البراءة وأنه لا يتصورمنه , ولا ينبغي له أن يعبد معبوديهم , وهم أيضا لا يكونون عابدين لمعبوده . وأفاد آخر السورة إثبات ما تضمنه النفي من جهتهم من الشرك والكفر الذي هو حظهم وقسمهم ونصيبهم , فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضا , فقال له : لا تدخل في حدي , ولا أدخل في حدك . لك أرضك ولي أرضي . فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت أنا اقتسمنا خطتنا بيننا , فأصابنا التوحيد والإيمان , فهو نصيبنا وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه . وأصابكم الشرك بالله والكفر به , فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصون به , لا نشرككم به. فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه .
وأما المسألة العاشرة وهي تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه ونصيبه , وفي أول السورة قدم ما يختص بهم . فهذا من أسرار الكلام وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها . فإن السورة لما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم , ورضي كل بقسمه وكان المحق هو صاحب القسمة , وقد برز النصيبين , وميز القسمين , وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون الذي لا أردا منه وأنه هو قد استولى على القسم الأشرف والحظ الأعظم , بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما وشفاء , فرضي مقاسمه بالسم . فإنه يقول له لا تشاركني في قسمي ولا أشاركك في قسمك . لك قسمك ولي قسمي . فتقديم ذكر قسمه ههنا أحسن وأبلغ كأنه يقول : هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقديم وزعمت أنه أشرف القسمين وأحقهما بالتقديم . فكان في تقديم ذكر قسمه من التهكم به , والنداء على سوء اختياره , وقبح ما رضيه لنفسه من الحسن والبيان ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه .
...ووجه ثان وهو أن مقصود السورة براءته من دينهم ومعبودهم , هذا هو لبها ومغزاها . وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد الثاني مكملا لبراءته ومحققا لها . فلما كان المقصود براءته من دينهم بدأ به في أول السورة , ثم جاء قوله [ لكم دينكم ] مطابقا لهذا المعنى أي : لا أشارككم في دينكم ولا أوافقكم عليه , بل هو دين تختصون أنتم به لا أشرككم فيه أبدا . فطابق آخر السورة أولها فتأمله .
وأما المسألة الحادية عشرة وهي أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه هل هو إقرار, فيكون منسوخا أو مخصوصا , أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص ؟ فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة . وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم . وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم , وهم أهل الكتاب . وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ولا تخصيص , بل هي محكمة عمومها نص محفوظ . وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها , فإن أحكام التوحيد التي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه . وهذه السورة أخلصت التوحيد , ولهذا تسمى سورة الإخلاص ـ كما تقدم ـ ومنشأ الغلط ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم . ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف فقالوا منسوخ . وقالت طائفة زال عن بعض الكفار, وهم من لا كتاب لهم , فقالوا هذا مخصوص . ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرا لهم أو إقرارا على دينهم أبدا بل لم يزل رسول الله في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم , وعيب دينهم , وتقبيحه , والنهي عنه والتهديد والوعيد , كل وقت , وفي كل ناد . وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركونه وشأنه , فأبى إلا مضيا على الإنكار عليهم , وعيب دينهم . فكيف يقال إن الآية اقتضت تقريره لهم . معاذ الله من هذا الزعم الباطل . وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة ـ كما تقدم ـ وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدا , فإنه دين باطل , فهو مختص بكم لا نشرككم فيه , ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق . فهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم . فأين الإقرار حتى يدعي النسخ أو التخصيص . أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال [ لكم دينكم ولي دين] بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يظهر الله منهم عباده وبلاده . وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول , أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به الداعين إلى غير سنته , إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته : لكم دينكم ولنا ديننا , لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم , بل يقولون لهم هذه براءة منها , وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان )
بدائع الفوائد ج: 1 ص: 144 ـ148
4ـ إلتزامهم بالدستور
ومن جرائمهم أيضا التزامهم بالدستور وتحاكمهم للطاغوت
في الحوار السابق لأحمد بن عيشة مع أ خبار الأسبوع :( إن ممارسة واجباتنا الدستورية ـ أي في إنشاء الأحزاب ـ يعتبر من أوجب الواجبات لخدمة الأمة و المجتمع )
في حوار مع جريدة الخبر صرح عضو قيادي في ج إ إ : " الحل العادل الذي نطالب به هو أن نعيش كجزائريين في ظل قوانين ودساتير وحرية مماثلة
في سؤال للشيخ عبد الرحمن بن طلاع المخلف أحد علماء الجهاد عن قبول الحزب الإسلامي في العراق للدستور قال:
( قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "صفة الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفِّر أهلها وتعاديهم".
فمن لم يتعقد بطلان الدستور فهو كافر، ومن اعتقد بطلانه ولم يبغضه فهو كافر، ومن اعتقد بطلانها وبغضها ولم يتركها فهو كافر، ومن لم يكفر أهلها فهو كافر، ومن لم يعاديهم مع قدرته على ذلك فهو كافر، هذا هو الأصل العام في المسألة.
والتفصيل هو:
أخي الفاضل؛ كل من رضي بهذا الدستور فهو كافر، فمن ظهر منه الرضا بهذا الدستور بقول أو فعل فهو كافر، لأن الرضا بالكفر كفر، وهذا بإجماع العلماء، هذا هو الأصل في هذه المسألة....قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: "إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام؛ كيف لا وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويسعون في الأرض فساداً بقولهم وفعلهم وتأييدهم، ومن جادل عنهم أو أنكرعلى من كفرهم أو زعم أن فعلهم هذا ولو كان باطلاً فلا يخرجهم إلى الكفر؛ فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لأنه لا يصلح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم" [الرسائل الشخصية 118] ) اهـ كلام الشيخ المخلف
وانظريرحمك الله إلى وصفهم لحكم الطاغوت بالحكم العادل , ومعلوم أن مدح الكفار لكفرهم ردة عن الإسلام .
قال صديق حسن خان: (إنَّ مَدْح الكفار لكفرهم ارتداد عن دين الإسلام، ومَدْحهم مجرداً عن هذا القصد كبيرة يعزر مرتكبها بما يكون زاجراً له. وأما قوله، أنهم أهل عدل فإن أراد أن الأمور الكفرية التي منها أحكامهم القانونية عدل فهو كفر بواح صراح، فقد ذمها الله سبحانه وشنع عليها وسماها عتواً وعناداً وطغياناً وإفكاً وإثماً مبيناً وخسراناً مبيناً وبهتاناً.
والعــدل إنما هو شريعـة الله التي حواها كتابه الكريم وسنّة نبيه الرؤوف الرحيم. قال تعالى{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان} النحل 90، فلو كانت أحكام النصارى عدلاً لكانت مأمور بها ــ إلى أن قال ــ وقال تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمِرُوا أن يكفروا به}. وهؤلاء سموا ماأمرهم الله بالكفر به عدلاً وغلوا في ضلالهم ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً.) أهـ من كتابه (العبرة فيما ورد في الغزو والشهادة والهجرة) صـ 246، ط دار الكتب العلمية 1405هـ
5ـ التحاكم إلى الطاغوت
هؤلاء الإنقاذيون الذين كانوا يُكِفّرون من يتحاكم إلى الطاغوت أصبحوا من المسارعين إلى محاكمهم الطاغوتية , يتحاكمون إلى قوانينهم الكفرية , ولو في أبسط الأمور كما سياتي في قصة أحمد بن عيشة مع جريدة الخبر.
يقول الشيخ سليمان بن سحمان:( المقام الثالث : أن نقول: إذا كان هذا التحاكم كفراً ، والنـزاع إنما يكون لأجل الدُنيا ، فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك ؟ فإنه لا يؤمن الإنسان ، حتى يكون الله ورسوله ، أحب إليه مما سواهُما ، وحتى يكون الرسول أحب إليه ، من ولده ووالده والناس أجمعين . فلو ذهبت دُنياك كلها ، لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها ، ولو اضطرّك مُضطرّ وخيَّرك ، بين أن تحاكم إلى الطاغوت ، أو تبذُل دُنياك ، لوجب عليك البذل ، ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت ) الدرر السنية 10 / 509 _ 511
ومن أمثلة تحاكم قادة الإنقاذ إلى الطاغوت حادثة أحمد بن عيشة أميرالج . إ.إ مع جريدة الخبر, التى ذاع صيتها حتى سمع بها الخاص والعام . وإليك تفاصيلها:
( أحمد بن عيشة الأمير الجهوي للغرب لـج إ إ رفع دعوى قضائية ضد جريدة الخبر بتهمة القذف في شخصه فقبلت المحكمة دعوته وهذه أهم شواهد هذه المحاكمة :
ترأست امرأة وهي قاضية جلسة المحاكمة.
أثناء المحاكمة كان أحمد بن عشة يتهرب من أسئلة محامي مدير جريدة الخبر . ويرد عليهم بعبارة " هذا خارج الإطار " أي خارج موضوع الجلسة والتي كررها (14) مرة إلى الحد الذي أثار إستهزاء القاعة من ذلك. ولما كثرت عليه الأسئلة إستعمل عبارة: " لا أجيب يا سيادة الرئيسة ".
ـ مرافعة وكيل الجمهورية : "العفو المشار إليه في هذه القضية المطروحة الذي استفاد منه بعض الأفراد لا يمكنه بأي حال أن ينسينا ما عانى منه المجتمع الجزائري بالفعل … جرائم القتل العمدي والتقتيل والإغتصاب والتخريب بالمتفجرات… كما أن القانون لم يفرض علينا نتناسى مأساة مجتمعنا "
ـ ولدى تناوله صفة الشاكي وهو( أحمد بن عيشة ) المستفيد من العفو أضاف ـ أي وكيل الجمهورية ـ :" هذا الأخير - أي العفو - لا ينفي الجرائم المرتكبة وإنما يعفي المستفيد منه من المتابعة القضائية ومن العقوبة الجزائية ولا يمكنه نفي الوقائع المرتكبة."
في الأخير هيئة المحكمة التي ترأسها امرأة قاضية ترفض الدعوى التي رفعها أحمد بن عيشة ).
تعليق المرتدين على الدعوى التي رفعها أحمد بن عيشة
- الحركة من أجل الحرية والتنمية : " إذا كان قانون العباد أعفى عن الإجرام فلا التاريخ ولا الأعراف والقانون الوضعي تسمح بذلك"
- النائبة(بن حبيلس) :"عوض أن يحمد الله لوجوده أمام الشعب وقيادة متسامحة أصبح يهدد الناس" وأستنكرت عليه عدم إعترافه بجميل الشعب عليه من خلال الوئام المدني، بل ذهبت إلى حد القول :"لا وجود لإسلاميين تائبين نتيجة الهدنة وإنما مجرمين مستسلمين نتيجة الإنهزام "[2]
6ـ اتهام الحماة بالمجازر
ـ تصريح رابح كبير(رئيس المجلس التنفيذي المؤقت للجبهة الإسلامية للإنقاذ ) لإذاعة (فرنسا الدولية) يوم 10 رمضان 1418 هـ :
" أن الأهوال هي التي قامت بمجازر ولاية غليزان ".
ـ جاء في صحيفة (الخبر) :" نشرية الرباط التابعة للحزب المحظور تذهب في هذا الإتجاه بالتأكيد أن المجزرة ارتكبتها كتيبة الأهوال المنشقة عن الجيا منذ ما يقارب 18 شهرا بسبب خلاف حول الغنائم … وتضيف النشرية أن هذه المجموعة دشنت مسلسل المجازر الجماعية منذ نوفمبر الماضي والتي إستهدفت القرى المعزولة ".
ـ جاء في صحيفة (الخبر) أيضا:" قالت نشرية الرباط الصادرة عن أنصار الفيس المحل بأن الجيا جماعة مجرمة شأنها تقريبا شأن جماعة حماة الدعوة السلفية ".
تعليق على هذه التصريحات : لقد تحقق التزام ج إ إ بمحاربة المجاهدين بكل الوسائل، ومنها وسيلة الكذب وقذف المجاهدين بأمور يعلمون أنهم براء منها ، وفعلهم هذا يندرج ضمن خطة الطاغوت في حربه الإعلامية ضد الجهاد التي من ركائزها إظهار المجاهدين السلفيين كأعداء لهذا الشعب المسلم . ولقد فضح الله سبحانه وتعالى كذب هؤلاء وعدائهم ضد الإسلام بأن برأتنا نفس النشرية - الرباط- في عددها 223 بتاريخ 29 ربيع الثاني 1419 هـ قولها : ( والتي- أي الجماعة الإسلامية المسلحة- تبين ضلوع مجموعاتها في مجازر منكرة ضد مواطنين أبرياء عزل كما حدث في ولاية غليزان - الرمكة - وسبق أن أتهمت خطأ جماعة الأهوال بتنفيذها في شهر رمضان الماضي) ولقد وفقنا الله سبجانه وتعالى بمعرفة مصدر أصحاب هذا البهتان وهم قيادة ج إ إ للغرب الجزائري : أحمد ابن عيشة ونائبه نور الدين ؛ إلا أن هذه التبرئة لم تكن نتيجة توبة نصوح وإنما تقية منهم لما خافوا من الطاغوت أن يغدر بهم ولكنهم إن تيقنوا من رضاه عليهم نجدهم اليوم يلحون على الطاغوت لقتالنا
3
إظهارالموافقة على دين المرتدين والتوبة من الجهاد
من كفريات الفارين إلى الطاغوت أيضا: إظهارالموافقة على دين المرتدين والتوبة من الكفر بالطاغوت وما يقتضيه من جهاد وغيره .
وهؤلاء الفارون من صفوف المجاهدين إلى صف العدو المرتد يطلق عليهم الطاغوت التائبون . والتوبة لغة : هي الرجوع , فهؤلاء قد تركوا الجهاد ورجعوا إلى العدو الطاغوت المرتد , هذا من جهة .
ومن جهة أخرى , فإن مراد الطاغوت من استعمال لفظ التوبة هو اعتراف هؤلاء على أنفسهم أمام الشعب أنهم كانوا يمارسون الجريمة والفساد , لأن مدلول هذا اللفظ في عرف المسلمين في الجزائرهو المدلول الشرعي : وهو الرجوع عن ذنب أو الرجوع من المعصية إلى الطاعة.
وكذلك أراد الطاغوت من إطلاق هذا اللفظ على هؤلاء الأنذال أن يرسخ في أذهان الأمة أن الجهاد في سبيل الله جريمة وفساد , لأنه يعلم أن الأمة مسلمة ترى غير ما يراه , وتعتقد أن جهاده حق وواجب بسبب كفره وتعطيله لشرع الله وحربه للإسلام وأهله , ولهذا كانت حاضنة للجهاد في جميع مراحل تاريخها , ولا زالت تحتضنه , وإن كان ذلك بصفة أضعف عما كانت عليه في أيام الجهاد الأولى بسبب القهر الإعلامي والمادي المسلط عليها , والمجازر التي كانت تحصدها حصدا من قبل هذا العدو المفسد الخارج عن الإسلام .
أما قانون هذا العدو الصائل: فإنه ينص على أن الجهاد , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والدعوة إلى الله جرائم وفساد , ويعاقب فاعلها العقوبة الشديدة , ولا تسقط هذه العقوبة إلا عمن عفا عنه القانون " وبهذا يقع الفارون من صفوف المجاهدين الذين سموا بالتائبين في محذورين عظيمين:
أـ إظهار الموافقة على دين هؤلاء المرتدين : ذلك لأن هذه التوبة تعني الشهادة على أنفسهم أنهم كانوا يمارسون الجريمة والفساد، وقد رجعوا وأقلعوا مستجيبين لنداء الطاغوت، ويتجلى ذلك بالتفصيل في النقاط التالية:
ـ إظهار الموافقة على ما في قانونهم من استباحة المحرمات وبالأخص في مسألة الكفر بالطاغوت ومقتضياته من جهاد وغيره .
ـ إظهار الموافقة على استهزائهم بآيات الله
ـ إظهار الموافقة على أن قانونهم يدعو إلى العدل والفضيلة , وأنه يحقق الأمن ويحقن الدماء .
ب ـ وهذه التوبة أيضا هي توبة من الحسنات والطاعات , بل أعظم الحسنات وهي الكفر بالطاغوت وما يقتضيه من جهاد وغيره .
أولا : إظهار الموافقة على دين المرتدين .
يقول سليمان بن عبد الله في الدلائل:
اعلم رحمك الله :( ان الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم، خوفا منهم ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم، ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم، ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين , وصار من جنود القباب والشرك وأهلها، بعدما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله. (و مثل هؤلاء أو أشد من كان في عزة ومنعة بين المجاهدين السلفيين ثم فر والتحق بصفوف الطواغيت المبدلين ) , فإن هذا لا يشك مسلم انه كافر، من أشد الناس عداوة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يستثنى من ذلك إلا المكره ).
ثم ذكر رحمه الله واحدا وعشرين دليلا على كفر هذا الصنف نقتصر على ذكر بعضها:
( قوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة : 217]
فأخبر تعالى أن الكفار لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا، ولم يرخص في موافقتهم خوفا على النفس والمال والحرمة , بل أخبر عمن وافقهم , بعد أن قاتلوه ليدفع شرهم ، أنه مرتد، فإن مات على ردته بعد أن قاتله المشركون، فإنه من أهل النار الخالدين فيها، فكيف بمن وافقهم من غير قتال؟
فإذا كان من وافقهم بعد أن قاتلوه لا عذر له فمن وافقهم من غير خوف ولا قتال، أنهم أولى بعدم العذر، وأنهم كفار مرتدون.
ـ قوله تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} [آل عمران: 149] فأخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون كفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ولم يرخص في موافقتهم وطاعتهم خوفا منهم.
وهذا هو الواقع، فإنهم لا يقنعون ممن وافقهم إلا بالشهادة أنهم على حق، وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين، وقطع اليد منهم، ثم قال تعالى:{ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين}[آل عمران : 150] فأخبر تعالى أنه ولي المؤمنين وناصرهم، وهو خير الناصرين، ففي ولايته وطاعته كفاية، وغنية عن طاعة الكفار، فيا حسرة على العباد الذين عرفوا التوحيد ونشئوا فيه، ودانوا به زمانا، كيف خرجوا عن ولاية رب العالمين وخير الناصرين إلى ولاية القباب وأهلها، ورضوا بها بدلا من ولاية من بيده ملكوت كل شيء، بئس للظالمين بدلا.
ـ قوله تعالى:{وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}[الأنعام : 121] وهذه الآية نزلت لما قال المشركون: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله، فأنزل الله هذه الآية، فإذا كان من أطاع المشركين في تحليل الميتة مشركا، من غير فرق بين الخائف وغيره ، إلا المكره، فكيف بمن أطاعهم في تحليل موالاتهم، والكون معهم، ونصرهم، والشهادة أنهم على حق، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، والخروج عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين؟ فهؤلاء أولى بالكفر والشرك، ممن وافقهم على أن الميتة حلال.
ـ قوله تعالى عن أهل الكهف: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبدا }[الكهف :20] فذكر تعالى عن أهل الكهف: أنهم ذكروا عن المشركين: أنهم إن قهروكم وغلبوكم، فهم بين أمرين، إما أن يرجموكم أي يقتلوكم شر قتلة برجم، وإما أن يعيدوكم في ملتهم ودينهم (ولن تفلحوا إذا أبدا) أي: وإن وافقتموهم على دينهم، بعد أن غلبوكم وقهروكم، فلن تفلحوا إذن أبدا، فهذا حال من وافقهم بعد أن غلبوه، فكيف بمن وافقهم وراسلهم من بعيد، وأجابهم إلى ما طلبوا من غير غلبة ولا إكراه، ومع ذلك يحسبون أنهم مهتدون .
ـ قوله تعالى:{ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} [الحج : 11] فأخبر تعالى أن من الناس من يعبد الله على حرف، أي على طرف، فإن أصابه خير أي نصر وعز وصحة، وسعة وأمن وعافية ونحو ذلك، انقلب على وجهه، أي ارتد عن دينه، ورجع إلى أهل الشرك، فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة سواء بسواء [ وهي كذلك في هذا الزمان ]
فإنهم قبل هذه الفتنة يعبدون الله على حرف على طرف، ليسوا من يعبد الله على يقين وثبات، فلما أصابتهم هذه الفتنة انقلبوا عن دينهم، وأظهروا الموافقة للمشركين، وأعطوهم الطاعة، وخرجوا عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين، فهم معهم في الآخرة كما هم معهم في الدنيا، ( فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) هذا مع أن كثيرا منهم في عافية ما أتاهم من عدو، وإنما ساء ظنهم بالله، فظنوا أنه يديل الباطل وأهله، فأرداهم سوء ظنهم بالله، كما قال تعالى:{وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين }[فصلت :23]
وأنت يا من منّ الله عليه بالثبات على الإسلام، إحذر أن يدخل في قلبك شيء من الريب، أو تحسيس هؤلاء المرتدين، وأن موافقتهم للمشركين وإظهار طاعتهم رأيا حسنا، حذرا على الأنفس والأموال والمحارم، فإن هذه الشبهة هي التي أوقعت كثيرا من الأولين والآخرين في الشرك بالله، ولم يعذرهم الله بذلك، وإلا فكثير منهم يعرفون الحق، ويعتقدونه بقلوبهم، وإنما يدينون لله بالشرك، للأعذار الثمانية التي ذكرها الله في كتابه، أو لبعضها، فلم يعذر بها أحد ولا ببعضها فقال:{ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة :24]
ـ قوله تعالى:{ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}[الحديد : 22] فأخبر تعالى: أنك لا تجد من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يواد من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب، وأن هذا مناف للإيمان مضاد له، لا يجتمع هو والإيمان إلا كما يجتمع الماء والنار، وقد قال تعالى في موضع آخر :{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون}[التوبة :23]
ففي هاتين الآيتين : البيان الواضح أنه لا عذر لأحد في الموافقة على الكفر، خوفا على الأموال والآباء، والأبناء والإخوان، والأزواج والعشائر، ونحو ذلك مما يعتذر به كثير من الناس، إذا كان لم يرخص لأحد في موالاتهم، واتخاذهم أولياء بأنفسهم، خوفا منهم وإيثارا لمرضاتهم، فكيف بمن اتخذ الكفار الأباعد أولياء، وأصحابا وأظهر لهم الموافقة على دينهم، خوفا على بعض هذه الأمور، ومحبة لها، ومن العجب: استحسانهم لذلك، واستحلالهم له، فجمعوا مع الردة استحلال الحرام.
ـ قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة }إلى قوله:{ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}[ الممتحنة : 1] أي أخطأ الصراط المستقيم، فأخبر تعالى: أن من تولى أعداء الله، وإن كانوا أقرباء وأصدقاء، فقد ضل سواء السبيل، أي: أخطأ الصراط المستقيم، وخرج عنه إلى الضلال، فأين هذا ممن يدعي أنه على الصراط المستقيم، لم يخرج عنه، فإن هذا تكذيب لله، ومن كذب الله فهو كافر، واستحلال لما حرم الله من ولاية الكفار، ومن استحل محرما فهو كافر.
ثم ذكر تعالى شبهة من اعتذر بالأرحام والأولاد فقال:{لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير} [الممتحنة : 3] فلم يعذر الله تعالى من اعتذر بالأرحام والأولاد، والخوف عليهما، ومشقة مفارقتهما، بل أخبر أنها لا تنفع يوم القيامة، ولا تغني من عذاب الله شيئا، كما قال تعالى في الآية الأخرى:{فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذولايتساءلون}[ المؤمنون :101].
ـ ومن السنة : ما رواه أبو داود وغيره، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله" فجعل عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث من جامع المشركين، أي اجتمع معهم وخالطهم وسكن معهم، فهو مثلهم، فكيف بمن أظهر لهم الموافقة على دينهم وآواهم وأعانهم، فإن قالوا خفنا قيل لهم كذبتم ).
فانظر رحمك الله ـ أخي الموحد ـ إلى هذه الأدلة الصريحة في كفرهؤلاء المنتكسين الملتحقين بصف المرتدين , وأنهم لا عذر لهم عند الله , ولو كانوا يزعمون بغض الطاغوت ويحبون المجاهدين , فكيف بمن يفضل الطواغيت على المجاهدين كغالب حال مرتدي هذا الزمان ؟!
1ـ إظهار الموافقة على ما في قانونهم من استباحة المحرمات
وإسقاط الواجبات
ويظهرهذا ببيان ما اشتمل عليه قانونهم من استباحة المحرمات في مسألة الكفر بالطاغوت ومقتضياته خاصة , فنقول وبالله التوفيق :
فصل خاص
في بيان ما اشتمل عليه قانون الإرهاب[3] الطاغوتي من استحلال للمحرمات
و إسقاط للواجبات.
إعلم أخي المسلم : أن كفار الجزائر قد اصطلحوا في قانونهم على تسمية الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وإقامة الحدود إرهابا , والإرهاب في قانونهم جريمة من جملة الجرائم التي يعاقب عليها القانون وعرّفوا الإرهاب فقالوا :
(يعد فعلا إرهابيا أو تخريبيا في مفهوم هذا الأمر: كل فعل يستهدف أمن الدولة والوحدة الوطنية والسلامة الترابية واستقرار المؤسسات وسيرها العادي عن طريق أي عمل غرضه مايلي :وذكروا أشياء أهمها :
ـ بث الرعب في أوساط السكان وخلق جو انعدام الأمن من خلال الاعتداء المعنوي والجسدي على الأشخاص وتعريض حياتهم وأنفسهم للخطر او المس بممتلكاتهم .
ـ الاعتداء على رموز الأمة والجمهورية ونبش أو تدنيس القبور
ـ عرقلة سير المؤسسات العمومية والاعتداء على حياة أعوانها أو ممتلكاتهم أو عرقلة تطبيق القوانين والتنظيمات
وتوضيح مراد الطاغوت هو كالتالي :
أما قوله ( بث الرعب ...من خلال الاعتداء المعنوي والجسدي على الأشخاص ..أو المس بممتلكاتهم )
فالشخص عندهم..يشمل المسلم والفاسق والكافر المرتد والكافر الأصلي .
الكافر الأصلي يشمل :اليهودي والنصراني والوثني
المرتد : كالشيوعي والعلماني وساب الله ورسوله والمستهزئ بآياته والساحر..
الفاسق :كالزاني، اللوطي، السارق، شارب الخمر..
الاعتداء المعنوي :ـ كتكفير الكافر أو تبديع المبتدع وبيان حالهما وبيان حال الفاسق المجاهر بفسقه
ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلام أو بالكتابة
الاعتداء الجسدي :القتال أو القتل أو الضرب والجلد وقطع الأطراف
الممتلكات تشمل :مصانع الخمر، محلات الخمر والميسر ومحلات الغناء ودور السينما والمرافق الليلية وغيرها .
والمس بالممتلكات :أخذ المال، التخريبن الحرق، قطع الأشجار، حرق المزارع وإفسادها، أخذ دوابه أو مراكبه [كل هذا يدخل في إسم الإرهاب بمفهوم القانون اللعين وهو جريمة يعاقب عليها ]
أما قولهم ( الاعتداء على رموز الأمة ..)
ورموز الأمة :كالأعياد الوطنية، الأضرحة، والنصب التذكارية
من رموز الجمهورية: العلم والدستور والقوانين والنظام الديمقراطي
الاعتداء عليها : عدم احترامها وإتلافها وإهانتها وبيان حكم الشرع فيها، تهديم ما يستحق الهدم منها: كتهديم القباب وتسوية القبور.
والثالث ( عرقلة المؤسسات العمومية ..)
المؤسسات العمومية: تشمل مثلا مصانع الخمر ومصانع التبغ ..
والاعتداء عليها :بإتلافها مثلا
فكل هذا يعد في قانونهم وياسقهم جريمة يعاقب عليها العقوبة الشديدة
أما في الشريعة الإسلامية :
فالأشخاص الذين سبق ذكرهم : فما هم عليه من كفر أو ردة أو بدعة أو مجاهرة بالفسق هو من أعظم المنكرات والقيام على أهلها وبيان حالهم ومعاقبتهم من أعظم الواجبات , ويكون ذلك إما بالقتل والقتال أو إقامة الحد أو التعزير بالضرب أو الهجر أو أخذ المال وبالقتل إن اقتضى الأمر.
أما محلات الفساد فيجوز إتلافها , وشعائر الكفر يجب إتلافها كالقباب والأضرحة والعلم الذي يعبد من دون الله .
وممتلكات الكفار فيجوز إتلافها للحاجة والمصلحة , وإليك بيان كل هذا من كلام شيخ الإسلام إبن تيمية ـ رحمه الله ـ قال :(28ـ105) فأما الغش والتدليس في الديانات فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال مثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين أو سب أئمة المسلمين ومشايخهم وولاة أمورهم المشهورين عند عموم الأمة بالخير, ومثل التكذيب بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تلقاها أهل العلم بالقبول ومثل رواية الأحاديث الموضوعة ..ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله , ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم , ومثل الإلحاد في أسماء الله وصفاته وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه..ومثل الخزعبلات السحرية والشعوذة الطبيعية وغيرها ..
فمن ظهر منه شيئ من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك وعقوبته عليها إذا لم يتب حتى قدر عليه حسب ماجاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولا أو فعلا , ويمنع من الاجتماع في مظان التهم , فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت , وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة ..)
وقال في نفس الجزء ص107 ـ109 ( والأمر بالمعروف لايتم إلا بالعقوبات الشرعية , فإن الله ينزع بالسلطان مالا ينزع بالقرآن . وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور, وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات فمنها عقوبات مقدرة : مثل جلد المفتري ثمانين وقطع السارق , ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى تعزيرا , وتختلف مقاديرها وصفاتها , بحسب كبر الذنب وصغره , وبحسب المذنب , وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته .
والتعزير أجناس : فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام , ومنه ما يكون بالحبس , ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن , ومنه ما يكون بالضرب , فإن كان ذلك لترك واجب : مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة مثل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه ..فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم , وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب نكالا من الله له ولغيره , فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط , وليس لأقله حد وأما أكثر التعزير: ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:..الثالث أنه لا يقدر وهذا القول أعدل الأقوال , وعليه دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين , فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الذي أحلت له إمرأته جاريتها مائة ودرأ عنه الحد بالشبهة , وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة جلدة ..
ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل : مثل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى البدع في الدين , قال تعالى { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )
ومن أنواع التعزير النفي والتغريب كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي في شرب الخمر إلى خيبر, وكما نفى صبيغ إلى البصرة , وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء )
وقال أيضا 109 ـ111 (والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضا ..كما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده , وأمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه , ومثل أمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين وقال له :أغسلهما؟ قال :لا بل احرقهما وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر ..ومثل هدمه لمسجد الضرار, ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إله ..ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر, ومثل أخذ شطر مال مانعي الزكاة , ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام , وتحريق عمر لكتب الأوائل , وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس , فأرسل محمد بن سلمة وأمره أن يحرقه عليه فذهب فحرقه , وهذه قضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ونظائرها متعددة .
وقال في ص 112: (وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق , وتارة تكون دفعا عن المستقبل : كقتل القاتل , فكذلك المالية , فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر, وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف وإلى تغيير وإلى تمليك الغير, فالأول ـ أي إتلاف المنكرات من الأعيان والصفات ـ يجوز إتلاف محلها تبعا لها مثل الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها , فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها , وكذلك آلات الملاهي يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء ..ومثل أوعية الخمر يجوز تكسيرها وتحريقها والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه , وقد نص أحمد على ذلك وغيره من المالكية وغيرهم , واتبعوا ماثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي , وقال:إنما أنت فويسق لارويشد , وكذلك أميرالمؤمنين على بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر رواه أبو عبيدة وغيره وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية ..
وأما التغيير فمثل ماروى أبو داود عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم :( أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينه إلا من بأس )
فإذا كانت الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت , ومثل تغيير الصورة المجسمة وغير المجسمة إذا لم تكن موطوءة مثل ماروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(أتاني جبيرل فقال إني أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت إلا أنه كان في البيت تمثال رجل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب فأمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة وأمر بالستر يقطع فيجعل وسادتين منتبذتين وأمر بالكلب يخرج ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضيدهما) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه .
(وكل ما كان من العين أو التأليف المحرم , فإزالته وتغييره متفق عليهما بين المسلمين : مثل إراقة خمر المسلم وتفكيك آلات الملاهي وتغيير الصور المصورة , وإنما تنازعوا في إتلاف محلها تبعا للحال , والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما )
وقال في ص349 (والعقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان : أحدهما المقدور عليه من الواحد والعدد كما تقدم .
والثاني عقوبة الطائفة الممتنعة كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال , فأصل هذا هو جهاد الكفار أعداء الله ورسوله , فكل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له فإنما يجب قتاله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )
وقال في ص 510ـ511 (كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين , وإن تكلمت بالشهادتين , فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا , وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة , وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق , وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة , وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة , وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون , وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته أو التكذيب بأسماء الله وصفاته أو التكذيب بقدره وقضائه أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان , أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعته التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور)
وقال: في ص 359 ( فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في المعاملات وغير ذلك )
وقال:في ص 406( وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر وتخريب العامر عند الحاجة إليه , فليس ذلك بأولى من قتل النفوس ما أمكن غير ذلك..لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني النظير قطع أصحابه نخلهم وحرقوه فقال اليهود هذا فساد وأنت يا محمد تنهى عن الفساد , فأنزل الله { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين }
فظهر بهذه النقول من كلام شيخ الإسلام ـ وهو في الجملة قول جميع العلماء ـ أن كل ما هو حرام في قانون الطاغوت اللعين هو جائز أو واحب في شريعة الإسلام , وكل ما هو واجب في ياسقهم فهو حرام في شرع الرحمان , وهذا هو الكفر الصريح لأنه تحليل لما حرم الله وتحريم لما أحل الله أوإسقاط ما أوجب قال تعالى {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين}
النسيء تشريع مخالف لشريعة الله في الأشهر الحرم : وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم , قد حرم الله تعالى القتال في هذه الأشهر, فكانوا في الجاهلية إذا ارادوا القتال في شهر منها جعلوه حلالا وحرموا بدلا منه شهرا آخر ليواطئوا عدة ما حرم الله ويوافقوا عدد الأشهر الحرم , فبين تعالى أن هذا التشريع زيادة في الكفر, والزيادة في الكفر كفر, وبهذا يكون صاحبها كافرا , قال بن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية :( هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله ـ إلى قوله ـ فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر, فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله من الأشهر الأربعة .
قال الإمام محمد بن حزم ـ رحمه الله ـ:( وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشئ لا تكون إلا فيه لا في غيره , فصح أن النسيءكفر, وهو عمل من الأعمال وهو تحليل ما حرم الله تعالى , وهو عالم بأن الله تعالى حرمه فهذا كافر بذلك الفعل نفسه , وكل من حرم ما أحل الله تعالى فقد أحل ما حرم الله عز وجل لأنه حرم على الناس أن يحرموا ما أحل الله ) (الفصل 3ص204)
وقد دل إجماع الصحابة في حادثة قدامة بن مظعون لما شرب الخمر على أن التحريم والتحليل بغير برهان كفر بالله تعالى. روى بن حزم بسنده إلى جحادة بن دثار: أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر بالشام وأن يزيد بن أبي سفيان كتب فيهم إلى عمر بن الخطاب , فذكر الحديث : وفيه أنهم احتجوا على عمر بقوله تعالى {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا مااتقوا وآمنوا }فشاور فيهم الصحابة فقال لعلي ماذا ترى ؟ فقال أرى أنهم قد شرعوا في دين الله مالم يأذن به الله , فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم فإنهم قد أحلوا ما حرم الله , وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين جلدة ).
وقال شيخ الإسلام :( فإن قدامة بن عبد الله شر بها هو وطائفة وتأولوا قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } [المائدة: 93] فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا. وقال عمر لقدامة: أخطأت استك الحفرة. أما انك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمرـ إلى أن قال ـ وهذا الذي اتفق عليه الصحابة، هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك، ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة: كالفواحش، والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك. أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح. فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن أضمر ذلك كان زنديقاً منافقاً، لا يستتاب عند أكثر العلماء؛ بل يقتل بلا استتابة، إذا ظهر ذلك منه. ) 11/395
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق في وصفه للفرق الخارجة عن الملة الإسلامية قال :(أو أباح ما نص القرآن على تحريمه أو حرم ما أباحه القرآن لا يحتمل التأويل فليس من أمة الإسلام ولا كرامة ) 14
وقال شيخ الإسلام3 ص167 ـ 168:(والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا مرتدا باتفاق المسلمين )
وقال مجموع الفتاوي5ص14:(والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله , فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك دينا ـ أي جعله شرعا متبعا ـ فقد جعل لله ندا ولرسوله نظيرا , بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادا أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب , وهو ممن قيل فيه {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}
وقال أيضل:مجموع الفتاوي8ص66:( ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى )
فهذه الآيات الواضحات وأقوال أهل العلم تبين كفر هؤلاء الطواغيت في تشريعهم ما لم يأذن به الله , وتقنينهم لدساتير ملعونة تحرم الحلال وتحلل الحرام وتسقط الأمر والنهي الذي بعث الله بهما رسله ـ عليهم السلام ـ وتلزم الناس بالتحاكم إليها والخضوع لها , وتقاتل الخارجين عليها وتستحل دماءهم وأموالهم .
2ـ إظهار الموافقة على الإستهزاء بآيات الله .
وهذا يتضح ببيان ما وقع فيه هؤلاء من استهزاء بآيات الله في مسألة التوبة .
لقد سبق أن ذكرنا أن هؤلاء الطواغيت قد أطلقوا على أولئك الملتحقين بصفوفهم (تائبين) , وهذا كفر لأنه إستهزاء بآيات الله وتلاعب بأحكامه وقلب للحقائق الشرعية، فالتوبة في الشرع هي الرجوع عن ذنب , والذنب إما أن يكون تركا لواجب أوجبه الشرع أو فعلا لمحرم حرمه الشرع , وهؤلاء الأعداء عكسوا الأمر فجعلوا التوبة هي الرجوع عن الأفعال التي حرمها قانونهم , وإن كانت في الشرع من أوجب الواجبات , كالجهاد في سبيل الله تعالى , وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والدعوة إلى الله تعالى , والتحاكم إلى شرع الله .
قال بن القيم ـ رحمه الله ـ:(فصل في أجناس ما يتاب منه ولا يستحق العبد اسم التائب حتى يتخلص منها , وهي إثنا عشر جنسا مذكورة في كتاب الله عز وجل وهي أجناس المحرمات :الكفر والشرك والنفاق والفسوق والعصيان والإثم والعدوان والفحشاء والمنكر والبغي والقول على الله بلا علم واتباع غير سبيل المؤمنين .
فهذه الإثنا عشر جنسا عليها مدار كل ما حرم الله وإليها انتهاء العالم بأسرهم إلا أتباع الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ ..فالتوبة النصوح هي بالتخلص منها والتحصن والتحرز من مواقعتها , وإنما يمكن التخلص منها لمن عرفها )مدارج السالكين ج 1 ص335
فأنت ـ أخي المسلم ـ تعلم أن الفار من صفوف المجاهدين إلى هؤلاء الطواغيت يقع لامحالة في بعض هذه الموبقات إن لم نقل كلها , ولا يمكن التخلص منها إلا بمفارقتهم والبراءة منهم وهجرة أوطانهم وديارهم والكون مع المجاهدين والانضمام إلى حزب الله الموحدين .
فأعظم موبق يضاد التوبة من أصلها يصدر من هؤلاء الفارين : ترك التحاكم إلى شريعة الرحمن والرضى بالتحاكم إلى شريعة الشيطان , وأعظم جرم يقع فيه هؤلاء الفارون : موالاة هؤلاء الأعداء من أولياء الشيطان من الملحدين والعلمانيين ومعاداة أولياء الرحمان والمظاهرة عليهم .
فهل يعد تائبا من ترك التوحيد وأهله ورضي بالكفر وحزبه وفعل المنكرات والفواحش ـ كما يبلغنا عن هؤلاء الفارين ـ ؟! أم هو مجرم من أعظم المجرمين ومفسد من أعظم المفسدين؟ لاشك أنه من الهالكين الملعونين !
إذن فإطلاق لفظ التائبين على هؤلاء الفارين هو عين الاستهزاء بآيات الله .
ومن هنا يعلم : أن التوبة عبادة من العبادات العظيمة , وحكما من أحكام الشريعة وفريضة من الفرائض الشرعية , فالمستخف بها مستخف بالدين والمستهزئ بها مستهزئ بآيات الله , ومن الاستهزاء وصف العصاة والفساق وإخوان الشياطين والمرتدين بالتائبين , ولا قصد للطاغوت من هذا الإطلاق إلا الضحك على هؤلاء المغفلين , والسخرية من دين رب العالمين , وإلا فكيف يدعو الطاغوت هؤلاء إلى التوبة وهم من أبعد الناس عن التوبة , ومن أفسق من عرفنا على وجه الأرض ومن أشدهم عتوا وطغيانا وكفرا وحربا للإسلام وأهله , واستكبارا عن عبادة الله , والسخرية والاستهزاء أقل ما يصدر من هؤلاء الكفرة الفجرة , بل هي دينهم وعقيدتهم , فأهل الإسلام هم من أحقر الناس عندهم , يصفونهم بالتحجر والتخلف والظلامية وغيرها من الأوصاف الذميمة التي لا تليق إلا بهم وبمن والاهم , ومن شاء فلينظر إلى جرائدهم ومجلاتهم وبرامجهم في التلفاز, ويقرأ كتبهم ويستمع إلى خطبهم وتصريحاتهم .
بناء على هذا فإن هؤلاء الفارين إلى صفوف الطواغيت الذين أطلقوا عليهم إسم التائبين وقعوا في الكفر من وجوه:
أ ـ إظهار الموافقة على تحريم الحلال وتحليل الحرام وتبديل الشرع الصادر من هؤلاء الطواغيت في قانونهم اللعين , لكون هؤلاء الفارين شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا يمارسون الجريمة وقد تابوا منها , وقبلوا التحاكم إلى شريعتهم التي تعد الجهاد جريمة وفسادا , وطلبوا العفو والصفح من كبير المردة والشياطين "بوتفليقة" , فهل هذا إلا إقرار منهم بما شرعه الطاغوت في قانونه من تحريم لما أوجبه الله من الجهاد في سبيل الله والتحاكم إلى شرعه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى وغيرها , وبما شرعه وألزم به من عقوبات ضد من قام بهذه الواجبات العظيمة .
ب ـ إظهار الموافقة على هذا الاستهزاء بآيات الله وأحكامه ودينه حينما استجابوا لنداء الطاغوت , وقبلوا بالانضمام إلى طائفة التائبين , كما يزعم الطاغوت وفارقوا جماعة المسلمين .
وفي كلا الوجهين : الرضا بالكفر وإظهار الموافقة عليه , فتشريع ما يخالف شرع الله كفر, والاستهزاء بآيات الله كفر, كما سبق بيانه , والراضي بالكفر كافر قال تعالى { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا }
قال الشيخ حمد بن عتيق :(وفي أجوبة أبناء الشيخ ـرحمهم الله تعالى ـ لما سئلوا عن هذه الآية وعن قوله صلى الله عليه وسلم ( من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله)
قالوا الجواب : أن الآية على ظاهرها وأن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزئ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين بآيات الله , من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره , فهو كافر مثلهم , وإن لم يفعل فعلهم , لأن ذلك يتضمن الرضا بالكفر والرضا بالكفر كفر, وبهذه الآية ونحوها إستدل العلماء :على أن الراضي بالذنب كفاعله , فإن ادعى انه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه , لأن الحكم على الظاهر, وهو قد أظهر الكفر فيكون كافرا , ولهذا لما وقعت الردة وادعى الناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبل منهم الصحابة , بل جعلوهم كلهم مرتدين إلا من أنكر بلسانه ) سبيل الفكاك 65ـ 66
( يشيرون ـ رحمهم الله ـ إلى قصة مجاعة : وهي أن خالد لما وصل إلى العرض في مسيره إلى أهل اليمامة لما ارتدوا قدم مئتي فارس فأخذوا مجاعة في ثلاثة وعشرين رجلا من قومهم ..فقال له خالد: يامجاعة تركت اليوم ما كنت عليه أمس , وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه , وأنت أعز أهل اليمامة , وقد بلغك مسيري إقرارا به وإرضاء , لما جاء به , فهلا أبديت عذرأوتكلمت فيمن تكلم فقد تكلم ثمامة فرد و أنكر, وتكلم البكري , فإن قلت أخاف قومي فهلا عمدت إلي أو بعثت إلي رسولا . فقال إن رأيت يابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله . فقال قد عفوت عن رقك ولكن في نفسي حرج من تركك ) سبيل الفكاك ص80ـ 81
_ وقال عبد الرحمن بن حسن :(فتأمل كيف جعل خالد سكوت مجَّاعة رضى بما جاء به مسيلمه وإقراراً ، فأين هذا ممن أظهر الرضا وظاهر وأعان وجدَّ وشمَّر مع أولئك الذين أشركوا مع الله في عبادته وأفسدوا في أرضه ؟ فالله المستعان ) الدرر السنية 11/ 306
وقال الشيخ سليمان في حكم موالاة أهل الإشراك (عقيدة الموحدين ص329 )
في قوله تعالى :{ وقد نزل عليكم في الكتاب ..} الآية " وإن من جلس مع الكافرين بآيات الله المستهزئين بها حال كفرهم واستهزائهم فهو مثلهم , ولم يفرق بين الخائف وغيره , إلا المكره , وهذا وهم في بلد واحد في أول الإسلام , فكيف من كان في سعة الإسلام وعزه وبلاده , فدعا الكافرين بآيات الله المستهزئين بها إلا بلاده واتخذهم أولياء وأصحابا وجلساء, مع كفرهم واستهزائهم , وأقرهم وطرد أهل التوحيد وأبعدهم ؟"
وقلت مثله من كان في عز الإسلام وأرض العزة والكرامة , بين حزب الله الموحدين وأولياءه المجاهدين , ثم انتقل إلى صف الطاغوت المرتد, تائبا كما يزعمون , راضيا باستهزائهم بأهل الجهاد وبآيات الله ودينه , بعد أن كان يكفرهم ويتبرأ منهم , وأغلب هؤلاء, إن لم نقل كلهم , هم جلساء هؤلاء الطواغيت وأصحابهم وأعوانهم , يظاهرونهم على المجاهدين .
3ـ إظهار الموافقة على أن قانونهم يدعو إلى العدل والفضيلة ويحقق الأمن والوئام ويحقن الدماء .
ثم إن هؤلاء الفارين , الذين سموا بالتائبين وطلبوا العفو من رئيس المرتدين (لاسيما الإنقاذيون) , فشهدوا على أنفسهم : أنهم يمارسون الفساد والجريمة والإرهاب , فإنهم بهذا قد وقعوا في أعظم محذور: وهو وصف شريعة السماء أنها تأمر بالظلم والفساد , وأن قانون الطاغوت اللعين يأمر بالعدل والصلاح , وذم لأهل الجهاد بأنهم مجرمون مفسدون , ومدح للحكام المرتدين بأنهم هم المصلحون الصالحون .
وهذا فيه الموافقة على دينهم والشهادة لأعداء الله باستقامة سبيلهم وحسن ملتهم , وأنهم أهدى سبيلا من الذين آمنوا , وقد صدر هذا من بعضهم بصريح العبارة
ففي حوار مع جريدة الخبر صرح عضو قيادي في ج إ إ : " الحل العادل الذي نطالب به هو أن نعيش كجزائريين في ظل قوانين ودساتير وحرية مماثلة."
وقد نص العلماء على أن إظهار الموافقة على دين الكفار من غير إكراه كفر بالله تعالى قال تعالى {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا }
قال الإمام بن كثير في تفسير هذه الآية ويقولون للذين كفروا ..الآية أي يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم وقد روى ا بن أبي حاتم عن عكرمة قال جاء حيي بن أخطب وكعب ين الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم : أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد . فقالوا : ما أنتم وما محمد ؟فقالوا : نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العاني ونسقي الحجيج , ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج من غفار, فنحن خير أم هو؟ فقالوا أنتم خير وأهدى سبيلا فأنزل { ألم ترى إلى الذين ..} وقال الإمام أحمد عن ابن عباس لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش : ألا ترى هذا الصنبور المبتر في قومه يزعم أنه خير منا , نحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية . قال : أنتم خير قال فنزلت {إن شانئك هو الأبتر} ونزل { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ـ إلى قوله ـ وءاتيناهم ملكا عظيما } وهذا لعن لهم و إخبار بانهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الأخرة , إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين وإنما قالوا لهم ذلك ليقبلوه إلى نصرتهم , وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ الرابعة وهي أهمها ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت : هل هو اعتقاد قلبه أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها ؟
يشيرـ رحمه الله ـ: إلى أن هؤلاء الأحبار من اليهود كانوا يعرفون بطلان ما كان عليه المشركون في عبادة الأصنام , لكن مجرد موافقتهم على ما كانوا عليه من الباطل وتحسين ذلك لهم والشهادة على أهل الحق بالضلال جعله الله إيمانا بجبتهم وطاغوتهم .
وقال الشيخ حمد بن عتيق ـ رحمه الله ـ في سبيل الفكاك 5 7 قال:
( فاعلم أن إظهار الموافقة للمشركين له ثلاث حالات ..
الحالة الثالثة : أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن , وهو من وجهين :
أحدهما أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم , ويتهددونه بالقتل فيقولون له : إما ان توافقنا وتظهر الإنقياد لنا وإلا قتلناك , فإنه , والحالة هذه , يجوز له موافقته لهم في الظاهر, مع كون قلبه مطمئنا بالإيمان , كما جرى لعمار حين أنزل الله { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }
الوجه الثاني : أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن , وهو ليس في سلطانهم , وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال , فإنه , في هذه الحال , يكون مرتدا ولا تنفعه كراهته لهم في الباطن .
وهو مما قال الله فيهم { ذلك بانهم استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين })
وقال الشيخ سليمان بن عبد لله آل الشيخ ـ رحمه الله ـ في حكم موالاة أهل الإشراك :(قال تعلى { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى وكذلك المشركون لا يرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتبع ملتهم ويشهد أنهم على حق ثم قال تعالى { قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير } وفي الآية الأخرى{إنك إذاً لمن الظالمين} فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوافق على دينهم ظاهرا من غير عقيدة القلب لكن خوفا من شرهم ومداهنة لهم كان من الظالمين , فكيف لمن أظهر لعباد القبور والقباب أنه على حق وهدى مستقيم فإنهم لا يرضون إلا بذلك ؟ )
قلت ومثل هؤلاء: المرتدون الفارون من صفوف المجاهدين , بل و شر منهم حيث أظهروا للملاحدة والعلمانيين والإشتراكيين والداعين لكل كفر وفسادـ ومنه عبادة القبور والأوثان ـ أنهم على حق وهدى , وأنهم كانوا على ضلال مبين .
كما أظهروا لهم : أن قانونهم اللعين يحقن الدماء ويحقق الأمن والوئام وأن الجهاد مفسدة وسبيل إلى سفك الدماء ووقوع الفتن، وهذا اعتقاد فاسد وانحراف عن سواء السبيل .
قال سليمان بن سحمان : (ولما عاد الإسلام غريبا صار الجاهليون يعتقدون ما هوسبب الرحمة سبب العذاب وما هو سبب الألفة والجماعة سبب الفرقة والإختلاف وما يحقن الدماء سبب لسفكها كالذين قال الله فيهم { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} الآية وكذلك الذين قالوا لأتباع الرسل { إنا تطيرنا بكم }
فمن اعتقد أن تحكيم شريعة الإسلام يفضي إلى القتال والمخالفة وأنه لايحصل الإجتماع واللألفة إلا على حاكم الطاغوت فهو كافر عدو لله ولجميع الرسل فإن هذا حقيقة ما عليه كفار قريش الذين يعتقدون أن الصواب ما عليه آباؤهم دون ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم.) الدرر السنية 10/510_511
وقال: ( إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل قال:{ والفتنة أكبر من القتل} وقال: {والفتنة أشد من القتل} والفتنة هي الكفر، فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون أن ينصبوا في الأرض طاغوتا يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم).
وقد يدعي أحد هؤلاء الفارين أنه يرفض وصف التائبين الذي يطلقه عليهم الطاغوت فنقول دعواك هذه لاترفع عنك هذا االوصف , لأن ظاهرك يدل أنك من جملة هؤلاء التائبين , ونحن إنما نحكم على الظاهر والله يتولى السرائر, فمن أركان التوبة الإقلاع , وأنت قد امتنعت عن الجهاد باختيارك ورضاك , وتركت موالاة الموحدين وواليت المرتدين ودخلت في طاعتهم , وهذا معنى التوبة في الظاهر عند المجرمين المرتدين وكذلك عندالموحدين , ولكنها عند الموحدين هي توبة من الحسنات , بل من أعظم الحسنات التي تنقض أصل الدين .
فإن قيل أنتم تحكمون على الظاهر وها أنا أصرح برفض هذا الوصف بالتائبين , وأعلن توبتي وندمي مما فعلت من ترك الجهاد ؟
والجواب : قولك هذا لاينفعك , فلا ينفع ظاهر باطن بخلافه , كما هومقرر في مسائل القضاء , ولذلك أفتى الإمام ابن باديس : أن توبة المتجنس لاتتحقق إلا بالهجرة من تلك الأرض التي يحكم بقانونها الكفري الذي آثره على حكم الله باختياره إلى أرض تحكم بشريعة الله , وإن اظهر ندمه وتوبته . وسيأتي بيان ذلك في شروط توبة هؤلاء الفارين .
ثم إننا نجزم أن الكون مع المرتدين بعد مفارقة جماعة المجاهدين يلجأ صاحبه بالضرورة إلى موالاة المرتدين والبراءة من الموحدين وتحقيق التوبة كما يريد الطاغوت , لاسيما وأن سياسة الطاغوت وإعلامه وقوانيه العامة والخاصة بالجهاد كلها تهدف إلى هذا الأمروهو:( عزل المرتدين عن الجريمة ـ أي الجهاد ـ)
وهذه سنة ثابتة من سنن المجتمعات , فالكون مع المجرمين مع عدم الإنكار يصيرك مثلهم , تواليهم و تعادي أعداءهم , والكون مع المؤمنين يصيرك أيضا مثلهم تواليهم وتعادي أعداء هم .
قال الإمام ابن القيم ـرحمه الله ـ :
( فإن الإنسان مدني بالطبع ، لا بُد له أن يعيش مع الناس ، والناس لهم إرادات وتصورات ، فيطلبون منه أن يُوافقهم عليها ، فإن لم يوافقهم اذوه وعذبوه ، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب ، تارة منهم ، وتارة من غيرهم ، كمن عنده دِينٌ وتُقى حل بين قوم فُجار ظلمة ، ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم ، فإن وافقهم أو سكت عنهم ، سلم من شرهم في الابتداء ، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداءا ، ولو أنكر عليهم وخالفهم ، وإن سلم منهم ، فلا بد أن يهان ويعاقب على يد غيرهم ، فالحزم كل الحزم في الأخذ بما قالت عائشة أم المؤمنين لمعاوية : " من أرضى الله بسخط الناس ، كفاه الله مؤنة الناس ، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً"
ومن تأمل أحوال العالم رأى هذا كثيراً فيمن يعين الرؤساء على أغراضهم الفاسدة ، وفيمن يعين أهل البدعة على بدعهم هرباً من عقوبتهم . فمن هداه الله ، وألهمه رشده ، ووقاه شر نفسه ، امتنع من الموافقة على فعل المحرم ، وصبر على عداوتهم ، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة . كما كانت للرسل وأتباعهم ، كالمهاجرين والأنصار ، ومن ابتلي من العلماء ، والعباد ، وصالحي الولاة ، والتجار ، وغيرهم ) زاد المعاد
ولهذا تجد كثيرا من المرتدين يصرحون بتوبتهم من الجهاد علنا , نسأل الله العافية .
- عن جريدة الأصيل :" أقدم 10 إرهابيين من كتيبة الفرقان بالشلف على تسليم أنفسهم لمصالح الأمن بالولاية معلنين صراحة توبتهم عن الإجرام " ثم أضافت: " جاءوا طائعين نادمين مؤكدين بأنهم سيعملون كل ما في وسعهم لإقناع البقية للإلتحاق بالتوبة "
ثانيا : التوبة من الجهاد
والثاني: أن هؤلاء الفارين من صفوف المجاهدين قد أطلق عليهم الطاغوت إسم التائبين , تلبيسا وخداعا وقلبا للحقائق الشرعية , حتى يستدرجهم إلى الردة والكفر, وإلا فالتوبة لا تكون إلا من المعاصي والسيئات وليس من الطاعات والحسنات، ومنها الكفر بالطاغوت والجهاد في سبيل الله.
ومراد الطاغوت من إطلاق هذا اللفظ عليهم ما يقتضيه معناه في الشرع والعرف، فالتوبة لا تسمى توبة شرعا وعرفا إلا بثلاث شروط:
الأول: الإقلاع عن الذنب
الثاني: الندم على ذلك
الثالث: العزم على عدم العودة إليه
فمراد الطاغوت من هؤلاء الفارين إلى أحضانه أن يقلعوا عن أي نشاط إرهابي ( وهو الجهاد وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين) وأن يظهروا الندم على ما سلف منهم، وأن يعقدوا العزم على أن لا يعودوا إلى الجهاد وأن لا يخرجوا عن طاعته أبد الدهر)
إذا فمقصود الطاغوت من إطلاق لفظ التائبين عليهم دخولهم تحت طاعته ظاهرا وباطنا قلبا وقالبا , ونبذ طاعة المجاهدين وعدم نصرتهم وموالاتهم وبغض ما هم عليه من طاعة وجهاد ، هذا ما يريده الطاغوت ويحرص على تحقيقه يؤكد هذا أحد المحللين لقانون الوئام المدني تعليقا على التدبير الثاني لهذا القانون وهو الوضع رهن الإرجاء والإختبار قال: ( إن لكل عقوبة هدفين : أولهما مؤسس على فكرة التعزير. وثانيهما مؤسس على فكرة الندم والتوبة …ضمن هذا المنطق , فإن مدة اختبار هؤلاء تعد من الطرق الملائمة للتأكد من صدق نيتهم في الاستقامة ، و حسن اندماجهم ، فهو يبعد المتابعة الفورية , إلا أنه ليس عفوا شاملا، يبقي مسؤولية الشخص قائمة كما يبقي احتمال المتابعة , كاختبار للشخص ما لم يتم التأكيد على استقامته ...) اهـ بتصرف الخبر الأسبوعي عدد 17 30 جوان 1999.
فهؤلاء الفارون الذين أطلق عليهم المرتدون لفظ التائبين قد تابوا ـ في الحقيقة ـ من الكفر بالطاغوت وما يقتضيه من ولاء وبراء وجهاد وغيرها وهذه توبة من الحسنات والطاعات , بل من أعظم ركن في الدين ومن أهم واجبات الإسلام. وهذا هو الكفر بعينه.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ (والتوبة من الحسنات من أعظم السيئات وأقبح الجنايات بل هي كفر ) المدارج …. وقد فصل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة فقال: (أما التوبة من الحسنات فلا تجوز عند أحد من المسلمين , بل من تاب من الحسنات فهو إما كافر وإما فاسق.
وإن لم يعلم أنه تاب من الحسنات فهو جاهل ضال، وذلك أن الحسنات هي الإيمان والعمل الصالح، فالتوبة من الإيمان هي الرجوع عنه، والرجوع عنه ردة، وذلك كفر. والتوبة من الأعمال الصالحة رجوع عما أمر الله به، وذلك فسوق او معصية.
والله تعالى حبب إلى المؤمنين الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فكل حسنة يفعلها العبد إما واجبة وإما مستحبة، والتوبة تتضمن الندم على ما مضى، والعزم على أن لا يعود إلى مثله في المستقبل، والندم يتضمن ثلاثة أشياء: إعتقاد قبح ما ندم عليه، وبغضه وكراهيته، وألم يلحقه عليه.
فمن اعتقد قبح ما أمر الله به أمر إيجاب او استحباب، أو أبغض ذلك وكرهه بحيث يتألم على فعله ويتأذى بوجوده، ففيه من النفاق بحسب ذلك، وهو إما نفاق أكبر يخرجه من أصل الإيمان , وإما نفاق أصغر يخرجه من كماله الواجب عليه. قال تعالى:{ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم }[محمد 28]. وقال تعالى:{وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}[التوبة: 124_125]. وقال تعالى:{وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء:82]
بل إذا علم العبد أن هذا الفعل قد أمره الله به وأحبه ، فاعتقد هو أن ذلك ليس مما أمر الله به وأبغضه وكرهه فهو كافر بلا ريب. فمثل هذه التوبة عن الحسنات هي ردة محضة عن الإيمان وكفر بالإيمان :{ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين }[المائدة :5 ].
فإطلاق القول بأن الحسنات يتاب منها هو كفر يجب أن يستتاب صاحبه، إذ معناه أنه يأمر بالرجوع عن الحسنات، واعتقاد أن الرجوع عن الحسنات يقرب إلى الله، وهذا كفر بلا ريب. (جامع الرسائل لابن تيمية 1/248_249)
ـ ثم إن هذه التوبة إن كانت صحيحة فإما أن تكون لله وإما أن تكون للدولة , والثاني هو الظاهر من كلام الطواغيت ودساتيرهم , فالتوبة عندهم للدولة ولرئيسها لا لله , ولا تجد في قانونهم ذكرا لاسم الله البتة , فمثلا قالوا : ( إن رئيس الجمهورية أعاد التأكيد , باسم الشعب , بأن الدولة مستعدة للصفح عن كل ما يمكن الصفح عنه , وبأنها تتعهد بتخفيف العقوبات التي يتعرض لها كل الذين جنحوا للعنف بارتكاب جرائم القتل)
وهذا من أعظم الظلم والتعدي , فالتوبة عبادة لا ينبغي صرفها لأحد غيرالله .
قال ابن القيم في مدارج السالكين1/345
قال:(ومن أنواعه ـ أي الشرك ـ التوبة للشيخ , فإنها شرك عظيم , فإن التوبة لا تكون إلا لله , كالصلاة والصيام والحج والنسك , فهي خالص حق الله
وفي المسند أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتي بأسير فقال : اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عرف الحق لأهله " فالتوبة عبادة لا تنبغي إلا لله كالسجود والصيام )
4
الدخول تحت طاعة الطاغوت
ثم إن هؤلاء الفارين سيدخلون في طاعة الطاغوت ويخضعون لقانونه ما إن تطأ أقدامهم أرض العدو، وهذا بناء على :
1ـ الدستور الذي يلزم كل مواطن بالخضوع والإمتثال له , جاء في المادة ( 60 ) من الواجبات في الفصل الخامس:
[ يجب على كل شخص إحترام الدستور وقوانين الجمهورية ]
وجاء في النسخة الفرنسية بلفظ صريح وهي الأصل ( يحترم...ويمتثل قوانين الجمهورية)
وبناء على :
2ـ قوانين الردة التي أصدرها الطاغوت , وآخرها المرسوم التنفيذي لميثاق السلم والمصالحة الثالث .
فهذه القوانين كلها الغاية من ورائها: أن هؤلاء الفارين إلى صفوف الطاغوت لا يستفدون من العفو إلا بشرط الخضوع المطلق لسلطة الدولة , هذا ما صرح به رئيس حكومتهم إسماعيل حمدان معلقا على قانون الوئام المدني. (16 ربيع الأول 1916، قال:( ..إن مشروع القانون الجديد المدني الذي جاء بديلا عن قانون الرحمة الصادر سنة 95 يهدف إلى المعالجة النهائية للأزمة من خلال مبدأين : ـ أحدهما خضوع من يريد الاستفادة من تدابير هذا القانون خضوعاكاملا لسلطة الدولة والامتثال لقوانينها )
وهو الذي نص عليه صراحة مرسوم بوتفليقة , المؤرخ في شوال 1420 هـ
[ المادة 1: بناءا على الدستور وبمقتضى الوئام المدني يعفى من المتابعات من اجل الأفعال المنصوص عليها في المادة الاولى من هذا القانون نفسه الأشخاص الذين سبق لهم الإنتماء إلى منظمات قررت بصفة نهائية إرادية وتلقائية إنهاء اعمال العنف ووضعت نفسها تحت تصرف الدولة كليا ]
المادة 2:[ تتوقف الإستفادة من أحكام هذا المرسوم إذا لم يحترم الأشخاص المعنيون الإلتزام المتخذ ضمن ما نص عليه في المادة الرابعة من القانون نفسه والذي بموجبه قوبلت إستفادتهم من الإعفاء من المتابعات ]
المادة4 من قانون الوئام المدني: [ لا تطبق أحكام هذا القانون إلا عند الإقتضاء على الأشخاص المنتمين إلى المنظمات التي قررت بصفة تلقائية وإرادية محضة إنهاء أعمال العنف ووضعت نفسها تحت التصرف كليا ]
والشاهد من القانون اللعين " ووضعت نفسها تحت التصرف كليا" ويعني هذا الطاعة المطلقة لهذا القانون الكفري , والإنقياد الكامل لأعداء الله المرتدين، هذا يدل عليه عموم اللفظ من غير تخصيص , ولا يفهم منه غير هذا .
وهذه الطاعة التي التزم بها هؤلاء المرتدون كفر بالله تعالى , لأنها طاعة لتشريعاتهم المخالفة لشريعة الله ليست طاعة لشخص معين, إنما هي طاعة لتشريع يحلل الحرام ويحرم الحلال , وهذا النوع من الطاعة لا شك أنه شرك بالله تعالى , وإن كان ذلك في أمر واحد فقط , فكيف بمن التزم بطاعتهم مطلقا في جميع الأمور دقها وجلها , وأعظمها محادة ومشاقة لله ورسوله والمؤمنين المجاهدين : طاعتهم في حرب المجاهدين والقبول بوضع النفس رهن إشارتهم وإرادتهم وأن يكون هذا المتولي عن الجهاد جنديا مطيعا خاضعا لجميع أوامرهم دون تردد في معاداة الموحدين على مدى الحياة , وكيف إذا أضافوا إلى ذلك سب المجاهدين وتخطئتهم , والتحريض عليهم وتثبيط أبناءالأمة عن الإلتحاق بهم , والشهادة على الطاغوت أنه علىحق وأن المجاهدين على باطل .
والأدلة على كفر من كان هذا حاله أكثر من أن تحصر:
قال تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله }الآية قال ابن كثير في هذه الآية (روى الإمام احمد والترمذي وبن جرير من طرق عن عدي بن حاتم في حديثه مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أسلم جاء فيه فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ..وهو يقرأ {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال: قلت: إنهم لم يعبدوهم . فقال صلى الله عليه وسلم : إنهم حرموا عليهم الحلال واحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم ) الحديث ثم قال: ـ رحمه الله ـ وهكذا قال حذيفة وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} فإنهم اتبعوهم فيما أحلوا وحرموا . وقال السدي : استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا} أي الذي حرم الشيء فهو الحرام وما حلله الله فهو الحلال وما شرع اتبع وما حكم به نفذ {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والأعوان والأضداد والأولاد لا إله إلا الله و لا رب سواه )
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد :( وظهر بهذه أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله او تحريم ما أحل الله وأطاعه في معصية الله واتبعه في ما لم يأذن به الله فقد اتخذه ربا ومعبودا وجله لله شريكا , وذلك ينافي التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) , فإن الإله هو المعبود , وقد سمى الله طاعتهم عبادة لهم وسماهم أربابا ..)
وبهذا نعلم أن من التحق بهؤلاء المرتدين فإنه سيخضع لقانونهم المخالف لشرع الله فيطيعهم في ما يخالف الشرع من التحليل والتحريم وتلك عبادتهم لهم وشرك بالله تعالى , ويدل عليه قوله تعالى{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون }
قال سليمان بن عبد الله في هذه الآية (هذه الآية نزلت لما قال المشركون تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله , فأنزل الله تعالى هذه الآية , فإذا كان من أطاع غير الله في تحليل الميتة , من غير فرق بين الخائف وغيره , (مشركا) إلا المكره، فكيف من أطاعهم في تحليل موالاتهم والكون معهم ونصرهم , والشهادة أنهم على حق , واستحلال دماء المسلمين وأموالهم , والخروج عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين , فهؤلاء أولى بالكفر والشرك ممن وافقهم على أن الميتة حلال .وهذا حال المرتدين الفارين إلى صفوف الطاغوت في هذا الزمان سواء بسواء , فإن أعلبهم يستحلون كل هذا , سيما من تعلق بفتوى العلماء المبيحة للردة .
قال الشنقيطي في أضواء البيان( فصرح تعالى بأنهم مشركون في طاعة أولئك الكفار فيما وافقوهم في تحليل أو تحريم )
وقال تعالى {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم }
قال شيخ الإسلام 28ص193 تعقيبا على هذه الآية( وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم ولهذا ذكر في «سورة المائدة» أئمة المرتدين عقب النهي عن موالاة الكفار )
فيفهم من كلام شيخ الإسلام أن قولهم للكفار سنطيعكم في بعض الأمر موالاة لهم وتلك ردة في الإسلام
ولذا قال بن حزم ـرحمه الله ـ الفصل 3ص262 ( فجعلهم مرتدين كفارا بعد علمهم الحق وبعد أن تبين لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط وأخبرنا تعالى انه يعرف إسرارهم )
فتبين من هذه الآية أن هؤلاء كفروا بمجرد وعدهم الكفار أنهم سيدخلون في بعض طاعتهم , فكيف بمن دخل في طاعتهم , بل وفي كل طاعتهم وخضع لقانونهم , كحال هؤلاء الملتحقين بصفوف الطاغوت والذين أظهروا له أنه على هدى مستقيم وأنهم كانوا مجرمين وقد تابوا ورجعوا .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهم الله ـ (موالاة أهل الإشراك) :( فأخبر تعالى أن ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان وإملائه لهم : هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر. فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما أنزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافرا , وإن لم يفعل ما وعدهم به , فكيف بمن أطاع المشركين الكارهين لما انزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات , وأظهر أنهم على هدى وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم , وأن الصواب في مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل , فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر )
ومثل ذلك قوله تعالى { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون }
من جملة الطاعة التي يلتزم المتولي عن الجهاد ـ بناءا على الدستور وقوانين الردة التي أصدرها المرتد بوتفليقة ـ :إلتزامه بالدفاع عن الوطن والقتال دون هذا الوطن , وهذا من أعظم التولي والمظاهرة وإن لم يخرج حقيقة في صفهم , بل هذا أشد , لأنه فرق بين من ظاهرهم على المجاهدين بخروجه في صفهم ولو مختارا راضيا مرة أو مرتين وبين من التزم بذلك أبد الدهر (1) , فالأول معهم بظاهره وقد يكون مبغضا لهم بقلبه , والذي يكون قد أخرجه طلب الدنيا والمال والمنصب في الغالب .
أما الثاني فهو معهم بقلبه وقد أعطاهم ولاءه التام لحرب أهل الجهاد ولو أخل بهذا الإلتزام فإنه يعاقب بموجب هذه القوانين الكفرية التي أسلفنا ذكرها
وهذا الجزاء على هذا الإخلال قد التزم هذا المرتد وتعهد بقبوله راضيا مختارا , فقد تعهد بالكفر وتعهد بقبول العقوبة إذا ترك الكفر, ولا حول ولا قوة إلا بالله .
قوله تعالى:{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}[النساء : 97] قال الشيخ سليمان بن عبد الله في الدلائل (أي: في أي فريق كنتم؟ أفي فريق المسلمين ،أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم لم يكونوا في فريق المسلمين بالاستضعاف، فلم تعذرهم الملائكة {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}.
ولا يشك عاقل : أن أهل البلدان الذين خرجوا عن المسلمين، وصاروا مع المشركين، وفي فريقهم، وفي جماعتهم، أعظم ممن ترك الهجرة مشحة بوطنه وأهله وماله، هذا مع أن الآية نزلت في أناس من اهل مكة، أسلموا واحتبسوا عن الهجرة، فلما خرج المشركون إلى بدر، أكرهوهم على الخروج معهم، فلما علموا بقتلهم تأسفوا وقالوا : قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم الآية.
فكيف بأهل البلدان، الذين كانوا على الإسلام، فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأطهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، وابتغوا غير سبيلهم وخطؤوهم، وظهر فيهم سبهم وشتمهم وعيبهم والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد، والصبر عليه وعلى الجهاد فيه، وأعانوهم على أهل التوحيد طوعا لا كرها، واختيارا لا اضطرارا، فهؤلاء أولى بالكفر والنار، من الذين تركوا الهجرة شحا بالوطن، وخوفا من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين.
فإن قال قائل: هلا كان الإكراه على الخروج عذرا للذين قتلوا يوم بدر؟ قيل: لا يكون عذرا، لأنهم في أول الأمر لم يكونوا معذورين، إذ أقاموا مع الكفار، فلا يعذرون بعد ذلك بالإكراه، لأنهم السبب في ذلك، حيث أقاموا معهم وتركوا الهجرة.
ـ قوله تعالى:{ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون} [الحشر :11] فعقد الله تعالى الأخوة بين المنافقين والكفار، وأخبر أنهم يقولون لهم في السر: لئن اخرجتم من بلادكم لنخرجن معكم، أي ولئن غلبكم محمد صلى الله عليه وسلم وأخرجكم من بلادكم ( لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا) أي: لا نسمع من أحد فيكم قولا، ولا نعطي فيكم طاعة (وإن قوتلتم لننصرنكم) أي: إن قاتلكم محمد صلى الله عليه وسلم لننصرنكم، ونكون معكم، ثم شهد الله أنهم لكاذبون في هذا القول.
فإذا كان وعد المشركين في السر بالدخول معهم، ونصرهم والخروج معهم إن جلوا نفاقا وكفرا وإن كان كذبا، فكيف بمن أظهر ذلك صادقا؟ وقدم عليهم ودخل في طاعتهم، ودعا إليهم ونصرهم، وانقاد لهم وصار من جملتهم، وأعانهم بالمال والرأي؟ هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفا من الدوائر، كما قال تعالى:{ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة}[المائدة :52].
وهكذا حال كثير من المرتدين في هذه الفتنة، فإن عذر كثير منهم هذا، هو العذر الذي ذكره الله عن الذين في قلوبهم مرض، ولم يعذرهم الله به، قال تعالى:{فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين }[المائدة : 52_53].
ثم قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} فأخبر الله تعالى أنه لا بد عند وجود المرتدين من وجود المحبين المجاهدين، ووصفهم بالذلة والتواضع للمؤمنين، والعزة والغلظة والقسوة على الكافرين، بضد من كان تواضعه وذله ولينه، لعباد القباب، وأهل القحاب واللواط، وعزته وغلظته على أهل التوحيد والإخلاص، فكفى بهذا دليلا على كفر من وافقهم وإن ادعى أنه خائف فقد قال تعالى:{ ولا يخافون لومة لائم} وهذا بضد من يترك الصدق والجهاد خوفا من المشركين.
ثم قال تعالى {يجاهدون في سبيل الله} أي في توحيده صابرين على ذلك ابتغاء وجه ربهم، لتكون كلمة الله هي العليا {ولا يخافون لومة لائم} أي لا يبالون بمن لامهم وآذاهم في دينهم، بل يمضون على دينهم مجاهدين فيه غير ملتفتين للوم أحد من الخلق، ولا لسخطه ولا لرضاه، وإنما همتهم وغاية مطلوبهم رضا سيدهم ومعبودهم، والهرب من سخطه، وهذا بخلاف من كانت همته وغاية مطلوبه رضا عباد القباب، وأهل القحاب واللواط، ورجائهم والهرب مما يسخطهم، فإن هذا غاية الضلال والخذلان.
ثم قال تعالى:{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}[المائدة :54] فأخبر الله تعالى: أن هذا الخبر العظيم والصفات الحميدة لأهل الإيمان الثابتين على دينهم عند وقوع الفتن، ليس بحولهم ولا بقوتهم، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، كما قال تعالى:{يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [آل عمران :74].
ثم قال تعالى:{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}[المائدة :55] فأخبر الله تعالى خبرا بمعنى الأمر، بولاية الله ورسوله والمؤمنين، وفي ضمنه النهي عن موالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين ولا يخفى أي الحزبين أقرب إلى الله ورسوله، أهل الأوثان والقباب، والقحاب واللواط، والخمور والمنكرات؟ أم أهل الإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ؟ فالمتولي لضدهم واضع للولاية في غير محلها ، مستبدل بولاية الله ورسوله والمؤمنين، المقيمين للصلاة المؤتين للزكاة، ولاية أهل الشرك والأوثان والقباب.
ثم أخبر تعالى: أن الغلبة لحزبه ومن تولاهم، فقال:{ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}[المائدة : 56]
يقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف في رسالة له في الدرر السنية عن بعض الدول الخاضعة لبريطانيا : (وكل من استطاع لهم ودخل في طاعتهم وأظهر موالاتهم فقد حارب الله ورسوله وارتد عن دين الإسلام..) (ص 11) من جزء الجهاد.
ويقول (ص 7) من الكتاب نفسه: (حتى آل الأمر بأكثر الخلق إلى عدم النفرة من أهل ملل الكفر وعدم جهادهم وانتقل الحال حتى دخلوا في طاعتهم واطمأنوا إليهم وطلبوا صلاح دنياهم بذهاب دينهم وتركوا أوامر القرآن ونواهيه، وهم يدرسونه آناء الليل والنهار وهذا لاشك أنه من أعظم أنواع الردة والانحياز إلى ملة غير الإسلام..) اهـ.
فتوى وتنظير
ا ونظير هذه المسألة ـ أي التحاق المرتدين بصف الطاغوت ـ مسألة التجنس، وهو عقد التزام يعقده الشخص مع دولة ما : مقتضاه الخضوع لقانونها وحكمها دون حكم بلده الأصلي , وهذا إذا صدر من مسلم ببلد تحكمه الشريعة وخضع لقانون دولة كافرة فهذا صنع جاهلي , ولاشك أنه إنسلاخ عن الدين ونبذ لشريعة رب العالمين عن رضا واختيار, ولهذا شنت جمعية العلماء المسلمين في عهد الاستعمار الفرنسي حملة شديدة على هؤلاء المتجنسين , وحكمت بردتهم وأنهم ليسوا من المسلمين , وبذلك افتى علماء تونس وبعض علماء الأزهر.
جاء في فتوى جمعية العلماء مايلي :( التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة ومن رفض حكما واحدا من أحكام الإسلام عد مرتدا عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنس مرتد بالإجماع , والمتجنس بحكم القانون الفرنسي يجري تجنسه على نسله يكون قد جنى عليهم بإخراجهم من حظيرة الإسلام , وتلك الجناية من شر الظلم وأقبحه وإثمها متجدد ما بقي له نسل في الدنيا خارجا عن شريعة الإسلام بسبب جنايته .
فإذا أراد المتجنس أن يتوب فلا بد لتوبته من إقلاع , كما هو الشرط اللازم بالإجماع في كل توبة , وإقلاعه لا يكون إلا برجوعه للشريعة الإسلامية ورفضه لغيرها , ولما كان القانون الفرنسي يبقى جاريا عليه رغم ما يقول من رجوعه فإقلاعه لا يتحقق عندنا في ظاهر حاله ـ وهو الذي تجري عليه الأحكام بحسبه ـ إلا إذا فارق البلاد التي يأخذه فيها ذلك القانون إلى بلاد تجري فيها الشريعة الإسلامية , قد يكون صادقا في ندمه فيما بينه وبين الله ولكن نحن في الظاهر الذي أمرنا باعتباره في إجراء الأحكام , لا يمكننا أن نصدقه وهو ما يزال ملابسا لما ارتد من أجله من أحكام تلك الجنسية , ولهذا لا تقبل توبته ولا تجري عليه أحكام المسلمين )[4]عبد الحميد بن باديس البصائر عدد95 السنة الثالثة ذي القعدة 1356هـ
(الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح التربية بالجزائر)رابح تركي ص 73
وفي صفحة 72من نفس الكتاب كتب الشيخ طيب العقبي في البصائر عدد77 ـ30 قال:(التجنس بمعناه المعروف في شمال أفريقيا حرام , والإقدام عليه غير جائز بأي وجه من الوجوه , ومن استحل استبدال حكم واحد من أوضاع البشر وقوانينهم بحكم من أحكام الشرع فهو كافر مرتد عن دينه باجماع المسلمين , لا يرجع عن دائرة الإسلام وحظيرة الشرع الشريف حتى يرفض رفضا باتا كل حكم وكل شريعة تخالف حكم الله وشرعه المستبين )
وسئل الشيخ محمد رشيد رضا من بعض أهل تونس عن التجنس فقال : (لا خلاف بين المسلمين في أن قبول الجنسية ردة صريحة خروج عن الملة الإسلامية ـ إلى أن قال ـ إن قبول المسلم لجنسية ذات أحكام مخالفة لشريعة الإسلام خروج من الإسلام , فإنه رد له وتفضيل لشريعة الجنسية الجديدة على شريعته , ويكفي في هذا أن يكون عالما بكون تلك الأحكام التي آثر غيرها عليها أحكام الإسلام فلا يعامل معاملة المسلمين , وإذا وقع من أهل بلد أو قبيلة وجب قتالهم حتى يرجعوا ... بل هو بهذا التجنس راضٍ ببذل ماله ونفسه في قتال المسلمين إذا دعته دولته إلى ذلك ، وهي تدعوه عند الحاجة قطعاً . ففي المسألة أحكام كثيرة مجمع عليها معلومة من دين الإسلام بالضرورة يستحل المتجنس مخالفتها , واستحلالها كفر بالإجماع ) المنار33/226ـ227
وجاء في فوى لجنة مصر برئاسة الشيخ علي محفوظ في سؤال هذا نصه:(ماقول العلماء في مسلم تجنس بجنسية غير مسلمة إختيارا منه ، والتزم أن تجري عليه أحكام قوانيها بدل أحكام الشريعة ..ويدخل في هذا الإلتزام أن يقف في صفوفها عند محاربتها ولو لأمة إسلامية كما هو الشأن في التجنس بالجنسية الفرنسية الآن في تونس ؟
الجواب : إن التجنس بجنسية أمة غير مسلمة على نحو ما في السؤال هو تعاقد على نبذ أحكام الإسلام عن رضا واختيار واستحلال لبعض ما حرم الله وتحريم لبعض ما أحل الله والتزام لقوانين أخرى يقول الإسلام ببطلانها وينادي بفسادها , ولا شك أن شيئا واحدا من ذلك لا يمكن تفسيره إلا بالردة ولا ينطبق عليه حكم إلا حكم الردة , فما بالك بهذه الأربعة مجتمعة في ذلك التجنس الممقوت ) التجنس بجنسية دولة غير إسلامية لمحمد السبيل بحث في مجلة المجمع الفقي العدد 4 ص157 نواقض الإيمان 320
فنلاحظ أن هذه الفتوى تشمل بعمومها كل من رفض الشريعة الإسلامية وخضع لشريعة الكفار, فمناط التكفير في هذه الفتوى هو الخضوع لشريعة كافرة ولو في حكم واحد .
وليس من شرط ذلك أن ينتقل الشخص المتجنس من بلده الذي كان يحكم فيه بالشريعة إلى بلد الكفار الذي يحكم فيه بأحكام الكفر.
وإنما المناط كما هو واضح : كون الشخص خرج من شريعة الإسلام وخضع لشريعة الكفار, ولو في نفس البلد الواحد , ويدل على هذا الواقع الذي صدرت فيه الفتوى حيث ان المسلمين في الجزائر كانوا مختلطين بالفرنسيين الكفار في بلد واحد , وهو الجزائر, وكان بعض الجزائريين يتجنس بالجنسية الفرنسية، فعد كافرا لأجل ذلك ولو لم يهاجر إلى فرنسا.
وهذا المناط متحقق في هؤلاء الفارين من صفوف المجاهدين إلى صف الطاغوت , فإنهم بانتقالهم إلى الكفار سيخضعون لقانون الطاغوت بموجب قانون التجنس , وكذلك بموجب قانون العفو.
والجنسية : رابطة قانونية بين الشخص ودولة الطاغوت يخضع فيها لقانونه الكفري . وقانون العفو فيه براءة الشخص من شريعة الإسلام خضوعه لشريعة الكفر.
ثم كذلك الواقع المنزل عليه الحكم هو نفسه واقع هؤلاء الملتحقين بصف الطاغوت , بل يختلف عنه بعض الإختلاف مما يجعل الفتوى تنطبق عليهم من باب أولى , وهو أن المجاهدين والطاغوت في دار واحدة ولكن المجاهدين في جهة منفصلة ممتنعين عن الطاغوت , أما المسلمون أيام فرنسا فلم يكونوا ممتنعين ويمكن لكفار النصارى أن يلزموهم بالتجنس .
ونلاحظ أيضا أن مناط التكفير في هؤلاء المتجنسين هو ردهم للشريعة وخضوع لحكم الكفار, وهذا المناط متحقق بصفة أشد في هؤلاء الملتحقين بصفوف الطاغوت , فهم أشد ردا لحكم الله من هؤلاء المتجنسين من وجهين :
الوجه الأول : كونهم عرفوا ثم أنكروا حيث أظهروا كفرهم بالطاغوت وخرجوا عليه ونبذوا قانونه ثم عادوا إليه خاضعين .
الوجه الثاني: أن الطاغوت اشترط عليهم للاستسلام الخضوع التام لقانونه فقبلوا بذلك مختارين .
وهذا الخضوع المطلق الذي نصت عليه قوانين الردة هو مقتضى التجنس , لكن هذا فيه زيادة هو التنصيص على ذلك تأكيدا على هذا الأمر.
وهذا المناط كان مكفرا لأن رفض أحكام الله ولو حكما واحدا يناقض الإلتزام بالشريعة الذي هو مقتضى الشهادتين وهادم لأصل الدين , فإن مقتضى الشهادتين تصديق الخبر جملة وعلى الغيب والتزام الأمر جملة وعلى الغيب , فمن كذب خبرا واحدا فقد كفر لأنه مكذب لله , ومن رد حكما واحدا فقد كفر لأنه مستكبر على ربه كما فعل إبليس الذي رد أمرا واحدا وهو السجود لآدم ـ عليه السلام ـ فاستحق بذلك اللعنة والعذاب .
وقد يكفر الملتحق بمعسكر المرتدين ـ على قول بعض أهل العلم ـ من وجه آخر وهو احتماءه بالطاغوت . فالفار من صف المجاهدين إلى الطاغوت إنما خرج عن سلطة المجاهدين وطاعتهم وغدر بهم ولحق بالمرتدين واحتمى بسلطتهم من المجاهدين , فلولا امتناعه بشوكة المرتدين لأمكن للمجاهدين أن يقبضوا عليه ويطبقوا عليه حد الردة ويسترجعوا سلاحه ويمنعوه من الإضرار بهم والإفساد في الأرض . وقد أفتى علماؤنا المغاربةـ رحمهم الله ـ : بأن الإحتماء بالكفار كفر بمجرده وهو ظاهر آية المائدة .
قال العلامة المهدي الوزاني من علماء فاس ( ت 1342) ردا على من أفتى بجواز الإحتماء بالكفار.
بحيث إذا أمره الكافر بشيئ يسارع إلىامتثاله كيف كان وإن امره كبير المسلمين بشيء ولوطاعة لايساعده ولايرضى به ولايعتبره حتى يأذن له الكافر.
وأيضا هؤلاء المحتمون تراهم يضحكون على المسلمين ويحتقرون أمورهم ويتمنون لهم أمورا قبيحة كي يكونوا مثلهم { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء }
وأيضا تراهم لأجل أنهم منعوهم من ولاة المسلمين يحبونهم ويتمنون الغلبة لهم إلى غير ذلك من الأمور الشنيعة التي لايرضى بها المسلم .
ثم قال : ( رأيت نحو ماقلته في { الأجوبة الكاملية وذلك أنه سئل العلامة سيدي محمد بن مصطفى الطرابلسي لما شاع وكثر في هذه الأزمنة من احتماء المسلمين بالكفار بعد نقضهم البيعة الإسلامية بحيث يكونوا حكمهم كحكم رعاياهم الأصليين , إذا وقعت لهم حادثة التجؤوا إليهم واشتكوا إليهم وإذا طلبوا أمراء الإسلام يمتنعون ويقولون نحن تحت حماية الدولة الفلانية , وإذا جلب إلى محكمة اهل الإسلام يحضر معه رجل من طرف الحكومة الأجنبية . هل يجوز هذا في الشرع الشريف ؟
فأجاب : لايجوز هذا الصنيع القبيح السيء في الشريعة المنورة بل هو حرام بل قيل إنه كفر وشهد له ظاهر قوله تعالى {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }.
وكذا من بعد هذه الآية في قوله تعالى : { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة}
فهي صريحة في أنه لايفعل ذلك إلا من كان في قلبه مرض ونفاق والعياذ بالله , وكذلك ظاهر قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك فليس من الله}
أي ليس من ولاية الله في شيء , فظاهر أنه انسلخ من ولاية الله رأسا وقد قال تعالى في حق المؤمنين :{ الله ولي الذين آمنوا } فمن انسلخ من ولايته تعالى فلا يكون الله وليه فلا يكون مؤمنا .
وكذلك قوله تعالى:{ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} ثم بين المنافقين بقوله تعالى :( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}
ثم قال : { أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا } والآيات والأحاديث في هذا الشأن كثيرة وهؤلاء المحتمون أشد ضررا على المسلمين من الكفار الأصليين "
ثم قال : ( فهذا وقد ألف في هذه الحادثة سيدي علي الميلي رسالة شدد فيها النكير على من يفعل هذا الفعل قال : فلا يجوز القدوم عليه ولو خاف على ماله وبدنه لأن المحافظة على الدين مقدمة عليهما
ومن القواعد الأصولية ( إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما ) ومنها قولهم ( مصيبة في الأموال ولا مصيبة في الأبدان ومصيبة في الأبدان ولا مصيبة في الأديان ) فالمؤمن رأس ماله وأعز شيء عنده دينه فهو مقدم على كل شيء ) النوازل الكبرى 3/ 7288
- وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عمن يرفع عَلَم الدولة الكافرة في سفينة لئلا تهاجم سفينته أو تقطع طريقها فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: (.. وأما الدخول تحت حماية الكفار فهي ردة عن الإسلام , وأخذ عَلَم منها لا يجوز إذا كانوا لم يدخلوا تحت حمايتهم وولايتهم , وليس بمنزلة أخذ الخفير لحماية المال , فإن هذا علم وعلامة على أنهم منقادون لأمرهم داخلون في حمايتهم , وذلك موافقة لهم في الظاهر) اهـ. من الدرر السنية جزء المرتد ص (145)
بل وقد أفتى بعض علماء المالكية أيضا بكفر من استولى الكفار على بلاده ورضي بالبقاء بين أظهرهم ولم يهاجر, فكيف بمن فارقهم ثم رجع إليهم خاضعا لقانونهم .
وسئل أبو عبد الله أحمد بن محمد المعروف بالشيخ ( عليش ت ( 1299) عن البقاء بين ظهراني الكفار إذا استولوا على ديار المسلمين وترك الهجرة ، فأجاب إجابة طويلة ، ومما قال (فتح العلي المالك 1/375 وما بعدها) : "إن هذه الموالاة الشركية كانت مفقودة في صدر الإسلام وعزته , ولم تحدث على ما قيل إلا بعد مضي مئين من السنين وبعد انقراض أئمة الإسلام المجتهدين فلذلك لم يتعرض لأحكامها الفقهية أحد منهم , وإنما نبغت هذه الموالاة النصرانية في المائة الخامسة وبعدها من تاريخ الهجرة وقت استيلاء ملاعين النصارى دمرهم الله تعالى على جزيرة صقلية وبعض كور الأندلس . سئل عنها بعض الفقهاء واستفهموه عن الأحكام الفقهية المتعلقة بمرتكبها فأجاب بأن أحكامهم جارية مع أحكام من أسلم ولم يهاجر – قلت : يعني في الكفر – وألحقوا هؤلاء المسئول عنهم والمسكوت عن حكمهم بهم وسوي بين الطائفتين في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم , ولم يروا فيها فرقا بين الفريقين وذلك لأنها في موالاة الأعداء ومساكنتهم ومداخلتهم وملابستهم وعدم مباينتهم وترك الهجرة الواجبة لهذه الأحكام المسكوت عنها في الصورة المسئول عن فرضها بمثابة واحدة فألحقوا رضي الله عنهم الأحكام المسكوت عنها في هؤلاء المسئول عنهم بالأحكام المتفقه فيها".
الفصل الثالث
واجب المجاهدين في هؤلاء المفسدين
وإذا تبينت ردة هؤلاء الفارين إلى صف الطاغوت , فإنه يجب على كل مجاهد بغضهم وتكفيرهم ومعادتهم وقتلهم لمن قدر عليهم حتى يتوبوا و يرجعوا إلى طاعة المجاهدين .
يقول تعالى:
{إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
قال القرطبي : ٱختلف الناس في سبب نزول هذه الآية؛ فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العُرَنيين؛ روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك: أن قوماً من عُكْل ـ أو قال من عُرَيْنة ـ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فٱجْتَوَوُا المدينة؛ فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلِقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النَّعَم؛ فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم خبرهم من أوّل النهار فأرسل في آثارهم؛ فما ارتفع النهار حتى جيء بهم؛ فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسَمَر أعينهم وألقوا في الحرة يَستسقُون فلا يُسقَون. قال أبو قِلابة: فهؤلاء قوم سَرقوا وقَتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وفي رواية: فأمر بمسامير فأحميت فكَحَلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حَسَمهم؛ وفي رواية: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأُتي بهم؛ قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} الآية. وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يَكْدِمُ الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا. وفي البخاريّ قال جَرير بن عبد الله في حديثه: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جَرير: فكانوا يقولون الماء، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النار». وقد حكى أهل التّواريخ والسِّير: أنهم قطعوا يدي الرّاعي ورجليه، وغَرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأُدخل المدينة ميتاً، وكان ٱسمه يَسار وكان نُوبياً. وكان هذا الفعل من المرتدّين سنة ست من الهجرة. وفي بعض الروايات عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم.
قال شيخ الإسلام :( وكل من كان من المحاربين الداخلين في هذه الاية فانه يقام عليه الحد إذا قدر عليه قبل التوبة سواء تاب بعد ذلك أو لم يتب ) الصارم المسلول ج: 3 ص: 709
فهذا حكم الله ورسوله في المرتدين المحاربين إذا لم يتوبوا قبل القدرة عليهم . وهؤلاء الفارين ـ كما قد علمنا ـ من أشد المرتدين المحاربين لأهل الجهاد باليد واللسان , فينفذ فيهم هذا الحكم الذي نص الله عليه في كتابه ونفذه رسوله في أمثالهم [5].
وهذه المحاربة التي نصت عليها الآية هي من أشد أنواع المحاربة لأنها محاربة بعد مسالمة .قال شيخ الإسلام ابن تيمية :( لأن المحاربة هنا والله أعلم إنما عني بها المحاربة بعد المسالمة . لأن المحاربة الأصلية لم يدخل حكمها في هذه الآية وسبب نزولها إنما كان فعل مرتد وناقض عهد . فعلم انهما جميعا دخلا فيها ) الصارم المسلول ج: 3 ص: 830
وهذه الآية نصت على سببين موجبين للقتل : الحرابة . والفساد في الأرض . وكلا السببين قد اجتمعا في هؤلاء المرتدين , فهم مرتدون ناقضون للعهد والبيعة محاربون بألسنتهم وأيديهم . أما فسادهم فمنه ما يتعلق بأنفس المجاهدين وأنصارهم وسلاحهم وأموالهم . ومنه ما يتعلق بالدين , وهذا أشد من الأول , لأن فيه تنفير عن الجهاد الذي هو قوام الدين وركنه الأعظم . ومن المعلوم أن لحوق هؤلاء الفارين بصف الطاغوت ومشاهدة الناس لأحوالهم ـ التي سبق ذكر بعضها ـ يفتح بابا عظيما للطعن في الجهاد وتحقير أهله وتخطئتهم في منهجهم وجهادهم , مما يكون سببا في ضعف أو زوال ثقة الناس في أهل الجهاد , والإمساك عن موالاتهم ونصرتهم . بل بعض أنصارالمجاهدين صارفي صف الطاغوت حربا على أهل الجهاد , لاسيما عندما رأى أن معظم هؤلاء المرتدين قد عادوا إلى حياة الجاهلية من فعل المحرمات ـ كالزنا وشرب الخمرـ وترك الواجبات وأعظمها الصلاة , و أصبحوا من جنود الطاغوت المخلصين يعبثون بأموال أهل الجهاد ويسعون في إيذاء المجاهدين وأنصارهم . فلا شك أن هذا من أعظم أسباب التنفير عن الجهاد ومن أكبر الفساد في الدين وهو من جنس فساد ساب الله ورسوله والمستهزئ بدينه المفضي أيضا إلى التنفير من الدين . قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ :( وأيضا فإنه لاريب أن الطعن في الدين وتقبيح حال الرسول [ ومثله أتباعه المجاهدين لأجل دينهم ] في أعين الناس وتنفيرهم عنه من أعظم الفساد , كما أن الدعاء الى تعزيره وتوقيره من أعظم الصلاح . والفساد ضد الصلاح . فكما أن كل قول أو عمل يحبه الله فهو من الصلاح , فكل قول أو عمل يبغضه الله فهو من الفساد . قال سبحانه وتعالى : {ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها } يعني الكفر والمعصية بعد الايمان والطاعة. ولكن الفساد نوعان : لازم وهو مصدر فسد يفسد فسادا. ومتعد وهو إسم مصدر أفسد يفسد إفسادا . كما قال تعالى {سعى في الارض ليــــــفسد فـــــــيها ويهلـــــك الحرث والنســـــــل والله لايحب الفساد } وهذا هو المراد هنا لأنه قال {ويسعون في الارض فسادا} وهذا إنما يقال لمن أفسد غيره لأنه لو كان الفساد في نفسه فقط لم يقل[ سعى في الارض فسادا] وإنما يقال في الأرض لما انفصل عن الانسان , كما قال سبحانه وتعالى :{ ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم إلا في كتاب } وقال تعالى :{ سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم} وقال تعالى {وفي الارض آيات للموقنين وفي انفسكم } . وأيضا فان الساب ونحوه[ كساب اتباعه المجاهدين لدينهم ] انتهك حرمة الرسول وغض قدره وآذى الله ورسوله وعباده المؤمنين وجرأ النفوس الكافرة والمنافقة على اصطلام أمر الاسلام . وطلب إذلال النفوس المؤمنة وإزالة عز الدين وإسفال كلمة الله وهذا من أبلغ السعي فسادا . ويؤيد ذلك أن عامة ما ذكر في القرآن من السعي في الارض فسادا والإفساد في الارض فإنه قد عني به إفساد الدين ... وكذلك الافساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان . وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد , كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان اشد والسعي في الارض لفساد الدين باللسان أوكد ... ) الصارم المسلول ج: 3 ص: 733ـ 735
.
وقد وجد في هذا الجهاد من يعتذر لهؤلاء المرتدين المحاربين ويمتنع من تكفيرهم , وإذا التحق أحد المجاهدين بصف الطاغوت لا يقول : "ارتد" بل يقول : ( هْبَطْ أي نزل ) وهذه مقالة خطيرة مفسدة للجهاد , قد تكاد تكون كفرا .
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ في أنواع المخالفين لكلمة التوحيد ممن نطقوا بها : ( ومن الناس من عبد الله وحده ، ولم ينكر الشرك ، ولم يُعاد أهله . ومنهم : من عاداهم ، ولم يُكفرهم …ومنهم : ـ وهو من أشد الأنواع خطراً ـ من عمل بالتوحيد ، لكن لم يعرف قدره ، ولم يبغض من تركه ، ولم يكفرهم. ومنهم : من ترك الشرك ، وكرهه ، ولم يعرف قدره ، ولم يعاد أهله ، ولم يُكفرهم ؛ وهؤلاء : قد خالفوا ما جاءت به الأنبياء ، من دين الله سبحانه وتعالى ، والله أعلم )93 . الدرر السنية 2 / 22 . وقال حسين وعبد الله أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعاً : ( المسألة الحادية عشرة : رجل دخل هذا الدين وأحبه ، ولكن لا يُعادي المشركين ، أو عاداهم ولم يُكفرهم ، أو قال : أنا مُسلم ولكن لا أقدر أن أُكفر أهل لا إله إلاَّ الله ولو لم يعرفوا معناها ، ورجل دخل هذا الدين وأحبه ، ولكن يقول لا أتعرض للقباب ، وأعلم أنها لا تضر ولا تنفع ولكن ما أتعرضها . الجواب : أن الرجل لا يكون مسلماً إلاَّ إذا عرف التوحيد ودان به ، وعمل بموجبه ، وصدّق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به ، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به ، وآمن به وبما جاء به . فمن قال لا أُعادي المشركين ، أو عاداهم ولم يُكفرهم ، أو قال لا أتعرض أهل لا إله إلاَّ الله ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله ، أو قال لا أتعرض للقباب ، فهذا لا يكون مسلماً بل هو ممن قال الله فيهم : { ويقولون نؤمن ببعض ونكفُرُ ببعض ويُريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً أولئك هم الكافِرون حقاً } [ النساء / 150 ] . والله سبحانه وتعالى أوجب مُعاداة المشركين ومنابذتهم وتكفيرهم فقال { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدّوُن من حآدَّ الله ورسوله } الآية [ المجادلة / 22 ] ، وقال تعالى : { يا أيُها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يُخرجون الرسول وإياكم } الآيات ، والله أعلم ). مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 1 / 38 , 39 .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في أوثق عرى الإيمان( تحقيق د. الوليد بن عبدالرحمن بن محمد آل فريان )
و أما قول السائل : و إن كان ما يقدر من نفسه، أن يتلفظ بتكفيرهم وسبهم ما حكمه؟!.
فالجواب: لا يخلو ذلك عن أن يكون شاكاً في كفرهم، أو جاهلاً به، أو يقر كفرة و أشباههم، و لكن لا يقدر على مواجهتهم و تكفيرهم، أو يقول: أقول غيرهم كافر. لا أقول إنهم كفار.
فإن كان شاكاً في كفرهم، أو جاهلاً بكفرهم: بينت له الأدلة من كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على كفرهم.
فإن شك بعد ذلك أو تردد، فإنه كافر ؛ بإجماع العلماء: على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر.
و إن كان يقر بكفرهم، ولا يقدر على مواجهتهم بتكفيرهم: فهذا مداهن لهم و يدخل في قوله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} و له حكم أمثاله من أهل الذنوب.
و إن كان يقول: أقول غيرهم كافر ولا أقول هم كفار: فهذا حكم منه بإسلامهم ؛ إذ لا واسطة بين الكفر و الإسلام، فإن لم يكونوا كفاراً فهم مسلمون، [و حينئذ] فمن سمى الكفر إسلاماً [أو سمى الكفار مسلمين] فهو كافر، فيكون هذا كافراً . فعقد تعالى الموالاة بين المؤمنين،وقطعهم من ولاية الكافرين. و أخبر أن الكفار بعضهم أولياء بعض، و أنهم إن لم يفعلوا ذلك، وقع من الفتنة و الفساد الكبير شيء عظيم. و كذلك يقع!!!.
فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إلا بالحب في الله و البغض في الله، و المعاداة في الله و الموالاة في الله. و لو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقانا بين الحق و الباطل، ولا بين المؤمنين و الكفار، ولا بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان وفي حديث مرفوع: ((اللهم لا تجعل للفاجر عندي يداً ولا نعمة، فيوده قلبي. فإني وجدت فيما أوحيت إلي:{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآدَّ الله ورسوله} الآية)) رواه ابن مردويه و غيره )
.
قال شيخ الإسلام عن الإتحادية ـ وهم أشبه بهؤلاء الحكام المرتدين ـ :(
ولهذا يقرَّون اليهود والنصارى على ما هم عليه، ويجعلونهم على حقَّ، كما يجعلون عباد الأصنام على حقَّ، وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر، ومن كان محسْناً للظن بهم ـ وادعى أنه لم يعرف حالهم ـ عرف حالهم، فإن لم يبايْنهم ويظهرُ لهم الإنكار، وإلاَّ ألحق بهم وجعل منهم.). مجموع الفتاوى 2/115
وأقل ما يفعل مع المرتدين وكل التاركين للجهاد ـ خاصة من لم يلتحق بعد بالجهاد من أنصار الطائفة المجاهدة ـ هجرهم وعدم مكالمتهم .
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ :( وجماع الهجرة : هى هجرة السيئات وأهلها , وكذلك هجران الدعاة الى البدع وهجران الفساق , وهجران من يخالط هؤلاء كلهم أو يعاونهم , وكذلك من يترك الجهاد الذى لا مصلحة لهم بدونه فإنه يعاقب بهجرهم له لما لم يعاونهم على البر والتقوى . فالزناة واللوطية وتاركي الجهاد وأهل البدع وشربة الخمر هؤلاء كلهم مخالطتهم مضرة على دين الإسلام وليس فيهم معاونة لا على بر ولا على تقوى , فمن لم يهجرهم كان تاركا للمأمور فاعلا للمحظور...) مجموع الفتاوى ج: 15 ص: 311 ـ 312
الفصل الرابع
توبة هؤلاء المرتدين
إذا تاب أحد هؤلاء المرتدين , فالأصل جواز قبولها بشرط الإصلاح وهو أن يظهر خلاف ما كان يظهره و يصلح ما أفسد.
قال تعالى : { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ
ـ إلى قوله تعالى ـ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.البقرة الآية
قال القرطبي ـ رحمه الله ـ قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} استثنى تعالى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم. ولا يكفي في التوبة عند علمائنا قول القائل: قد تبت، حتى يظهر منه في الثاني خلاف الأوّل؛ فإن كان مرتدًّا رجع إلى الإسلام مظهراً شرائعه، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح، وجانب أهل الفساد والأحوال التي كان عليها. وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط أهل الإسلام، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه... وقال بعض العلماء في قوله: {وَبَيَّنُواْ} أي بكسر الخمر وإراقتها. وقيل: {وَبَيَّنُواْ} يعني ما في التوراة من نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب ٱتباعه. والعموم أوْلى على ما بيّناه؛ أي بيّنوا خلاف ما كانوا عليه؛ والله تعالى أعلم. {فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} تقدّم والحمد لله.
قال تعالى : { بَشرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً * } ـ إلى قوله تعالى :{ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً * مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُم ْو ءامَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }
قال القرطبي :( استثناء ممن نافق. ومِن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأً ومَعاذا، ويُخلِص دينه لله؛ كما نصت عليه هذه الآية؛ وإلا فليس بتائب؛ ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم. والله أعلم )
ولما كانت ردة هذا الفار موالاة للمرتدين وانحيازا إلى صفهم وإفسادا في الأرض وإضرارا بالمجاهدين , كانت توبته هو إظهار موالاة المجاهدين والبراءة من المرتدين وإنما يتم هذا باللحوق بأرض الجهاد , ورفع ما أحدثه من ضرر في المجاهدين ما أمكنه , كرد سلاحهم وأموالهم ـ مثلا ـ
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ :( وأما قوله [لا يقبل الله توبة عبد اشرك بعد اسلامه] فقد رواه ابن ماجة من هذا الوجه ولفظه [ لايقبل الله من مشرك أشرك بعد اسلامه عملا حتى يفارق المشركين إلى المسلمين ] وهذا دليل على قبول اسلامه إذا رجع إلى المسلمين وبيان أن معنى الحديث :أن توبته لاتقبل ما دام مقيما بين ظهراني المشركين مكثرا لسوادهم كحال اللذين قتلوا ببدر. ومعناه أن من أظهر الإسلام ثم فتن عن دينه حتى ارتد فانه لاتقبل توبته وعمله حتى يهاجر الى المسلمين . وفي مثل هؤلاء نزل قوله تعالى {ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الاية الصارم المسلول ج: 3 ص: 594
و قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في الذنوب التي يفعلها العبد ويتعدى ضررها إلى الغير: ( وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره . فإذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا , فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد منها , كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما يتولد منها , ولذا كان من دعا إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لأن اتباعهم له تولد عن فعله ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم القيامة وقد قال تعالى : {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم }وقال تعالى {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } فإن قيل فكيف التوبة من هذا المتولد وليس من فعله والإنسان إنما يتوب عما يتعلق با ختياره ؟ قيل التوبة منه بالندم عليه وعدم إجابة دواعيه وموجباته وحبس النفس عن ذلك , فإن كان المتولد متعلقا بالغير فتوبته مع ذلك برفعه عن الغير بحسب الإمكان , ولهذا كان من توبة الداعى إلى البدعة أن يبين أن ما كان يدعو اليه بدعة وضلالة , وأن الهدى في ضده كما شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ماأنزل الله من البينات والهدى ليضلوا الناس بذلك أن يصلحوا العمل في نفوسهم , ويبينوا للناس ما كانوا يكتمونهم إياه فقال :{ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم } وهذا كما شرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم إفساد قلوب ضعفاء المؤمنين وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول وإظهارهم الإسلام رياء وسمعة أن يصلحوا بدل افسادهم وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكتاب والمشركين , وأن يخلصوا دينهم لله بدل إظهارهم رياء وسمعة , فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها , والله المستعان ).عدة الصابرين 1/54ـ55
وينبغي الحذر والاحتياط في قبول توبة هؤلاء المرتدين ـ ولوبعد امتحانهم ـ , لأن الغالب على هؤلاء أنهم صاروا من شر المرتدين ومن أولياء الطاغوت المخلصين , الذين يسعون للإضرار بالمجاهدين واستدراجهم للردة , وقد حدث هذا .
والصحيح في توبة هؤلاء المرتدين أنها يرجع قبولها إلى الأميركما هو الصحيح في توبة الجاسوس , والجاسوسية ـ كما هو معلوم ـ هي إحدى أوصاف هؤلاء المرتدين .
قال الإمام ابن القيم في فوائد فتح مكة :
والصحيح أن قتله ـ أي الجاسوس ـ راجع إلى رأي الإمام فإن قتله مصلحة للمسلمين قتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم )
زاد المعاد ج: 3 ص: 422 ـ 423
والواجب في حق آحاد المجاهدين : قتل هؤلاء المرتدين متى قدرعليهم , إذا لم يكن يعلم أن في ذلك مفسدة راجحة ترجع على المجاهدين .
قال ابن قدامة في المغني: (لو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه , لأنه صار حربا حكمه حكم أهل الحرب)
تم بحمد الله الجزء الثالث و يليه الجزء الرابع :
الرد على شبهات المجادلين عن المرتدين الملتحقين بصف الطاغوت
فهرست
²²الجزء الثالث
ردة الملتحقين بصف الطاغوت و جرائمهم .............................. 1
٭ الفصل الأول
كلام العلماء وفتاويهم في حكم الإقامة في دار الكفر والسفر إليها ..............................1
مسائل الإمام ابن حزم في حكم الفرار إلى أرض الحرب ..............2
فتوى علماء المغرب بوجوب الهجرة من القيروان
لما استولى عليها العبيديون الملاحدة....................................4
فتوى علماء الجزائر لما استولت عليها فرنسا .........................5
فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية بوجوب الهجرة
من ماردين التي غلب عليها التتار....................7
فتوى أئمة الدعوة النجدية في حكم السفر إلى بلاد المشركين ............8
فتاوى العلماء في حكم الإقامة في ديار الكفر ......................... 9
حكم الإمام الونشريسي فيمن جوز الإقامة بديار الكفر................ 17
فتوى العلماء في وجوب عقوبة من سافر أو هاجر إلى بلاد الكفر.....18
فتوى العلماء في السفر إلى بلاد المسلمين التي هجم عليها العدو ......19
٭ الفصل الثاني
جرائم الفارين إلى صفوف الطاغوت على التفصيل ..............................25
1 ـ التحاكم إلى الطاغوت ................................................... 25
2 ـ إعانة العدو ومظاهرته على المجاهدين بالقول وبالفعل ...................31
الحرابة باللسان ......................................................... 38
الحرابة بالجوارح ........................................................41
ومن أنواع الحرب على المجاهدين...........................................52
فصل خاص
جرائم الإنقاذيين
1 ـ إلتزامهم علنا بحرب المجاهدين تحت راية الطاغوت .................56
2 ـ أخذ أموال الناس بغير حق ......................................... 59
3 ـ الدعوة إلى مصالحة الطاغوت ..................................... 60
4 ـ إلتزامهم بالدستور .................................................. 78
5 ـ التحاكم إلى الطاغوت .............................................. 80
6 ـ اتهام الحماة بالمجازر ............................................ 82
3 ـ إظهارالموافقة على دين المرتدين والتوبة من الجهاد ..................... 83
³ أولا : إظهار الموافقة على دين المرتدين ....................... 84
1 ـ إظهار الموافقة على ما في قانونهم من استباحة المحرمات ......89
فصل خاص
في بيان ما اشتمل عليه قانون الإرهاب الطاغوتي
من استحلال للمحرمات و إسقاط للواجبات ....................89
2ـ إظهار الموافقة على الإستهزاء بآيات الله …………………… 98
3ـ إظهار الموافقة على أن قانونهم يدعو إلى العدل
والفضيلة ويحقق الأمن والوئام ويحقن الدماء ………………. .101
³ ثانيا : التوبة من الجهاد ....................................... 106
4 ـ الدخول تحت طاعة الطاغوت ................................ 109
فتوى وتنظير .................................................116
الفصل الثالث
واجب المجاهدين في هؤلاء المفسدين ........................................123
٭الفصل الرابع
توبة هؤلاء المرتدين ........................................................ 130
[1] وقد صدر مؤخرا عن جماعة حماة الدعوة السلفية بيانا حول الدعوة إلى المصالحة و هذا نصه :
بسم الله الرحمن الرحيم
من أبي جعفر محمد السلفي أمير جماعة حماة الدعوة السلفية إلى عامة المسلمين وخاصتهم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبـده ورسوله، أما بعد …
في هذه البقعة الطيبة من أرض المسلمين الجزائر التى ظلت أكثر من 12 قرنا من الزمان حاضنة للإ سلام (عقيدة وشريعة) و المد افعة عن ذماره من أعدائه الصليبين و حلفائهم من اليهود والمرتدين حتى صارت تسمى دارالجهاد لقيام أهلها ولزومهم بفريضة الجهاد فى سبيل الله رباطا و قتالا دفاعا وطلبا ؛ في هذه البلاد المسلمة التى ظلت تحكم بشريعة الإسلام منذ أن فتحها الصحابة الكرام إلى يوم أن اغتصبها كفار النصارى الفرنسيون , يتعرض أهلها هذه السنين إلى هجمة صليبة شرسة بقيادة أمريكا الطاغية بالتحالف مع حكام الجزائر العلمانين المرتدين ,الذين أصبحوا حليفها المميز ضد المجاهدين في محاولة( فاشلة إنشاء الله ) لاستإصال دين هذه الأمة واستنزاف خيراتها , (هجمة تنصيرية مقننة و إفساد متعمد و مقنن, و تبعية إقتصادية مهينة ) و حرب لأهل الجهاد المرابطين , يقودها المرتد بوتفليقة تحت غطاء المصالحة التى تقوم على القتال و الحصار و دعوة المجاهدين الى الاستسلام و ترك الجهاد والخضوع للقانون اللعين .هذه المصالحة التي جاءت قوانينها أساسا لتزكية و حماية الظلمة المفسدين قتلة الشعب المعتدين على دينه و حرماته , المدافعين على دولتهم الطاغوتية بجميع أصنافها(جيش ودرك وشرطة ومخابرات وميلشيات وما يسمى بالمقاومين وغيرهم),ولتأكيد تجريم وإستحلال معاقبة المجاهدين المدافعين عن دين الأمة وحرماتها وجاء ذلك واضحا في الأمرية الأخيرة المتعلقة بميثاق السلم والمصالحة(أنضر أمر رقم 06-01مؤرخ في28 محرم الموافق لـ 27فبراير2006يتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. وخاصة الفصل السادس –إجراءات تجسيد عرفان الشعب الجزائري لصناع نجدة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية –المادة(46,45,44)و قد اغتر بهذه الخديعة بعض مرضى القلوب فى صفوف المجاهدين فاستجابوا لدعوة هذا الدجال فباعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل .
و قياماً بواجب التبليغ و البيان و التحذ ير من هذه الفتنة,فإننا نهيب باخواننا المجاهدين فى كل مكان أن يثبتوا على دينهم, و يواصلوا جهادهم ضد هؤلاء المرتدين المجريمين الذين أفسدوا البلاد و العباد و أن لا يستجيبوا لدعوتهم, و يرفضوا طاعتهم الطاغوتية, قال الله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين . } و أن يحذروا الركون إليهم يقول عز و جل : { و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } بل و أن يحذروا متابعة أهوائهم فإن عاقبة ذلك النار و بئس المصير,و الظلم والكون مع الظالمين عاقبته وخيمة أبد الدهر حيث لا ينفع معه ولي ولانصير , و لا صديق ولا حميم قال تعالى : { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذن لمن الظاليمين. }.{ولئن إتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير. }.
أيها المجاهدون ليس اللحوق بصف الطاغوت ترك لفرض جهادالعين فقط ,و الذي يعقبه الذل و الهوان و العذاب الأليم كما هو مقرر في الكتاب
و السنة و معلوم من واقع الحال, وإنما يلزم منه موالاة المرتدين و التحاكم إلى الطاغوت, و الخضوع أبد الدهر لقانونهم اللعين, والتوبة من أعظم الواجبات (الجهاد والموالاة و المعاداة ) التي هي من لوازم الإيمان و من أعظم أركان الدين, و تاركها من المرتدين الملعونين, و غيرها من الموبقات المهلكات, و أعظمها و أفحشها مظاهرة المرتدين بل الأمريكان عبدة الصلبان, على المجاهدين السلفيين عبدة الرحمان ,كما لايخفى على عوام المسلمين فضلا عن خواصهم من المجاهدين. فهؤلاء الكفار يريدون تسخير كل شيئ لحرب المجاهدين و على رأس ذلك هؤلاء المرتد ين القافزين إلى صف الطاغوت, لإمدادهم بالمعلومات
و استعمالهم فى حرب المجاهدين الموحدين, و كيف لا يفعلون و قد أعلنوا حربهم على أهل الجهاد في كل مكان ,فلا يكاد يمر يوم ولا ليلة إلا و تسمع لهؤلاء الكفار إجتماعا أو مؤتمرا يتواصون فيه ويتعاهدون على متابعة المجاهدين في كل مكان,و محاصرتهم أو التنكيل بهم,أو قتلهم,و قتالهم,ومحاربتهم,إلى غاية القضاء عليهم –كما زعموا- .
و من أعظم أبواب الردة بعد الجهل و إتباع الهوى, متابعة بعض الرؤوس المنهزمين الذين زكّاهم الإعلام و ربّاهم الطاغوت على عينه, حتى يصنع منهم قادة للجهاد, يلتف حولهم و ينصاع لهم من لا بصيرة له من المجاهدين, ثم يسوقونهم بعد ذلك بالتدرج إلى الردة و الإستسلام, كما حصل ذلك بمنطقة الشرق مع بعض الأدعياء و الأمراء المزيفين .
و قد تكرر ذلك في هذا الجهاد , و فعلته فرنسا( و غير فرنسا) مع المجاهدين أيام الإحتلال ,و هذا أسلوب حربي معروف, و قد نبه على خطورته بعض علماء الجهاد المعاصرين و دعاته الناصحين في بعض رسائلهم .*
إحذروا هؤلاء المنافقين ,الذين بدايتهم شق عصا المسلمين و الكيد لأهل الجهاد ونهايته اللحوق بصف الطاغوت والتحريض على قتال المجاهدين السلفيين
و الإستعداد لمحاربتهم تحت راية المرتدين .
و احذروا أيها المجاهدون من فتنة الد نيا و شهواتها, فإنها من أسباب الغواية والضلالة ، و سبيل لترك الجهاد و الدخول تحت طاعة الطاغوت, {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} , فقد حدث هذا لكثير من المجاهدين و حذرنا منه ربنا من فوق سبع سماوات .
و اعلموا أيها المجاهدون, أنه لا عذر لأحد في ترك الجهاد, و الدخول في تلك الموبقات ,لا عذر بجهل و لا بتأويل و لا بفتوى عالم, و لا بترغيب أو ترهيب من حاكم ظالم . و تدبروا هذا الموقف من أسلافكم و اتعظوا بهذه الكلمات من أجدادكم يوم دعاهم الكافر النصراني الفرنسي إلى ترك الجهاد
و الإ ستسلام في بعض المناطق فكان ردهم كالرعد القاصف :"رسالة إلى المارشال فالي من بعض أهالي الجزائر إلى حاكم مدينة الجزائر, السلام على من اتبع الهدى أما بعد: وصلنا كتابكم المشتمل على دعوتنا إلى طاعتكم و النداء إليها فأخذ بنا العجب في كل طريق و مذهب ، وهل في الدنيا ذو عقل سليم يتصور هذا في فكره فضلا عن كونه يتلفظ به أو يكتبه ؟؟؟ .... و كيف نترك ديننا الذي هو الدين القويم و الصراط المستقيم و نتبع دينكم الذي يجب علينا في شريعتنا أن نقاتلكم حتى نردكم عنه إلى د يننا, أما علمتم أن د يننا مبطل لسائر الأديان ؟؟؟...و شريعتنا ناسخة لكافة الشرائع ,و لو أنصف علماؤكم لأقروا بهذا لأ نه مقرر في سائر الكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل "(تاريخ الجزائر العام ).ص 174 و معلوم أن هذا الحاكم النصراني لم يدع هؤلاء المسلمين إلى إعتناق دين النصرانية الشركي ,و إنما دعاهم إلى الدخول تحت طاعته و الخضوع لقانونهم الوضعي الطاغوتي,الذي لا فرق بينه وبين هذا القانون الذي يدعونا هؤلاء الطواغيت اليوم إلى إحترامه و الإحتكام إليه , و التصالح مع المجرمين على أساسه .فكان ردّ أجدادنا كما علمت ,وكذلك يجب أن يكون ردنا على هؤلاء الطغاة الذين ساروا على نهج فرنسا الكافرة .
و ردنا على هذه المصالحة التي يراد منها أن نترك الجهاد و نكون إخوة للشيوعين و العلمانين و اليهود و النصارى و سائر الملل و النحل الكفرية,هو ما ذكره ربنا في سورة التوبة {...فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا و أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم إن الله غفور رحيم}و قال تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فإخونكم في الدين و نفصل الأيات لقوم يعلمون}.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: " إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل فقال : { و الفتنة أكبر من القتل } و قال :{و الفتنة أشد من القتل } و الفتنة هي الكفر , فلو إقتـتلت البادية و الحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون أن ينصبوا في الأرض طاغوتا يحكم بغير شريعة الإسلام التي بعث الله بها رسوله " و قال أيضا:" فمن اعتقد أن تحكيم شريعة الاسلام يفضي إلى القتال و المخالفة و أنه لايحصل الاجتماع و الألفة إلا على حكم الطاغوت فهو كافر عدو لله و لجميع الرسل فإن هذا حقيقة ما كان عليه كفار قريش الذين يعتقدون أن الصواب ما عليه آباؤهم دون ما بعث الله به رسوله " ( الدرر السنية 10/310 ــ 311 ) .
كتاب رقم 1 / 1427 حرر بتاريخ : 26 ربيع الأول 1427
[2] هذا الكلام الذي نطقت به هذه المرتدة المومسة هو الوصف الحقيقي الذي
ينبغي أن يوصف به هذا الملعون وطائفته
لاوجود لإسلاميين تائبين نتيجة الهدنة لأنه لا يتاب من الجهاد والكفر بالطاغوت
ولا تجتمع التوبة من هذه الواجبات مع الإسلام وما ادعوه من الهدنة إنما هو خدعة وحيلة وليست هدنة لافي شرع الرحمن ولا في ياسق الشيطان
مجرمون لردتهم وجرائمم التي سبق ذكرها
مستسلمون خاضعون لأحكام الطاغوت
نتيجة الإنهزام : إنهزام أمام شهوات النفس والهوى وشياطين الجن والإنس , فكيف لايستسلم لعدوه من استسلم لنفسه وهواه ولم يجاهدهما في الله
[3] لما ظهرت بوادر الجهاد في هذه البلاد واتسعت رقعته وجد النظام المرتد صعوبة في كيفية التعامل مع هذه الظاهرة لكون قانون العقوبات لا يصنف الجهاد ضمن قائمة الجرائم، فمن هذا المنطلق أصبحت المحاكم المدنية والعسكرية عاجزة للفصل في القضايا التي تطرح أمامها والمتعلقة بالجهاد، فهي من ناحية قانونهم غير مؤهلة لإصدار الأحكام على الأشخاص الذين أعلنوا الجهاد فلجأ الطاغوت مؤقتا إلى إصدار مرسوم رقم 92-03 المتعلق بالمحاربة ضد التخريب والإرهاب وهذا في شهر سبتمبر 92 عملا بالقاعدة الدستورية: " لا إدانة إلا بمقتضى القانون " فنشأت (المحاكم الخاصة) التي يترأسها 5 قضاة مدنيين وعسكريين. وبعد عامين من سريان مفعول هذا المرسوم تم تصنيف الجهاد ضمن الجرائم التي يعاقب عليها القانون الجنائي فأصدروا الأمر … الذي صنف كل الأعمال التي تستهدف أمن واستقرار دولتهم الكافرة بالفعل الإرهابي فقالوا:(انظرنص القانون أعلاه )
[4] هامش: قارن بين هذه الفتوى وبين من يزعم أن الشيخ ابن باديس كان داعيا إلى الديموقراطية القائمة أصولها على نبذ أحكام الشريعة
فقد نشر في جريدة الخبر: تعكف مؤسسة "ستريت لو" ومركز دراسات "الإسلام والديموقراطية" الأمريكيين على إنجاز كتاب حول أصول الجكم في الإسلام اعتمادا على مواقف وآراء مجموعة من كبار العلماء...من بينهم العلامة ابن باديس وهذا بتسليط الضوء على الإسلام المعتدل وربطه بمختلف الأحداث السياسية...اعتمدت المؤسستان...على اختيار ثمانية مؤلفين وباحثين من الوطن العربي أربعة منهم ديموقراطيين وأربعة إسلاميين لإنجاز الكتاب...هذ االأخير( الأستاذ بوجمعة غشيرمن فسنطينة) أن...( فكرة الكتاب) القائمين عليه قد عثروا في إحدى المراجع الإنجليزية على نص مترجم للعلامة ابن باديس يشرح فيه 13 مبدأ للحكم الإسلامي استقاها من إحدى خطب أبي بكر
وذكرت الجريدة عن هذا الأخير سيكون عنوانه"تواصل الإسلام والديموقراطية"
[5] وهذا الحكم يستوي فيه المرتد الذي التحق بصف الطاغوت أو من وجد فارا ولم يلتحق بعد , أومن ثبت بالبينة أنه يريد الفرار وهولازال في مركز المجاهدين .ويدل على هذا قصة حاطب , فقد استحق القتل على مجرد إرادته الإضرار بالمسلمين ـ بإرساله تلك الرسالة لأهل مكة ـ فقد نزل قصده للإضار منزلة الإضرارالحقيقي , وسمى العلماء فعله ذلك تجسسا مع أنه لم يحصل بتمامه ـ وهو إيصال خبر خروج الرسول إلى العدو ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:( أو اعتقد ان من جس للعدو وعلمهم بغزو النبى صلى الله عليه وسلم فهو منافق كما اعتقد ذلك عمر فى حاطب وقال دعنى اضرب عنق هذا المنافق ) مجموع الفتاوى ج: 20 ص: 35 . ويدل عليه أيضا قوله تعالى:{و يسعون في الإرض فسادا} فرتب القتل على مجرد السعي للفساد وليس ذات الفساد وتقدم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير هذه الآية بطوله ومنه قوله ( فمن سعى ليفسد أمر الدين فقد سعى في الارض فسادا , وإن خاب سعيه ... وهذا يقال لكل من عمل عملا يوجب الفساد وإن لم يؤثر لعدم قبول الناس له وتمكينهم إياه , بمنزلة قاطع الطريق اذا لم يقتل احدا ولم يأخذ مالا على أن هذا العمل لا يخلو من فساد في النفوس قط إذا لم يقم عليه الحد) الصارم المسلول ج: 3 ص: 732 ـ 733
ثم لو أمسكنا عن عقوبة هؤلاء الفارين حتى يلتحقوا بصف الطاغوت لانفتح على المجاهدين باب شر عظيم
وفي مثل هذا قال الجصاص في أحكام القرآن في تفسيره لققوله تعالى :[ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني]:
ولو كان الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه هذه الطائفة من حظر قتل من قصد قتل غيره ظلما والإمساك عنه حتى يقتل من يريد قتله لوجب مثله في سائر المحظورات إذا أراد الفاجر ارتكابها من الزنا وأخذ المال أن نمسك عنه حتى يفعلها فيكون في ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستيلاء الفجار وغلبة الفساق والظلمة ومحو آثار الشريعة وما علم مقالة أعظم ضررا على الإسلام والمسلمين من هذه المقالة ولعمري إنها أدت إلى غلبة الفساق على أمور المسلمين واستيلائهم على بلدانهم حتى تحكموا فحكموا فيها بغير حكم الله وقد جر ذلك ذهاب الثغور وغلبة العدو حين ركن الناس إلى هذه المقالة في ترك قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على الولاة والجوار والله المستعان
.