الجزء الثاني
من : العاصمة من الردة القاصمة

الواجب نحو هؤلاء الحكام الكفرة



ذكرنا في الجزء الأول أهم كفريات حكام الجزائر التي خرجوا بها عن ملة الإسلام ودخلوا في ملة الكفر , وإن نطقوا بالشهادتين وزعموا أنهم مسلمون . وفي هذا الجزء سنذكر أهم الواجبات التي غفل عنها المسلمون تجاه هؤلاء الحكام الكفرة , وترتب عليها فساد عظيم في دينهم ودنياهم .

1ـ اعتقاد كفر هؤلاء الحكام

وهذا من أهم الواجبات التي ينبغي للمسلم الإعتناء بها والحرص على معرفتها , لما يترتب عليها من واجبات أخرى , لا يستقيم إسلام المرء إلإ بها وهي كفريات ـ كما ترى ـ ظاهرة , لا تخفى إلا على العميان .
قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن ـ رحمه الله ـ , في وصفه لبعض بلاد المسلمين التي تنتشر فيها مثل هذه الكفريات : ( فانظر رحمك الله إلى ما وقع فيه أكثر أهل البسيطة من هذا الكفر العظيم , الذي ما وصل إلى ساحله كفر أبي جهل وإخوانه , ثم تأمل جناية من أجاز الإقامة بين من هذا دينه ومعتقده , وهو يشاهد هذه المنكرات , وهل في قلبه غيرة لله ولدينه عند رؤية هذه المنكرات ... وقد بلغنا عن بعض هؤلاء أنه لايكفر الكفرة الذينَ عبادُ القبورِ في حِمايتهِم ورعايتهِم , وهم من أشد خلق الله محادة لله ولرسوله , وقد وضعوا قوانين يحكمون بها وينفذونها في الرعية مضادة لحكم الله ورسوله , ثم صح أنهم لا يرون أن بلادهم بلاد حرب , بل بلاد إسلام .) إيضاح المحجة والسبيل في إقامة الحجة والدليل على من أجاز الإقامة بين أهل الشرك والتعطيل ص 35
فالواجب إعتقاد كفر هؤلاء الحكام بأعيانهم , وكل من تولاهم .لأن كفرياتهم إما متعلقة بأصل الدين , أو هي من المعلوم من الدين بالضرورة , التي لايعذر فيها بجهل ولا تأويل.
قال الإمام ابن حزم : ولو أن كافرا مجاهرا [1] غلب على دار من دور الإسلام وأقر المسلمين بها على حالهم , إلا أنه هو المالك لها المنفرد بنفسه في ضبطها وهو معلن الإسلام , لكفربالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه وإن ادعى أنه مسلم لما ذكرنا )

2ـ إعتقاد أن ديار المسلمين التي تسلط عليها المرتدون ديار كفر
.
والواجب أيضا إعتقاد أن بلاد الجزائر, التي يحكمها هؤلاء المرتدون بالقوانين الوضعية , هي ديار كفر وردة , وإليك التفصيل :
ـ اعلم رحمك الله أن العلماء أجمعوا على أن الدار قسمان دار إسلام ودار كفر. ومناط الحكم على الدار هوالغلبة ونوع الأحكام التي تعلوها . فإن كانت الغلبة للمسلمين والحكم الذي يعلوها هو الإسلام فإنها دار إسلام . وإن كانت العكس أي أن الغلبة فيها للكفار و تعلوها أحكام الكفر فهي دار كفر.
قال ابن حزم في المحلى (11/200): (إن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها .)
قال الكساني في بدائع الصنائع ( إنما تضاف الدار إلى الإسلام إذا طبقت فيها أحكامه وتضاف إلى الكفر إذا طبقت فيها أحكامه..لأن ظهور الإسلام أو الكفر بظهور أحكامهما )9/4275
قال الشيخ عبد الرحمان السعدي في فتاويه 1/91 (دار الإسلام هي التي يحكمها المسلمون وتجري فيها الأحكام الإسلامية ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارا)
وقال 1/92 (دار الكفر هي التي يحكمها الكفار وتجري فيها أحكام الكفر ويكون النفوذ فيها للكفار وهي على نوعين بلاد كفار حربيين وبلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، فتصير إن كانت الأحكام للكفار دار كفر ولو كان بها كثير من المسلمين) نقلا عن كتاب الولاء والبراء 270
وقد تكون دار كفر وأهلها مسلمون , فلا عبرة بكون أكثر سكانها مسلمين , وإنما العبرة بالأحكام التي تعلوها ونوع السلطة التي تحكمها كما سبق في كلام السعدي، وقد اعتبر العلماء بلاد المغرب ومصر دار كفر لأنها كانت تحت حكم العبيديين الكفار وإن كان أهلها جميعهم مسلمين.
قال شيخ الإسلام :
( ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة ـ أي العبيديين ـ بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتى سنة قد انطفأ نور الاسلام والايمان حتى قالت فيها العلماء إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب ) 35/139
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ: ( فإنهم ـ أي بنو عبيد ـ ظهروا على رأس المئة الثالثة , فادعى عبيد الله أنه من آل علي من ذرية فاطمة وتزيى بزي الطاعة والجهاد في سبيل الله فتبعه أقوام من أهل المغرب وصار له دولة كبيرة في المغرب ولأولاده من بعده , ثم ملكوا مصر والشام وأظهروا شرائع الإسلام وإقامة الجمعة والجماعة ونصبوا القضاة والمفتين لكنهم أظهروا أشياء من الشرك ومخالفة الشرع وظهر منهم ما يدل على نفاقهم , فأجمع أهل العلم على أنهم كفار وأن دارهم دار حرب …) الدرر السنية 9/192 ـ 193
وكذلك تحولت الجزائر إلى دار كفر وحرب لما استولى الفرنسيون عليها سنة 1246هـ (تاريخ الجزائر الثقافي) ولازالت دار كفر إلى الآن لأنها تحكم بقوانين الكفر الوضعية والغلبة فيها للمرتدين .
قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيزـ فك الله أسره ـ: دار الردة وهي فرع من الكفر الطارئ وهي التي كانت دار إسلام في وقت ما ثم تغلب عليها المرتدون وأجروا فيها أحكام الكفار مثل الدول المسماة اليوم بالإسلامية ومنها الدول العربية وقد مرت معظم هذه الدول بمرحلة كونها دار كفر طارئ عندما استولى عليها المستعمر الصليبي وقد فرض عليها القوانين الوضعية ثم رحلها عنها وحكمها من بعده المرتدون من أهل هذه البلاد...) الجامع 572
وقال أيضا : (...إذا تغلب الكفار على دار الإسلام وأجروا فيها أحكام الكفر فهذه تصير دار كفر لتحقق المناط...ويدخل في هذه بلاد المسلمين المحكومة بالقوانين الوضعية هي ديار كفر.)الجامع574
قال الشيخ تقي الدين النبهاني ـ رحمه الله ـ في كتابه معالم الشخصية الإسلامية: (إن جميع بلاد المسلمين اليوم هي دار كفر لأنها لا تحكم بالإسلام وكذلك تبقى دار كفر لو أقام فيها الكفار مسلما يحكم بأحكام الإسلام ولكن يكون تحت سلطانهم ويكون أمانه بأمانهم فإنها تظل دار كفر )اهـ
ولا يلزم من كون الجزائر اليوم دار كفر أن يكون أهلها كفارا فهذا قول طائفة من الخوارج تقول : "إذا كفر الحاكم كفرت الرعية"[2] , بل أهل الجزائر مسلمون وإن كانت الدار دار كفر, وقد يرتد بعضهم بسبب تلبسه ببعض الكفريات وهي كثيرة ,ذكر بعض العلماء الحنابلة أنها ما يقارب أربعمائة مكفر.
قال سليمان بن سحمان النجدي 1349( نقلا عن الموالاة والمعاداة لمحماس الجلعود2/522) :
إذا ما تولى كافر متغلب على دار إسلام وحل بها الجل
وأجرى بها أحكام كفرعلانيا وأظهرها فيها جهارا بلا مهل
وأوهى بها أحكام شرع محمد ولم يظهر الإسلام فيها وينتحل
فذي دار كفر عند كل محقق كما قاله أهل الدراية بالنحل
وما كل من فيها يقال بكفره فرب امرئ فيهم على صالح العمل

3ـ وجوب بغض هؤلاء الحكام الكفرة .

وإذا تبين لك كفر هؤلاء فاعلم أيضا أن الله قد فرض علينا بغض الكفار وعداوتهم , حتى يؤمنوا بالله وحده .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : (وأيضا فمن تمام محبة الله و رسوله بغض من حاد الله و رسوله والجهاد في سبيله لقوله تعالى : { لا تجدُ قو ما يؤمنون بالله و اليوم الآخر
يوآدّو ن من حآدّ الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أو لئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه } و قال تعالى :{ ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون و لو كانوا يؤمنون بالله و النبي و ما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء
و لكن كثيرا منهم فاسقون } وقال تعالى :{ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه إذ ْ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم و مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله و حده } فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم و من معه حيث أبدوا العداو ة و البغضاء لمن أشرك حتى يؤمنو ا بالله و حده , فأين هذا من حال من لا يستحسن حسنة و لا يستقبح سيئة؟) مجموع الفتاوى ج: 8 ص: 361
قال شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله في تفسيره لهذه الآية : "والمودة من أعمال القلوب , فإن الإيمان بالله يستلزم مودته ومودة رسوله , وذلك يناقض مودة من حاد الله ورسوله , وما ناقض الإيمان فإنه يستلزم الذم والعقاب , لأجل عدم الإيمان " من كتاب السلوك : في الزهد والورع والعبادة (المجموع 11)
قال:(فمن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ } [الصف: 4].
والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللائم وعذل العاذل، بل ذلك يغريه بملازمة المحبة، كما قد قال أكثر الشعراء في ذلك، وهؤلاء هم أهل الملام المحمود وهم الذين لا يخافون من يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد أعدائه، فإن الملام على ذلك كثير)
قال إسحق بن عبد الرحمن: ومن المعلوم أن من وادَّ أحداً فهو عنه راض , فإذا رضي عنه بدينه فصار من أهل ملته وهو لا يشعر , وأكثر الناس يفطن للمعصية ووسائلها , ولا يفطن للشرك ووسائله ، ولما نهى الله عن موالاة أعدائه من الكفار والمشركين ، وأباح التقية مع الإكراه , قال : {ويحذركم الله نفسه }الآية [ آل عمران : 30] وهذا من أعظم الوعيد والتهديد لمن تدبر كتاب الله ، وعقل عن الله أمره . 8/301
قال الشيخ سليمان بن عبد الله - في رسالة أوثق عرى الإيمان -: ”نفى الله سبحانه الإيمان عمن هذا شأنه ولو كانت مودته ومحبته ومناصحته لأبيه وأخيه وابنه، ونحوهم فضلا عن غيرهم“.
جاء في ترجمة أبي إسحق السبائي في ترتيب المدارك (6/64) أن رقيته كانت بـ (الحمد لله، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، كل ذلك سبعا، ثم يقول في آخر دعوته: "ببُغضي في بني عُبيد وذريتهم، وحبي في نبيك وأصحابه وأهل بيته اشفِ كل من رقيته").

4 ـ وجوب عداوتهم

وهذا الواجب أهم من الأول فقد يعتقد المرء كفر هؤلاء الحكام , ويبغضهم بقلبه , ولكن يأتيه الخلل من ترك عداوتهم والتصريح بالبراءة منهم , وهذا الذي قصر فيه أكثر الخلق .
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: ”واذكر قول ابن القيم رحمه الله في إغاثته (إغاثة اللهفان) ولا ينجو من شرك هذا الشرك إلا من عادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله ...الخ. والمرء قد يكره الشرك ويحب التوحيد ولكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم فيكون متبعا لهواه داخلا من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، وتاركا من التوحيد أصولا وشعبا لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه فلا يحب ولا يبغض لله ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشاه وسواه، وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله“ اهـ 8/393.
وقال تعالى :{ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه}الآية
قال الشيخ حمد بن عتيق :" - قوله تعالى: {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا}، قال الشيخ حمد بن عتيق: ”قوله )بدا( أي ظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء لأن الأولى أهم من الثانية فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم فلا يكون ءاتيا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضا من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بيّنتين، واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب فإنها لا تنفعه حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين“ اهـ.8/418
قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن: ”ولا يكفي بغضهم - أي الكفار - بالقلب، بل لا بد من إظهار العداوة والبغضاء - وذكر آية الممتحنة السابقة ثم قال: - فانظر إلى هذا البيان الذي ليس بعده بيان حيث قال تعالى: )بدا بيننا( أي ظهر. هذا هو إظهار الدين، فلا بد من التصريح بالعداوة، وتكفيرهم جهارا، والمفارقة بالبدن.
ومعنى العداوة أن تكون في عدوة والضد في عدوة أخرى، كما أن أصل البراءة المقاطعة بالقلب واللسان واليد“
فإن أصل البراءة : المقاطعة بالقلب واللسان والبدن , وقلب المؤمن لا يخلو من عداوة الكافر , وإنما النزاع في إظهار العداوة , فإنها قد تخفى لسبب شرعي , وهو الإكراه مع الاطمئنان , وقد تخفى العداوة من مستضعف معذور , عذره القرآن , وقد تخفى لغرض دنيوي , وهو الغالب على أكثر الخلق , هذا إن لم يظهر منه موافقة . اهـ.8/305
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : ( وأجمع العلماء سلفاً وخلفاً ؛ من الصحابة والتابعين ، والأئمة ، وجميع أهل السنة : أن المرء لا يكون مسلماً إلاَّ بالتجرُّد من الشرك الأكبر ، والبراءة منه وممن فعله، وبُغضهم ومُعاداتهم بحسب الطاقة ، والقدرة ، وإخلاص الأعمال كلها لله )11/545
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ( وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام ، وعرف أن ما من إله إلاَّ الله ؛ لا تظن أنك إذا قلت هذا هو الحق ، وأنا تارك ما سِواه ، لكن لا أتعرض للمشركين ، ولا أقول فيهم شيئاً ، لا تظن : أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام ، بل : لا بُدَّ من بُغضِهم ، وبغض من يحبهم ، ومسبتهم ، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم ، والذين معه : { إنَّا بُرءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده } [ الممتحنة / 4 ] وقال تعالى : {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } [ البقرة / 256 ] وقال تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [ النحل / 36 ] . ولو يقول رجل : أنا أتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الحق ، لكن : لا أتعرض اللاَّت ، والعُزى ، ولا أتعرض أبا جهل ، وأمثاله ، ما عليَّ منهم ؛ لم يصح إسلامه ) الدرر السنية 2 / 109
قال أبو حامد االغزالي ـ رحمه الله ـ (فاعلم أن المخالف لأمر الله سبحانه لا يخلو إما أن يكون مخالفاً في عقده أو في عمله، والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت والساكت إما بعجزه أو باختياره: فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة:
الأوّل: الكفر، فالكافر إن كان محارباً فهو يستحق القتل والإِرقاق وليس بعد هذين إهانة، وأما الذمي فإنه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإِعراض عنه والتحقير له بالاضطرار إلى أضيق الطرق وبترك المفاتحة بالسلام، فإذا قال: السلام عليك، قلت: وعليك. والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته، وأما الانبساط معه والاسترسال إليه كما يسترسل إلى الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد ينتهي ما يقوى منها إلى حد التحريم، قال الله تعالى {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوْمِ الآخِرِ يوآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ} الآية، وقال : «المُسْلِمُ وَالمُشْرِكُ لاَ تَتَرَاءَىٰ نَارَاهُمَا» وقال عز وجل: {يَا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلياءَ} الآية. ...) الإحياء2/142
قال شيخ الإسلام :(ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قلت لعمر رضي الله عنه إن لي كاتبا نصرانيا قال مالك قاتلك الله أما سمعت الله يقول{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} ألا اتخذت حنيفا قال قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه قال لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله...) اقتضاء الصراط ج: 1 ص:48ـ 50

5ـ وجوب موالاة المؤمنين المجاهدين

وكما أوجب الله علينا البراءة من الكفار أوجب علينا أيضا موالاة المؤمنين
قال شيخ الإسلام :( وقال تعالى :{إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} إلى قوله {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض }ـ إلى قوله ـ {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم }الآيات فعقد الله سبحانه الموالاة بين المهاجرين والأنصار وبين من آمن من بعدهم وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة . والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه , والجهاد باق إلى يوم القيامة. فكل شخص يمكن أن يقوم به هذان الوصفان , إذ كان كثير من النفوس اللينة يميل إلى هجر السيئات دون الجهاد والنفوس القوية قد تميل إلى الجهاد دون هجر السيئات , وإنما عقد الله الموالاة لمن جمع بين الوصفين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به إيمانا صادقا وقال :{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون }ونظائر هذا في غير موضع من القرآن يأمر سبحانه بموالاة المؤمنين حقا الذين هم حزبه وجنده ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين ولا يوادونهم ...) اقتضاء الصراط ج: 1 ص:48ـ 50
قال شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى) 28/190 ”فإن المؤمنين أولياء الله وبعضهم أولياء بعض والكفار أعداء الله وأعداء المؤمنين وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين وبين أن ذلك من لوازم الإيمان ونهى عن موالاة الكفار وبين أن ذلك منتفيا في حق المؤمنين
قال تعالى : {و الذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير }
قال : يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن عن هذه الآية نقلاً عن بعض أهل العلم..( الفتنة في الأرض الشرك والفساد الكبير اختلاط المسلم بالكافر والمطيع بالعاصي، فعند ذلك يختل نظام الإسلام وتضمحل حقيقة التوحيد، ويحصل من الشر ما الله به عليم، فلا يستقيم الإسلام ويقوم قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويرتفع علم الجهاد إلاّ بالحب في الله والبغض في الله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والآيات الدالة على ذلك أكثر من أن تحصر) اهـ8/447
قال الشيخ حمد بن عتيق: (ومن أعظم الواجبات على المسلم (المؤمن) محبة الله ومحبة ما يحبه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وكذلك ما يحبه من الأشخاص كالملائكة وصالحي بني آدم وموالاتهم، وبغض ما يبغضه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وبغض من فعل ذلك، فإذا رسخ هذا الأصل في قلب المؤمن لم يطمئن إلى عدوّ لله ولم يجالسه ولم يساكنه وساءه النظر إليه ) “ اهـ الدرر15/ 481ـ482
قال أبو الوفاء بن عقيل :
”إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد، ولا في ضجيجهم بلبيك، ولكن انظر إلى موالاتهم لأعداء الشريعة، فاللجا اللجا إلى حصن الدين، والاعتصام بحبل الله المتين، والانحياز إلى أوليائه المؤمنين، والحذر الحذر من أعدائه المخالفين، فأفضل القرب إلى الله تعالى مقت من حاد الله ورسوله، وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان“ اهـ 8 /300.


6ـ اعتزال هؤلاءالحكام المرتدين ومباينتهم

وهذه من أهم الواجبات أيضا , ومن أفرص الفرائض , وهي ملة الخليلين إبراهيم ومحمد وجميع الأنبياء والمرسلين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ و صفة الطائفة المنصورة حتى ينزل عيسى عليه السلام . وبها يحصل كمال الولاء والبراء , ولا تتحقق في واقعنا الا بالهجرة من ديارالمرتدين واللحوق بالطائفة المجاهدة لهم أو اعتزالهم ـ ما أمكن ـ للعاجز عن ذلك .
وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : ( دل قوله الطيبات للطيبين...أيضا على النهى عن مقارنة الفجار ومزاوجتهم , كما دل على هذا غير ذلك من النصوص , مثل قوله :{ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم } أى وأشباههم ونظراءهم , والزواج أعم من النكاح المعروف ... وإن كان فى الآية نص فى الزوجة التى هى الصاحبة وفى الولد منها , فمعنى ذلك فى كل مشابه ومقارن ومشارك , وفى كل فرع وتابع ... فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى , على مراد الله , ويدل على ذلك الحديث الذى فى السنن :[ لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقى ] وفيها :[ المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ] وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة عن النبى أنه قال :[ إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد , ثم إن زنت فليجلدها الحد , ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير] و والضفير: الحبل . وشك الراوى هل أمر بيعها فى الثالثة أو الرابعة , وهذا أمر من النبى ببيع الأمة بعد إقامة الحد عليها , مرتين أو ثلاثا , ولو بأدنى مال , قال الإمام أحمد: إن لم يبعها كان تاركا لأمر النبى صلى الله عليه وسلم .) مجموع الفتاوى ج: 15 ص: ـ327
قال سليمان بن سحمان عند آية الممتحنة السابقة: ”فهذه هي ملة إبراهيم التي قال الله تعالى فيها: )ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه( فعلى المسلم أن يعادي أعداء الله ويظهر عداوتهم ويتباعد عنهم كل التباعد ولا يواليهم ولا يعاشرهم ولا يخالطهم“ اهـ.8/463

قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف :
( وفي كتاب محمد بن وضاح , قال : قال أسد بن موسى , جاء في الأثر : من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة , ووكل إلى نفسه ؛ وفي أثر آخر : من جالس صاحب بدعة , فقد أعان على هدم الإسلام ؛ وقال الأوزاعي : كانت أسلافكم تشتد ألسنتهم على أهل البدع , وتشمئز منهم قلبوهم , ويحذرون الناس بدعتهم ؛ وعن الحسن : لا تجالس صاحب بدعة , فإنه يمرض قلبك ؛ وقال إبراهيم النخعي : لا تجالسوا أهل البدع , ولا تكلموهم , فإني أخاف أن ترتد قلوبكم ؛ روى هذه الآثار ابن وضاح .
قال إمام الدعوة الإسلامية , وناصر الملة الحنيفة , شيخ الإسلام والمسلمين , شيخنا : الشيخ محمد بن عبد الوهاب , قدّس الله روحه , ونوّر ضريحه , وطيّب ثراه , وجعل الجنة منقلبه ومأواه : فإذا كان هذا كلام السلف , في أهل البدع والضلال , والتحذير عن مجالستهم , مع كون بعضهم لم يخرج ببدعته عن الإسلام فكيف الحال بمجالسة أهل الكفر , والشرك والنفاق , الذين باينوا أهل الإسلام , وخالفوهم ؟ )8/446
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن : ( فالحُنفاء أهل التوحيد اعتزلوا هؤلاء المشركين ، لأن الله أوجب على أهل التوحيد اعتزالهم ، وتكفيرهم ، والبراءة منهم ، كما قال تعــالى عن خليله إبراهيم عليه السلام : { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألاَّ أكون بدعاء ربي شقيا } إلى قوله :{ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } [ مريم / 48 , 49 ] . وقال { إنا بُرءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده } [ الممتحنة / 4 ] . وقال عن أهل الكهف : { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف } الآية [ الكهف / 16 ] . فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم ، إلاَّ باعتزال أهل الشرك ، وعداوتهم وتكفيرهم ، فهم معتزلة بهذا الاعتبار ، لأنهم اعتزلوا أهل الشرك ، كما اعتزلهم الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ) الدرر السنية 11 / 434 .
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: " لا بد للمسلم من التصريح بأنه من هذه الطائفة المؤمنة، حتى يقويها وتقوى به ويفزع الطواغيت، الذين لا يبلغون الغاية في العداوة حتى يصرح لهم أنه من هذه الطائفة المحاربة لهم". أهـ من مجموعة التوحيد
ووجوب اعتزال الكفاروأهل البدع و سائر المجرمين , في نفس ديارهم إنما هو في حق المستضعف , أو من كان في إقامته معهم مصلحة دينية راجحة.
أما غير هؤلاء فالواجب المتحتم عليهم الهجرة إلى أي موضع يمكنهم إظهار دينهم فيه , وهو متعين في هذا الوقت إلى طائفة المجاهدين في الجبال .
وأجاب عبد الرحمن بن حسن : وأما ما ذكرت من الأسئلة في مخالطة المشركين , وأهل البدع , فإن كان لك قدرة على الهجرة عنهم , وجبت عليك , لما فيها من حفظ الدين , ومفارقة المشركين ، والبعد عنهم ؛ وأما من كان من المستضعفين , الذين لا قدرة لهم على الهجرة , فعليه أن يعتزلهم ما استطاع , ويظهر دينه , ويصبر على أذاهم , فقد قال تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله }الآية [ العنكبوت : 10] والله المستعان الدررالسنية 8/274
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : ( وفى صحيح مسلم عن عمران ابن حصين حديث المرأة التى لعنت ناقة لها , فأمر النبى صلى الله عليه وسلم , فأخذ ما عليها وأرسلت , وقال لا تصحبنا ناقة ملعونة. وفى الصحيحين عنه : أنه لما إجتاز بديار ثمود , قال لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين , فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لئلا يصيبكم ما أصابهم فنهى عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب . وهكذا السنة فى مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر المعاصى [و الكفار المرتدين من أولى] , لا ينبغى لأحد أن يقارنهم ولا يخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب الله عز وجل , وأقل ذلك أن يكون منكرا لظلمهم ماقتا لهم شانئا ما هم فيه بحسب الإمكان , كما فى الحديث [ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده , فإن لم يستطع فبلسانه , فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان ] , وقال تعالى :{ وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون } الآية , وكذلك ما ذكره عن يوسف الصديق وعمله على خزائن الأرض , لصاحب مصر, لقوم كفار, وذلك أن مقارنة الفجار( أولى الكفار المرتدين ), إنما يفعلها المؤمن فى موضعين : أحدهما : أن يكون مكرها عليها .
والثانى : أن يكون ذلك فى مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة , أو أن يكون فى تركها مفسدة راجحة فى دينه , فيدفع أعظم المفسدتين بإحتمال أدناهما , وتحصل المصلحة الراجحة بإحتمال المفسدة المرجوحة ... ) مجموع الفتاوى ج: 15 ص: 324ـ325

7ـ وجوب الهجرة من ديار المرتدين

وهذا الواجب متعين في حق كل مسلم قادر يعيش في هذه البلاد التي استولى عليها المرتدون وحكموها بقوانين الكفر, فصارت بذلك دار كفر.
فإذا كانت الدار دار كفر فإنه يجب على المسلم القادر الهجرة منها فورا إلى دار الإسلام أو أي موضع يمكنه إظهار دينه فيه , تجب بالنص والإجماع .
قال الشيخ اسحق بن عبد الرحمن : (دل الكتاب والسنة والإجماع، مع صريح العقل، وأصل الوضع على وجوب الهجرة من دار الشرك والمعاصي، وتحريم الإقامة فيها. أما الكتاب، فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآيتين [سورة النساء آية: 97]، وهذه الآية نص في وجوب الهجرة، بإجماع المفسرين ; وفيها ترتب الوعيد على مجرد المقام مع المشرك ; والقرآن إذا أناط الحكم بعلة أو وصف، فصرفه عنه من التأويل الذي رده السلف ; وقد ذم الله من أعرض عنه، فكيف بمن عارضه؟!) جزء الردود 12/399
قال بن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية
{ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم }إلى آخر الآية النساء 97 قال البخاري حدثنا عبد الله بن زيد المقري قال حدثا حيوة وغيره قال حدثنا محمد بن عبد الرحمان أبو الأسود قال : قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى بن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي
ثم قال أخبرني بن عباس أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم }
ثم قال فهذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية .اهـ كلامه
قال اسحق بن عبد الرحمن :( وأما الأحاديث فكثيرة جدا، منها: ما رواه أبو داود والحاكم، عن سمرة مرفوعا: "من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله" ، ولفظ الحاكم "وساكنهم أو جامعهم فليس منا" وقال: صحيح على شرط البخاري. ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، والترمذي عن جرير بن عبد الله مرفوعا: "أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، لا تراءى ناراهما" رواه ابن ماجه أيضا، ورجال إسناده ثقات، وهو إن صح مرسلا، فهو حجة من وجوه متعدده، يعرفها علماء أصول الحديث; منها: أن المرسل إذا اعتضد بشاهد واحد، فهو حجة. وقد اعتضد هذا الحديث بأكثر من عشرين شاهدا، وتشهد له الآيات المحكمات، مع الكليات من الشرع، وأصول يسلمها أهل العلم; ومنها: حديث جرير الذي رواه النسائي وغيره: (أنه بايع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويفارق المشركين); وفي لفظ: (وعلى فراق المشركين); ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى، لتأخر إسلام جرير. ومنها: ما روى الطبراني والبيهقي، عن جرير موفوعا: "من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة"، قال المناوي: حديث حسن، يقصر عن رتبة الصحيح، وصححه بعضهم. ومنها: ما رواه النسائي وغيره، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده مرفوعا: "لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين" . ومنها: ما رواه النسائي وغيره، عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" ، وفي معناه حديث معاوية: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة" الحديث، وما رواه سعيد بن منصور وغيره: "لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد" .ففي هذه الأحاديث مع تباين مخارجها، واختلاف طرقها، هيئة اجتماعية يقطع معها بهذا الحكم العظيم، الذي هو من أعظم مصالح الشريعة. قال أبو عبد الله الحليمي في المجالس، وهو من أجل علماء الشافعية، وأئمة الحديث في وقته، وهو في طبقة الحاكم، لما ذكر بقاء الهجرة، قال: إنها انتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن السيئات إلى الحسنات، وهذه الأشياء باقية ما بقى التكليف. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد أفصح ابن عمر بالمراد، فيما ذكره الإسماعيلي، بلفظ: (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنقطع ما قوتل الكفار)، أي: ما دام في الدنيا دار كفر، انتهى. وكلام أئمة المذهب في ذلك في غاية الوضوح والقوة، قال في الشرح الكبير: وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة، لحديث معاوية، وما رواه سعيد بن منصور وغيره، مع إطلاق الآيات، والأخبار الدالة عليها، وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان ومكان. وأما الإجماع على تحريم الإقامة بين ظهراني المشركين، فحكاه الحافظ بن كثير، ولم ينازع في ذلك أحد فيما نعلم، وقد تقدم، وقال ابن هبيرة في الإفصاح: واتفقوا، يعني: الأربعة على وجوب الهجرة من ديار الكفار إن قدر على ذلك. وأما ما يدل على ذلك لغة ووضعا، فأصل الهجرة: الترك، والهجرة إلى الشيء الانتقال من غيره إليه، ويؤخذ من لفظ العداوة، لأنها وضعت للمجانبة والمباينة; لأن أصل العداوة: أن تكون في عدوة، والعدو في أخرى; وأصل البراءة: الفراق والمباينة أيضا، مأخوذ من براه إذا قطعه; قال الحافظ في الفتح: والعداوة تجر إلى البغضاء، انتهى. فعلم: أن العداوة سبب للبغضاء ووسيلة; وبغض الكافر مشروط في الإيمان، محبوب إلى الرحمن، فكانت مطلوبة، لأن وسيلة المطلوب المحبوب مطلوبة محبوبة، فاتفق الشرع والوضع على هذه الشعبة، التي هي من أعظم شعب الإيمان. وأما وجوب الهجرة، وفراق المشركين عقلا، فلأن الحب أصل كل عمل من حق وباطل؛ ومن علامة صدق المحبة: موافقة المحبوب فيما أحب وكره، ولا تتحقق المحبة إلا بذلك؛ ومحال أن توجد المحبة مع ملاءمة أعداء المحبوب، هذا مما لا تقتضيه المحبة؛ فكيف إذا كان قد حذرك من عدوه الذي قد طرده عن بابه، وأبعده عن جنابه، واشترطه عليك في عهده إليك، هذا والله مما لا يسمح به المحب، ولا يتصوره العاقل. ) جزء الردود 12/403ـ406
ومن كلام العلماء في وجوب الهجرة :
قال الإمام بن حجر ـ رحمه الله ـ في شرح البخاري قوله باب لا هجرة بعد الفتح أي فتح مكة أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحها المسلمون أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة
الأول قادر على الهجرة منها ولم يمكنه إظهار دينه بها ولا أداء واجباته فالهجرة منها واجبة
الثاني قادر يمكنه إظهار دينه بها وأداء واجباته فالهجرة منها مستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم
الثالثة عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فيجوز له الإقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر) اهـ
قال الشيخ عبد الرحمان بن حسن: قال أبو الفوز في نقله عن ابن حجر: المكي وهو من أئمة الشافعية ـ لما ذكر الأحاديث الدالة على وجوب الهجرة ـ ما ملخصه :والمسلم الكائن بدار الكفر إن أمكنه إظهار دينه وأمن فتنته في دينه استحب له الهجرة إلى دار الإسلام لئلا يكثر سواد الكفار وربما كادوه وإن لم يمكن المسلم الكائن بدار الكفر إظهار دينه فيها وخاف فتنته في دينه وجبت عليه الهجرة إلى دار الإسلام وأثم بالإقامة ولو كان المسلم إمرأة وإن لم تجد محرما يذهب معها إلى دار الإسلام لكن إذا أمنت على نفسها من فاحشة وغيرها، فإن لم يطق الهجرة فمعذور. اهـ كلامه
قال الغزالي : ـ بعد ذكر كلام كثير من السلف ـ فهذا يدل أن من بلي ببلدة قد استولى عليها حكم الكفار وظهرت فيها أعلامهم وشعائرهم فلا عذر له في المقام بها بل يجب عليه أن يهاجر كما قال الله تعالى {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } فالبلاء والشر إذا ظهرا في قطر ولم يحرز المسلم نفسه شمل العقاب والذم الطائعين والعاصين اهـ
وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي في شعب الإيمان : وقوله صلى الله عليه وسلم "لا هجرة بعد الفتح"معناه لا هجرة من مكة بعد أن صارت دار إسلام فلا يدل على نفي وجوب الهجرة من غيرها إذا لم يمكن إقامة الدين فيها فإنها حينئذ كمكة قبل الفتح ولو صارت مكة ـ والعياذ بالله ـ بحيث لا يمكن المقيم بها إقامة دينه وجبت الهجرة منها أيضا لأنها إنما وجبت منها أولا لهذا المعنى فحيث وجدت هذه العلة ثبت الحكم ... ) اهـ بتصرف من الدرر السنية 8/290_294
وقال الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي في أسنى المتاجر (المعيار 2/121): (الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة ...)
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ :( هل تجب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون ؟ فأجاب البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام , تجب الهجرة منها وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيّرت فتجب الهجرة . فالكفر بفشو الكفر وظهوره ) من فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبرهيم آل الشيخ ) جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ط1399بمكة المكرمة ج6ص188
فقد تبين من كلام العلماء أن الأصل الذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع هو وجوب الهجرة ولا تجوز الإقامة في ديار الكفر إلا على القادر على إظهار دينه , فما صفة إظهار الدين ؟
صفة إظهار الدين

قال الشيخ اسق بن عبد الرحمن بن حسن : ودعوى من أعمى الله بصيرته ، وزعم أن إظهار الدين ، هو عدم منعهم ممن يتعبد , أو يدرس ، دعوى باطلة , فزعمه مردود عقلاً وشرعاً ، وليهن من كان في بلاد النصارى ، والمجوس والهند ذلك الحكم الباطل , لأن الصلاة والأذان والتدريس ، موجود في بلدانهم ، وهذا إبطال للهجرة والجهاد ، وصد للناس عن سبيل الرشاد)8/305ـ 306
وقال أيضا : (فعلم: أن إظهار الدين في عبارة الموفق ومن قبله ومن بعده من الأصحاب، هو: إظهار التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، في بلد يخفى فيه، بل يجعل ضده هو الدين؛ ومن تكلم به هو الوهابي الخارجي، صاحب المذهب الخامس، الذي يكفر الأمة. وقال الشيخ العلامة، حمد بن عتيق: وأما مسألة إظهار الدين، فكثير من الناس قد ظن أنه إذا قدر أن يتلفظ بالشهادتين، وأن يصلي الصلاة ولا يرد عن المساجد، فقد أظهر دينه، وإن كان ببلد المشركين؛ وقد غلط في ذلك أقبح الغلط. قال: ولا يكون المسلم مظهرا للدين، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عنها، ويصرح لها بعداوته؛ فمن كان كفره بالشرك فإظهار الدين له، أن يصرح بالتوحيد والنهي عن الشرك، والتحذير منه؛ ومن كان كفره بجحد الرسالة، فإظهار الدين عنده التصريح عنده، بأن محمدا رسول الله؛ ومن كان كفره بترك الصلاة، فإظهار الدين عنده بفعل الصلاة. ومن كان كفره بموالاة المشركين، والدخول في طاعتهم، فإظهار الدين التصريح بعداوته وبراءته منه، ومن المشركين.. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى; وقد مر لك هذا صريحا في كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، في المواضع التي نقلها من السيرة، وسماه العلامة عبد اللطيف واجبا، قال فيه: وأي رجل نقل عنه، ما هو دون هذا الواجب؟! فالحاصل هو ما قدمناه من أن إظهار الدين الذي تبرأ به الذمة، هو الامتياز عن عباد الأوثان بإظهار المعتقد، والتصريح بما هو عليه، والبعد عن الشرك، ووسائله؛ فمن كان بهذه المثابة إن عرف الدين بدليله، وأمن الفتنة، جاز له الإقامة، والله أعلم. ) الدرر السنية جزء الردود12/417ـ418
قال أبو محمد المقدسي في رسالته ملة إبراهيم: ( وكذلك الحال بالنسبة لعبيد الياسق.. فإن ملة إبراهيم تقتضي أن يحذر من ياسقهم ويعادى ويبغض ويُدعى الناس إلى الكفر به والبراءة منه ومن أوليائه وعبيده المصرّين على تحكيمه، بذكر فضائحه وكشف زيوفه وبطلان أحكامه ومصادمتها الصريحة لدين الله بإباحتها للردة والربا وتسهيلها للفاحشة والفجور وتعطيلها لحدود الله كحد الزنا والقذف والسرقة وشرب الخمر...)

فبهذا تعلم ـ أخي الموحد ـ أن إظهار الدين هوالإنكار باللسان على هؤلاء المرتدين فيما يواقعونه من شركيات , وكفريات , وبدع , ومعاصي , وظلم وفجور, وهذا هو الإرهاب التي تمنع منه قوانين المرتدين , وتعد أصحابه من المجرمين , وتعاقب عليه إما بالسجن أو القتل أو النفي , فلا يمكن لأحد إظهار دينه بين أظهر هؤلاء المجرمين , ومنه تعلم أن الهجرة متعينة في حق أي مسلم إلى حيث يمكنه تحقيق هذا الواجب الذي لا يستقيم إسلام المرء إلا به .
وأيضا ينبغي أن تعلم ـ أخي الموحد ـ أن جواز هذه الإقامة ـ بشرطهاـ محله إذا لم يتعين الجهاد, أما إذا تعين الجهاد ووجدت الطائفة المجاهدة فالواجب المتعين النفير
و الإلتحاق بهذه الطائفة .
فهذه الهجرة تبقى واجبة على كل مسلم قادر في هذه البلاد إلى أي موصع يمكنه إظهار دينه , وهي الآن متعينة إلى مناطق المجاهدين في الجبال .
ولا يشترط لوجوب هذه الهجرة وجود إمام ممكن أو دار إسلام
وذلك لعموم النصوص وإطلاقها .
قال الشيخ عبداللطيف بن عبد الرحمن :( ثم اعلم : أن النصوص الواردة في وجوب الهجرة , والمنع من الإقامة بدار الشرك , والقدوم إليها , وترك القعود مع أهلها , ووجوب التباعد عن مساكنتهم ومجامعتهم , نصوص عامة مطلقة , وأدلة قاطعة محققة ؛ ومن قال بالتخصيص والتقييد لها , إنما بقضايا عينية خاصة , وأدلة جزئية , لا عموم لها عند جماهير الأصوليين والنظار , بل هي في نفسها محتملة للتقييد والتخصيص . ..)8/339
ومن ذلك قوله تعالى : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً }.
قال القرطبي :( وفي هذه الآية دليل على هِجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير: إذا عمِل بالمعاصي في أرض فاخرج منها؛ وتلا: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من فرّ بِدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً ٱستوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمدٍ عليهما السَّلام».
فعل الصحابة بأمر من النبي في هجرتهم إلى الحبشة , فقد هاجروا إلى هذه البلاد ولم تكن يومئذ دار إسلام , لما أمكنهم إظهار دينهم فيها
قال ابن القيم رحمه الله في قصة هجرة الحبشة، قال السهيلي: وفيه من الفقه: الخروج من الوطن وإن كان الوطن مكة على فضلها، إذا كان الخروج فرارا بالدين، وإن لم يكن إلى أرض الإسلام؛ فإن الحبشة كانوا نصارى، يعبدون المسيح، ويقولون: هو ابن الله، وسموا بهذه الهجرة مهاجرين. وهم أصحاب الهجرتين، الذين أثنى الله عليهم، وهم قد خرجوا من بلد الله الحرام، إلى بلد الكفر، لما كان ذلك احتياطا على دينهم، وأن يخلي بينهم وبين عبادة ربهم يذكرونه آمنين؛ وهذا حكم مستمر، متى غلب المنكر على بلد، وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل قاهرا للحق، ورجا أن يكون في بلد آخر، أي بلد كان، يبين فيه دينه، ويظهر عبادة ربه، فإن الخروج على هذا الوجه، حتم على كل مؤمن؛ وهذه الهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 115]. انتهى كلام السهيلي..الدررالسنية 12/443 ـ 444
فعل أصحاب الكهف قال ابن كثير :( قوله: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ }[الكهف:61] أي وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضاً بأبدانكم، {فَأْوُواْ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ }[الكهف:61] )
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن :
(فإذا أردت معرفة ما فرضه الله على عباده مما تقدم ذكره ، فاذكر قوله تعالى عن أهل الكهف {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا} الآية [ الكهف : 14 ] علموا : أنه لا يصلح لهم دين إلا باعتزالهم ، واعتزال معبوداتهم , ولو لم يجدوا إلا غاراً في الجبل في البرية وهل قالوا : وأين نهاجر ؟ ولاثم بلد إسلام , ولا إمام لنا ولا أعوان ؟ كما قال هؤلاء الجهلة , الذين آثروا الدنيا على الدين )الدرر السنية 8/191
قال الإمام الشوكاني :
( وإن كانت الفائدة وجوب الهجرة عن دارالكفر فليس هذا الوجوب مختصا بدار الكفر, بل هو شريعة قائمة وسنة ثابتة عند استعلان المنكر وعدم الاستطاعة للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعدم وجود من يأخذ على أيدي المنتهكين لمحارم الله , فحق على العبد المؤمن أن ينجو بنفسه ويفر بدينه إن تمكن من ذلك ووجد أرضا خالية عن التظاهر لمعاصي الله وعدم التناكر على فاعلها ...) السيل الجرار ج: 4 ص: 576
وأيضا للهجرة مقاصد في أي موضع تحققت وجبت الهجرة إليه وسيأتي ذكرها.
وعليه فالواحب المتعين لسكان هذه الديارالإلتحاق بالمجاهدين بالجبال , ولا يجوز لهم الهجرة إلى غيرها من البلاد , ولو أمكنهم إظهار دينهم هناك والجهاد في سبيل الله , لأن الجهاد في هذه البلاد جهاد دفع متعين على أهلها مقدم على غيره من الجهاد في سائر بلاد المسلمين , ولو كان جهاد دفع أيضا , ولأن جهاد العدو الأقرب يقدم شرعا وعقلا وعرفا على جهاد الأبعد . وحال المسلمين الآن أشبه بحال الصحابة في عهد الخليفة الصديق , لما ارتدت العرب , فقامت كل طائفة من المؤمنين تقاتل من يليها من المرتدين , بإذن من الصديق ـ رضي الله عنه ـ
وإذا هاجر المسلم من دار الكفرإلى الجبال وجب عليه الإلتحاق بصف المجاهدين , ما لم يمنع من ذلك مانع من جهتهم , كامتناعهم في فترة من الفترات من قبول عدد كبير من المجاهدين . لأن الواجب على كل فار من حكم الطاغوت إلى الجبال الدخول تحت طاعة المجاهدين , ولاينفرد عنهم ويبقى وحده , وذلك التزاما بالنصوص التي تأمره بلزوم الجماعة وعدم مفارقتها , ومنعا للإختلاف والشقاق الذي يضعف شوكة المجاهدين . والله تعالى أعلم .

8 ـ وجوب جهادهؤلاء الحكام المرتدين

والجهاد في سبيل الله لهؤلاء الحكام المبدلين هو أعلى مراتب الولاء والبراء , ومن أفضل القرب عند الله تعالى .
قال شيخ الإسلام :(فمن كان محبا لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله فيحبه الله؛ فجعل الله لأهل محبه علامتين اتباع الرسول؛ والجهاد في سبيله.
وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ؛ ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان. وقد قال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } [التوبة: 42] فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد. ) 10/191
وقال أيضاـ بعد ذكر آية التوبة السابقة ـ : ( فأخبر أن من كانت محبوباته أحب إليه من الله و رسوله والجهاد فى سبيله فهو من أهل الوعيد . و قال فى الذين يحبهم و يحبونه :{فسوف يأتى الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله و لا يخافون لومة لائم } فلا بد لمحب الله من متابعة الرسول و المجاهدة فى سبيل الله , بل هذا لازم لكل مؤمن قال تعالى :{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } فهذا حب المؤمن لله .
وأما المحبة الشركية فليس فيها متابعة للرسول و لا بغضا لعدوه , ومجاهدة له كما يوجد فى اليهود والنصارى والمشركين يدعون محبة الله ولا يتابعون الرسول ولا يجاهدون عدوه , وكذلك أهل البدع المدعون للمحبة لهم من الإعراض عن إتباع الرسول بحسب بدعتهم , وهذا من حبهم لغير الله و تجدهم من أبعد الناس عن موالاة أولياء الرسول
و معاداة أعدائه والجهاد فى سبيله لما فيهم من البدع التى هي شعبة من الشرك ) مجموع الفتاوى ج: 8 ص: 364ـ36
قال الشيخ اسحق بن عبد الرحمن
( فأفضل القرب إلى الله تعالى , مقت من حاد الله ورسوله , وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان ... )الدرر السنية8/ 300
قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف :
( و أعظم الواجبات التي أوجبها الله ورسوله ، وفرضها : عبادته بالإخلاص ، وترك عبادة ما سواه ، والتزام شرائعه ، والجهاد في سبيل الله ، و مراغمة أعدائه مع من ولاه الله أمركم ، وجعله إماماً لكم .
والجهاد ركن من أركان الإسلام ، الذي لا استقامة لإسلام ، ولا قوام لشرائعه إلا به ، وقد أمر الله في كتابه بالجهاد في سبيله ، ومدح من قام به ، و أثنى عليهم ، وجعلهم أهل العروة الوثقى ، لأن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام ) 8/22.
قال سعد بن حمد بن عتيق :
( ومن أعظم : ما منّ الله به عليكم وأسداه من فضله وإحسانه إليكم ، الجهاد في سبيل الله والحراسة والرباط فيه ، وإغاظة أعداء الله وإنزال الضرر والضيق بهم ، فيا لها من مرتبة ما أعلاها ، ومواهب ما أشرفها و أسناها ؛ وقد تضمن كتاب الله ، وسنة رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الترغيب في ذلك و الحث عليه ، وبيان ما يترتب عليه من الأجر والثواب ، ما يحرك القلوب الواعية وينهض من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ).الدرر السنية 8/ 32
وكلام هؤلاء الأئمة معظمه في جهاد المرتدين .
قال الغزالي في حكم الباطنية المرتدين :( فلا يسلك بهم مسلك الكافر الأصلي , إذ يتخير الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال : بين المن والفداء والاسترقاق والقتل , ولا يتخير في حق المرتد , بل لا سبيل إلى استرقاقهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المن والفداء , وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم , هذا حكم الذين يحكم بكفرهم من الباطنية , وليس يختص جوازقتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم , بل نغتالهم ونسفك دماءهم , فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم ) . فضائح الباطنية ج: 1 ص: 156
وقال شيخ الإسلام في وصف التتارـ وهم أشبه بهؤلاء الحكام المرتدين ـ : (وارتد بسبب موت الرسول صلى الله عليه وسلم ولما حصل لهم من الضعف جماعات من الناس قوم ارتدوا عن الدين بالكلية وقوم ارتدوا عن بعضه فقالوا نصلى ولا نزكى وقوم ارتدوا عن اخلاص الدين الذي جاء به محمد فآمنوا مع محمد بقوم من النبيين الكذابين كمسيلمة الكذاب وطليحة الأسدى وغيرهما فقام الى جهادهم الشاكرون الذين ثبتوا على الدين اصحاب رسول الله من المهاجرين والانصار والطلقاء والأعراب ومن اتبعهم باحسان الذين قال الله عز وجل فيهم يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه هم اولئك الذين جاهدوا المنقلبين على اعقابهم الذين لم يضروا الله شيئا
وما أنزل الله فى القرآن من آية الا وقد عمل بها قوم وسيعمل بها آخرون فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين الذين يحبهم الله عز وجل ورسوله فإنه يجاهد المنقلبين على أعقابهم الذين يخرجون عن الدين ويأخذون بعضه ويدعون بعضه كحال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين الذين خرجوا على اهل الأسلام وتكلم بعضهم بالشهادتين وتسمى بالاسلام من غير التزام شريعته فان عسكرهم مشتمل على اربع طوائف
كافرة باقية علىكفرها من الكرج والارمن والمغل
وطائفة كانت مسلمة فارتدت عن الاسلام وانقلبت على عقبيها من العرب والفرس والروم وغيرهم وهؤلاء اعظم جرما عند الله وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلى من وجوه كثيرة فان هؤلاء يجب قتلهم حتما مالم يرجعوا الى ما خرجوا عنه لا يجوز ان يعقد لهم ذمة ولا هدنة ولا امان ولا يطلق اسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون مع بقائهم على الردة بالاتفاق ويقتل من قاتل منهم ومن لم يقاتل كالشيخ الهرم والأعمى والزمن باتفاق العلماء وكذا نساؤهم عند الجمهور والكافر الأصلى يجوز ان يعقد له امان وهدنة ويجوز المن عليه والمفاداة به اذا كان اسيرا عند الجمهور ويجوز اذا كان كتابيا ان يعقد له ذمة ويؤكل طعامهم وتنكح نساؤهم ولا تقتل نساؤهم الا ان يقاتلن بقول او عمل باتفاق العلماء وكذلك لا يقتل منهم الا من كان من اهل القتال عند جمهور العلماء كما دلت عليه السنة فالكافر المرتد اسوأ حالا فى الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره
وهؤلاء القوم منهم من المرتدة مالا يحصى عددهم الا الله فهذان صنفان
وفيهم ايضا من كان كافرا فانتسب الى الاسلام ولم يلتزم شرائعه من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت والكف عن دماءالمسلمين واموالهم والتزام الجهاد فى سبيل الله وضرب الجزية على اليهود والنصارى وغيرذلك وهؤلاء يجب قتالهم باجماع المسلمين كما قاتل الصديق ما نعى الزكاة بل هؤلاء شر منهم من وجوه وكما قاتل الصحابة ايضا مع امير المؤمنين علي رضي الله عنه الخوارج بأمر رسول الله )
28 /412ـ 415
وقال شيخ الإسلام عن الإتحادية المرتدين :
(وأما محققوهم وجمهورهم فيجوز عندهم التهود والتنصر والإسلام والاشراك لا يحرمون شيئا من ذلك ... ومعلوم أن التتار الكفار خيرمن هؤلاء , فإن هؤلاء مرتدون عن الإسلام من أقبح أهل الردة , والمرتد شر من الكافر الأصلى من وجوه كثيرة , وإذا كان أبو بكر الصديق قاتل المرتدين بمنعهم الزكاة فقتال هؤلاء أولى ) مجموع الفتاوى ج: 2 ص: 192ـ 193
قال شيخ الإسلام (فإن التتار يتكلمون بالشهادتين، ومع هذا فقتالهم واجب بإجماع المسلمين.
وكذلك كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، أو الباطنة المعلومة، فإنه يجب قتالها، فلو قالوا: نشهد ولا نصلي قوتلوا حتى يصلوا، ولو قالوا: نصلي ولا نزكي قوتلوا حتى يزكوا، ولو قالوا: نزكي ولا نصوم ولا نحج، قوتلوا حتى يصوموا رمضان، ويحجوا البيت. ولو قالوا: نفعل هذا لكن لا ندع الربا، ولا شرب الخمر، ولا الفواحش، ولا نجاهد في سبيل الله، ولا نضرب الجزية على اليهود والنصارى، ونحو ذلك. قوتلوا حتى يفعلوا ذلك. كما قال تعالى: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال: 39].
وقد قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰاْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [البقرة: 278، 279] والربا آخر ما حرم الله، وكان أهل الطائف قد أسلموا وصلوا وجاهدوا، فبين الله أنهم إذا لم ينتهوا عن الربا، كانوا ممن حارب الله ورسوله.
وفي الصحيحين: أنه لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبـي بكر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. وإني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» فقال أبو بكر: ألم يقل: إلا بحقها؟ والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبـي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق.
وفي الصحيح: أن النبـي صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج فقال: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة».
فإذا كان الذين يقومون الليل، ويصومون النهار، ويقرأون القرآن، أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لأنهم فارقوا السنة والجماعة، فكيف بالطوائف الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام، وإنما يعملون بياساق ملوكهم، وأمثال ذلك، والله أعلم.) 22/53 ومثلهم هؤلاء الحكام الذين يعملون بالدساتير والقوانين الوضعية التي هي شر من ياسق التتار.
وقتال هؤلاء المرتدين واجب مع كل بر وفاجر من أمراء المسلمين .
قال شيخ الإسلام في فتواه عن التتارالمرتدين : (كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة. ـ إلى أن قال ـ
وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين، وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم؛ فإن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبداً.
...فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله، وإعزاز كلمته، وإقامة دينه، وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه: كان الواجب أيضاً قتالهم دفعاً لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما؛ فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها.
ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة والغزو مع كل بر وفاجر؛ فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبـي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور؛ فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام؛ وإن لم يمكن إقامة جميعها. فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها؛ بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه.
وثبت عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم» فهذا الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله صلى الله عليه وسلم: «الغزو ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» وما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة» إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم؛ بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة.
هذا مع إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه: «سيلي أمراء ظلمة خونة فجرة. فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض. ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض».
فإذا أحاط المرء علماً بما أمر به النبـي صلى الله عليه وسلم من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلهم: علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد كهؤلاء القوم المسؤول عنهم، مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله؛ بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديماً وحديثاً. وهي واجبة على كل مكلف. وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشيء عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقاً وإن لم يكونوا أبراراً. ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.)28/468
ولما كانت الهجرة من ديار المرتدين من مقدمات الجهاد وضرورياته , وبسبب تركها ترك المسلمون جهاد عدوهم رأينا أن نتكلم عليها بشيء من التفصيل:

فضل الهجرة

قال تعالى : {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون }التوبة
قال تعالى : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظُلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر}
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" : (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله)(9) [صحيح الجامع الصغير رقم 1624]. , فهي أمر من الله لرسوله, وأمر من رسول الله لأمته, والأمر للوجوب أي للفرضية.
والهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة , قال عليه الصلاة والسلام :(إن الهجرة لا تنقطع ما دام الجهاد) [صحيح الجامع الصغير رقم 5218]. حديث صحيح رواه ابن حبان وأحمد. وقال صلى الله عليه وسلم : (لن تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) [رواه مسلم]. حديث صحيح رواه أحمد وابن حبان والنسائي. ,وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم أو من خالفهم حتى يأتي وعد الله يقاتلون على الحق, [رواه مسلم بلفظ (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم حتى يأتي امر الله وهم كذلك)].
و قال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم)

والهجرة طريق الجنة, ولذلك فالشيطان يكره الهجرة والمهاجرين, ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن سبرة: (إن الشيطان قعد لابن آدم في أطرقه فقعد له في طريق الإسلام, قال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك ودين آباء آبائك? فعصاه وأسلم, ثم قعد له بطريق الهجرة, فقال: تهاجر وتدع أرضك وسمائك? فعصاه فهاجر, وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِول (الطول يعني: الحبل) ثم قعد له بطريق الجهاد, فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل, فتنكح المرأة ويقسم المال, فعصاه فجاهد, فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة, ومن قاتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة, وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة, وإن وقصته - رمته - دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة ) [صحيح الجامع الصغير رقم 1652]. وفي الحديث الآخر (من وضع رجله في الركاب فاصلا فوقصته دابته فمات -الذي يضع رجله في ركاب الفرس أو ركاب الدابة قبل أن يعلو على الفرس فوقصته أي: رمته دابته- فمات أو لدغته هامة -يعني أفعى أو عقرب- فمات أو مات بأي حتف مات -أي موت- فهو شهيد وإن له الجنة) [رواه مسلم]. وفي رواية: (فقد استحق المآب وإن له الجنة).
مقاصد الهجرة

والله قد فرض الهجرة على المسلمين لعدة مقاصد وواجبات لاتتحقق إلا بها .قال عبد الرحمن بن حسن
ومما يجب أن نعلم : أن الله تعالى فرض على عباده الهجرة , عند ظهور الظلم والمعاصي , حفظاً للدين ، وصيانة لنفوس المؤمنين عن شهود المنكرات , ومخالفة أهل المعاصي والسيئات , وليتميز أهل الطاعات والإيمان , عن طائفة الفساد والعدوان , وليقوم عَلَمَ الجهاد , الذي به صلاح البلاد والعباد ؛ ومن المحال : أن تحصل البراءة من الشرك , والظلم والفساد , بدونها .
ومن لوازم ترك الهجرة غالباً : مشاهدة المنكرات , ومداهنة أرباب المعاصي والسيئات , و موادتهم ، وانشراح الصدر لهم , فإن الشر يتداعى ويجر بعضه بعضاً , فلا يرضون عمن هو بين أظهرهم بدون هذه الأمور , ولا بد من رضاهم , والمبادرة في هواهم . 8/238
وقال أيضا :
(وأما الهجرة : فإن الغالب على أهلها السلامة والعز والتمكين , كما جرى ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم وأتباعه سلفاً وخلفاً , وبها يحصل الجهاد , وتعلو كلمة الله , ويعمل في الأرض بطاعة الله , ومصالح الهجرة في الدنيا أكثر من أن تحصر , كما قال تعالى : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر}) 8/239
قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ : (ومن مقاصد الهجرة : الانحياز إلى الله لعبادته , والإنابة إليه ، والجهاد في سبيله ، و مراغمة أعدائه , وإلى رسوله بطاعته , وتعزيره ونصره , ولزوم جماعة المسلمين , ولذلك يقرن الهجرة بالإيمان , في غير موضع من كتاب الله عز وجل وكل هذا غير حاصل )الدرر السنية 8/ 314
و قال في الدرر السنية8/315 ( والهجرة لها مقصودان ؛ الفرار من الفتنة , وخوف المفسدة الشركية ؛ و الثاني : مجاهدة أعداء الله والتحيز إلى أهل الإسلام ، .. ؛ فالنجا النجا , والوحا الوحا , قبل أن يعض الظالم على يديه , ويقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً )
هذه مقاصد الهجرة عموما , وسنذكرفي الفصل التالي بعض مقاصدها المهمة بالتفصيل .









فصل خاص
مقاصد الهجرة على التفصيل
اعلم ـ أخي الموحد ـ أن الهجرة واللحوق بالمجاهدين واجبة من وجوه كثيرة أهمها:

أ ـ الهجرة واجبة لأن الجهاد متعين

أـ فهؤلاء حكام مرتدون , والحاكم إذا ارتد وجب على كل مسلم القيام بخلعه . عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه قال: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ) متفق عليه،
وفي شـرح هـذا الحـديـث قال النووي (قال القاضي عياض: «أجمع العلماء علي أن الإمامة لاتنعقد لكافر، وعلي أنه لو طرأ عليه كفر انعزل ــ إلى قوله ــ فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب علي المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولايجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلي غيرها ويفر بدينه) (صحيح مسلم بشرح النووي) 12/229.
وقال بن حجر ــ إذا كفر الحاكم ــ (وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعا فيجب علي كل مسلم القيام في ذلك) (فتح الباري 13/123). [3]
وهذا الجهاد متعين لأنه جهاد دفع , يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعا ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط ... بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم)، من كتاب الإختيارات العلمية لابن تيمية ملحق بالفتوى الكبرى (4/608)
وقال شيخ الإسلام في فتواه عن الطائفة النصيرية المرتدة :
(لا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات , وهوأفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب , فان جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين , والصديق وسائرالصحابة بدؤا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب , فان جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه , وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين , وحفظ رأس المال مقدم على الربح.
...ويجب على كل مسلم أن يقوم فى ذلك بحسب ما يقدرعليه من الواجب...) مجموع الفتاوى ج: 35 ص:158ـ 160
قال ابن القيم : (وجهاد الدفع أصعب من جهاد الطلب , فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل , ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه كما قال الله تعالى:{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} الحج 39 وقال النبي :[ من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد]
لأن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة , ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة , فإن قتل فيه فهو شهيد . فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبا , ولهذا يتعين على كل أحد ... ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه والولد بدون إذن أبويه , والغريم بغير إذن غريمه , وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق .
ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون , فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين , فكان الجهاد واجبا عليهم لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار) الفروسية ص87ـ88
قال الشيخ عبد اللطيف : (أن قتال من هجم على بلاد المسلمين , من أمثال هؤلاء فرض عين , لا فرض كفاية , كما هو مقرر مشهور , فلا يحل ولا يسوغ - والحالة هذه - تركه والعدول عنه , لغرض دنيوي ؛ وقواعد الإسلام , , ومدراك الأحكام : ترد القول بإباحة ترك الفروض العينية , لأغراض دنيوية)8/332
وقال شيخ الإسلام بن تيمية : ( فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يجتمع فى كثير من الناس هذان الأمران : بغض الكفر و أهله وبغض الفجور و أهله وبغض نهيهم وجهادهم , كما يحب المعروف وأهله ولا يحب أن يأمر به ولا يجاهد عليه بالنفس والمال وقد قال تعال{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم الصادقون} وقال تعالى{ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين} وقوله {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدّون من حآدّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } الآية وكثير من الناس بل أكثرهم كراهتهم للجهاد على المنكرات أعظم من كراهتهم للمنكرات لا سيما إذا كثرت المنكرات وقويت فيها الشبهات والشهوات ) مجموع الفتاوى ج: 15 ص: 340 ـ341
قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ : (ولا ريب : أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة , والمخاطب به المؤمنون ؛ فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها مَنَعَة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه , ولا يسقط عنها الفرض بحال , ولا عن جميع الطوائف , لما ذكرت



من الآيات , وقد تقدم الحديث (( لا تزال طائفة )) الحديث .
فليس في الكتاب والسنة : ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال , ولا يجب على أحد دون أحد , إلا ما استثنى في سورة براءة ؛ وتأمل قوله : {ولينصرن الله من ينصره }الآية[ الحج : 40] وقوله : {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا }الآية[ المائدة : 56] وكل يفيد العموم بلا تخصيص ؛ فأين تذهب عقولكم عن هذا القرآن ؟[4] 8/202
أما إعانة المجاهدين بالمال فهي أيضا واجبة كالجهاد بالنفس , لاسيما والجهاد جهاد دفع متعين .
قال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى 4/519 ( ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله وهو نص أحمد“ ثم قال ”فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها كما تجب النفقات والزكاة” وقال ”فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه – أي الخلاف في مصارف الزكاة – فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعاً )
ولذا يحرم على الناس الإدخار في حالة الحاجة للمال، بل لقد سئل ابن تيمية سؤالا: (ولو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه فقال: قدمنا الجهاد وإن مات الجياع، كما في مسألة التترس وأولى، فإن هناك ( التترس) نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله) الفتاوى الكبرى (4/608).
قال القرطبي: (إتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها) وقال مالك: (يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع أيضا ) القرطبي (2/242)

والجهاد متعين لأنه جهاد دفع وتاركه فاسق

قال تعالى:{ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ منَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }
قال ابن كثيرفي تفسيرها:( ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله فقال: {قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا }[التوبة:42] أي اكتسبتموها وحصلتموها {وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا }[التوبة:42] أي تحبونها لطيبها وحسنها، أي إن كانت هذه الأشياء {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ }[التوبة:42] أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم ولهذا قال {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ }[التوبة:42].)
وقال :( فانظر إلى هذا الوعيد الشديد الذى قد توعد الله به من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله وجهاد فى سبيله , فعلم أنه يجب أن يكون الله ورسوله والجهاد فى سبيله أحب إلى المؤمن من الأهل والمال والمساكن والمتاجر والأصحاب والأخوان وإلا لم يكن مؤمنا حقا ) مجموع الفتاوى ج: 10 ص:750ـ 751
قال شيخ الإسلام :(فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الامكان من الايمان وكان عدمه دليلا على إنتفاء حقيقة الايمان , بل قد ثبت فى الصحيح عنه:[ من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق ] وفى الحديث دلالة على أنه يكون فيه بعض شعب النفاق مع ما معه من الإيمان . ومنه قوله تعالى :{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم الصادقون} مجموع الفتاوى ج: 7 ص: 556
وقال أيضا: (والجهاد: هو بذل الوسع وهو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق , فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه ، ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبا إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة، فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخر، فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الرأي من المحبين لغير الله مما يحتملون في حصول محبوبهم دل ذلك على ضعف محبهم لله إذا كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل.
ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله. كما قال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ } [البقرة: 561]. ) 10/192ـ193
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ :( فجهاد الدفع يقصده كل أحد ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعا وعقلا...)الفروسية ص 89
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :( وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة ، بل بالقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله ، وأكثر الديّنين لا يعبؤون منها ، إلا بما شاركهم فيه عموم الناس ؛ وأما الجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والنصيحة لله ورسوله وعباده ، ونصرة الله ورسوله وكتابه ودينه ، فهذه الواجبات ، لا يخطرن ببالهم ، فضلاً عن أن يريدوا فعلها ، فضلاً عن أن يفعلوها ؛ وأقل الناس ديناً ، وأمقتهم إلى الله ، من ترك هذه الواجبات ، وإن زهد في الدنيا جميعها ؛ وقلّ أن يرى منهم من يحمر وجهه ؛ و يتمعّر في الله ، ويغضب لحرماته ، ويبذل عرضه في نصرة دينه ؛ وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء ، . )الدرر السنية 8/76ـ77
قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف :
( واحذروا من قوله: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة التوبة آية: 81-82].ثم شدد عليهم العقوبة وقطع عنهم قبول المعذرة بقوله: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [سورة التوبة آية: 83]، وقال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [سورة التوبة آية: 46].فاحذروا غاية الحذر من سطوة الله، فحقيقة الدين هي المعاملة، وسبيل اليقين هي الطريقة الفاضلة، ومن حرم التوفيق فقد عظمت مصيبته، واشتدت هلكته. وأنتم تعلمون، معاشر المسلمين: أن الأجل محتوم، وأن الرزق مقسوم، وأن ما أخطأ لا يصيب، وأن سهم المنية لكل أحد مصيب، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن الري الأعظم في شرب كؤوس الحتوف، وأن من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار، ومن أنفق ديناراً كتب بسبعمائة، وفي رواية: بسبع مائة ألف دينار، وأن الشهداء حقاً عند الله من الأحياء، وأن أرواحهم في جوف طير خضر تتبوأ من الجنة حيث تشاء، وأن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه وخطاياه، وأنه يشفع في سبعين من أهل بيته ومن والاه، وأنه آمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وأنه لايجد كرب الموت، ولا هول المحشر، وأنه لايحس ألم القتل إلا كمس القرصة، وكم للموت على الفراش من سكرة وغصة، وأن الطاعم النائم في الجهاد، أفضل من الصائم القائم في سواه، ومن حرس في سبيل الله لا تبصر النار عيناه، وأن المرابط يجرى له أجر عمله الصالح إلى يوم القيامة، وأن ألف يوم لا تساوي يوماً من أيامه، وأن رزقه يجري عليه كالشهيد أبداً لا يقطع، وأن رباط يوم خير من الدنيا وما فيها، إلى غير ذلك من فضائل الجهاد، التي ثبتت في نصوص السنة والكتاب. فيتعين على كل عاقل التعرض لهذه الرتب، ومساعدة القائم بها، والانضمام إليه، والانتظام في سلكه، فتربحوا بذلك تجارة الآخرة، وتسلموا على دينكم.
( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايعتم بالعينة ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه ، حتى ترجعوا إلى دينكم )) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : (( من غزا غزوة في سبيل الله ، فقد أدى إلى الله جميع طاعته ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر )) قلنا يا رسول الله : وبعد هذا الحديث الذي سمعناه منك ، من يدع الجهاد ويقعد ، قال : (( من لعنه الله وغضب عليه وأعد له عذاباً عظيماً ، قوم يكونون في آخر الزمان لا يرون الجهاد ، وقد اتخذ ربي عنده عهداً لا يخلفه ، أيما عبد لقيه وهو يرى ذلك ، أن يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين )) ." خرجه ابن عساكر وحسنه - مشارع الأشواق 1/107 "
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، أنه
قال في خطبته ، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعام ، أيها الناس : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أول ، في هذا الشهر على هذا المنبر ، وهو يقول : " ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله ، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا عمهم الله بعقابه " وفي الحديث : " من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ، مات على شعبة من النفاق " . < انظر في الصحيحين 2663 > ) الدررالسنية 8/16ـ 20
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن : (والمقصود : أن يعلم المسلم أن بذل النفوس في طاعة الله ومرضاته , أمر مطلوب للرب تعالى من عبده , ليكون الدين كله لله , فمن رغب بنفسه عن ذلك , وآثر مرادها وراحتها وشهوتها , على مراد ربه , وإقامة دينه , وطلب مرضاته , فقد عرض نفسه لمقت الله وعقابه , وحرم نفسه ما حصل للمؤمنين المتقين , من جزيل ثوابه ؛ فلا يرجونّ عبد إلا ربه , ولا يخافنّ إلا ذنبه , ومن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه .8/246
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإتحادية وهم صنف من المرتدين:(...بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم , فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم أفسدوا العقول والأديان ...وهم يسعون في الأرض فسادا ويصدون عن سبيل الله...) مج ف 2/131ـ132
فكلامه ـ رحمه الله ـ شامل لمن ترك الجهاد بنفسه أو ماله , مع قدرته على ذلك , أومن عجز على ذلك وترك النصح للمجاهدين .
وأقل عقوبة تاركي الجهاد العيني الهجر و عدم المخالطة .
قال شيخ الإسلام :( وكذلك من يترك الجهاد الذى لا مصلحة لهم بدونه فإنه يعاقب بهجرهم له لما لم يعاونهم على البر والتقوى . فالزناة واللوطية وتاركي الجهاد وأهل البدع وشربة الخمرهؤلاء كلهم مخالطتهم مضرة على دين الإسلام )15/311
وإذا كانت للمجاهدين قدرة , فإنهم يلزمون الناس بالجهاد إذا تركوه ـ سواء كان جهادا بالنفس أوبالمال ـ ولم يكونوا ممتنعين . قال شيخ اإسلام :( والمسألة مذكورة في «كتاب الأطعمة» حتى أنه لو امتنع عن بذل الطعام فله أن يقاتله عليه؛ لأنه بمنزلة المقاتل عن نفسه.
ولهذا نضمنهم ديته لو مات، كما روي أن رجلاً استسقى قوماً فلم يسقوه حتى مات، فضمنهم عمر ديته[5]، وأخذ به أحمد، فإنه إذا وجب إطعام المضطر بلا عوض عند عجزه عنه، فلأن يجب بالمعاوضة أولى وأحرى، وهكذا إذا اضطر الناس ضرورة عامة، وعند أقوام فضول أطعمة مخزونة، فإنه يجب عليهم بيعها، وعلى السلطان أن يجبرهم على ذلك، أو يبيعها عليهم؛ لأنه فعل واجب عليهم، يقبل النيابة، فيجب إلزامهم بما وجب عليهم شرعاً، وهو حق للمسلمين عندهم، فيجب استنقاذه منهم. وهكذا كل ما اضطر الناس إليه: من لباس وسلاح ويغر ذلك، مما يستغني عنه صاحبه، فإنه يجب بذله بثمن المثل...
والأصل أن إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسكنى، أمر واجب. وللإمام أن يلزم بذلك، ويجبر عليه، ولا يكون ذلك ظلماً، بل إيجاب الشارع للجهاد الذي فيه المخاطرة بالنفس والمال لأجل هداية الناس في دينهم: أبلغ من هذا كله...
ولكن أكثر الناس يفعلون هذا بحكم العادات، والطباع، وطاعة السلطان، غير مستشعرين ما في ذلك من طاعة الله ورسوله، وطاعة أولي الأمر، فيما أمر الله بطاعتهم فيه.
ولهذا يعدون ذلك ظلماً وعناء ولو علموا أنه طاعة لله احتسبوا أجره، وزالت الكراهة، ولو علموا الوجوب الشرعي لم يعدوه ظلماً.
وكذلك إذا احتاجوا إلى القتال والجهاد بالنفس، وبذلوا أموالاً من بيت المال، أو من غيره؛ فإن الجهاد وإن كان فيه مخاطرة بالنفس ويخاف فيه الضرر؛ لكنه واجب بالشرع، إذا بذل للإنسان المال؛ فإن مصلحة الدين لا تتم إلا بوجوبه، وعلى الإنسان أن يجاهد بمال نفسه، فإذا بذل له المال كان أولى بالوجوب. فمن كان من أهل صناعات القتال: رمياً، وضرباً، وطعناً، وركوباً، وجب عليه ذلك، وأجبر عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنفرتم فانفروا» .
ولهذا قال الفقهاء: إنه يجب علينا إذا أمر به الإمام، وكذلك إذا احتاج المجاهدون إلى أهل الصناعات، والتجارات، كصناع الطعام، واللباس، والسلاح، ومصالح الخيل، وغير ذلك، وطلبت منهم تلك الصناعة بعوضها، وجب بذلها، وأجبروا عليها.
وكذلك التجار فيما يحتاج إليه في الجهاد: عليهم بيع ذلك، وإذا احتاج العسكر إلى خروج قوم تجار فيه لبيع ما لا يمكن العسكر حمله من طعام ولباس وسلاح، ونحو ذلك. فالتجارة كالصناعة. والعسكر بمنزلة قوم في بلد، فكما يجب على بعض إعانة بعض على حاجاتهم بالمعاوضة التي لا ضرر فيها، فإن ذلك واجب في العسكر.
وكما للإمام أن يوجب الجهاد على طائفة، ويأمرهم بالسفر إلى مكان لأجله، فله أن يأمر بما يعين على ذلك، ويأمر قوماً بتعلم العلم، ويأمر قوماً بالولايات.
والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية، وغير العدل تجب طاعته فيما علم أنه طاعة كالجهاد.)29/ 191ـ196
وقال :( وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون، والإمام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم؛ كما قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنفرتم فانفروا» أخرجاه في الصحيحين. وفي الصحيح أيضاً عنه أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره؛ ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه». فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله: فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج إليه في الجهاد بعوض المثل؟ والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن، وقد قال الله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [التغابن: 16] وقال النبـي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم» أخرجاه في الصحيحين. فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال، كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن)28/50
أما إذا كانوا من أهل الشوكة الممتنعين , فإنهم يجب على ولي الأمرأن يقاتلهم حتى يلتزموا بالجهاد وقد سبق كلام شيخ الإسلام في وجوب قتال الممتنعين عن الشرائع الظاهرة مثل الجهاد .
وفي أجوبة التسولي للأمير عبد القادر:(أن المتنعين عن جهاد فرنسا يقاتلون قتال البغاة ) وسيأتي في الجزء الثالث .
ب ـ الهجرة واجبة لتكثير السواد

وهي واجبة لتكثير سواد المجاهدين ولو لم يتعين الجهاد لأن الكفاية لم تتحقق بعد قال القرطبي: (كل من علم بضعف المسلمين عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج اليهم)(3). 3- فتح الباري (6/30).
قال ابن العربي في أحكام القرآن (2/954): (وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل إذا تعين الجهاد على الأعيان بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو لحلوله بالعقر فيجب على كافة الخلق الجهاد والخروج فإن قصروا عصوا).

ج ـ الهجرة واجبة للإعداد للجهاد

وتجب الهجرة أيضا من أجل الإعداد , قال تعالى {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }.
فمن المعلوم المقطوع به أنه لا يمكن الإعداد للجهاد في سبيل الله في هذه البلاد وسائر بلاد المرتدين لأن ذلك من الإرهاب التي تعاقب عليه قوانينهم , فتعينت الهجرة لأجل ذلك واللحوق بالمجاهدين , لأن الإعداد واجب قد أمر الله به كما أمر بالجهاد , سيما إذا تحقق العجز, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

د ـ الهجرة واجبة للتحاكم

وتجب الهجرة واللحوق بصف المجاهدين لأجل التحاكم إلى الشريعة . فقد فرض الله على المسلمين التحاكم إلى شرعه قال سبحانه:"{ فلا وربك لايومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ...} الآية وقال :{ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروابه}
فإذا كان التحاكم إلى الشريعة واجب , وهو من أصل الدين , وحكام هذه الدولة الكافرة يمنعون من ذلك ويلزمون بالتحاكم إلى القانون , فقد وجبت الهجرة إلى جماعة المجاهدين في الجبال , حيث يحكم شرع الرحمن , فما لايتم الواجب إلا به فهو واجب .
قال القاضي أبو الوليد بن رشد ـ رحمه الله ـ في أول كتاب التجارة إلى أرض الحرب من مقدمات: فرض الهجر غير ساقط، بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الحرب أن لا يقيم بها حيث تجري عليه أحكام المشركين، وان يهجرها ويلحق بدار المسلمين حيث تجري عليه أحكامهما . اهـ
قال القرطبي في شرح مسلم: ولا يختلف في أنه لا يحل لمسلم المقام في بلاد الكفر، مع التمكن من الخروج منها، لجريان أحكام الكفر عليه، ولخوف الفتنة

هـ ـ الهجرة واجبة للزوم الجماعة السنية

كما جاء في حديث حذيفة عند مسلم حديث ( … فهل بَعْدَ هذا الخيرِ من شر؟ قال: نعم دعاةٌ على أبواب جهنم من أجابهم إليها قَذَفُوه فيها … قلت: فما تأْمُرُني إن أَدْرَكَني ذلك؟ قال: تَلْزَمُ جماعةَ المسلمين وإمامهم؛ قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفِرقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصل … )،فتح الباري 14/533 كتاب الفتن
وقوله "أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" ليس المراد في الحديث جماعة دعوية أو علمية وإنما جماعة لها شوكة وسلطان كما بينه لفظ آخر في الحديث قال ابن حَجَر: [ …زاد في رواية أبي الأسود" تَسمَعُ وتطيع وإن ضُرِبَ ظَهْرُكَ وأُخِذَ مالك" وكذا… عند الطبراني: "فإن رأيتَ خليفةً فالْزَمْهُ وإن ضَرَبَ ظَهْرَك، فإن لم يكن خليفةٌ فالهربَ"] نفس المصدر السابق
قال شيخ الإسلام تعليقا على الحديث بعد أن أورد هذا اللفظ :" فتبين أن الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان سواء عادلا أو ظالما...ولكن لا يطاع أحد في معصية الله"
وهذه الجماعة والسلطان صاحب الشوكة لا يكون لغير أهل الجهاد وقد صرح بذلك شيخ الإسلام في المجموع ( 18/158) : "- - قال ابن تيمية: ولهذا كانت السنة أن الذي يصلي بالناس هو صاحب الكتاب، والذي يقوم بالجهاد هو صاحب الحديد، إلى أن تفرق الأمر بعد ذلك، فإذا تفرق صار كل من قام بأمر الحرب من جهاد الكفار وعقوبات الفجار يجب أن يُطاع فيما أمر به من طاعة الله في ذلك. {الفتاوى ج 18/158}[6]
و ـ الهجرة واجبة للهروب من الفتن
فمعلوم أن هذه المجتمعات , زيادة إلى تلك الشركيات والكفريات التي سبق ذكرها , فأهلها معلنون بالمنكرات والفواحش من خمر و زنا ولواط وظلم وفساد , ولا نبالغ إن قلنا أن أهل هذا الزمان قد جمعوا منكرات الأقوام السابقة وزادوا عليها ولاحول ولاقوة إلابالله .
والواجب في مثل هذه الحال الفرار من هذه الفتن إلى الجبال والفيافي وإن لم يكن هناك جهاد , فكيف والطائفة المجاهدة موجودة وظاهرة .
قال عبد الرحمن بن حسن :
( قال البيهقي في شعبه , ما نصه : اعلم أن الهجرة على ضربين , ظاهر , وباطن , ثم قال : فالظاهر منها - أي : من الهجرة - الفرار بالجسد من الفتن , لقول النبي : (( أنا بريئ من أهل ملتين , لا تتراءا ناراهما )) فتبرأ النبي منهم , لعدم هذه الشعبة فيهم ، وهي : الهجرة , فهي إذاً من أعظم شعب الإيمان .
ولقول النبي - وقد ذكر الفتن - (( لا يسلم لذي دين دينه , إلا من فر من شاهق إلى شاهق )) قال الله تعالى : {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض } [ النساء : 97] .
وفي البخاري : والفرار من الفتن , من الإيمان ؛ فما كان من الإيمان فهو من شعبه بلا شك ؛ فالفرار ظاهر من بين ظهراني المشركين , واجب على كل مسلم ؛ وكذلك كل موضع يخاف فيه الفتنة في الدين , من ظهور بدعة ، أو ما يجر إلى كفر ، في أي بلد كان من بلدان المسلمين ، فالهجرة منه واجبة إلى أرض الله الواسعة ، انتهى ما ذكره البيهقي رحمه الله تعالى
وذكر ابن حجر عن صاحب المعتمد : أن الهجرة كما تجب من بلاد الكفار ، تجب من بلاد الإسلام إذا أظهر المسلم بها واجباً ، ولم يقبل منه , ولا قدر على إظهاره ، قال : ويوافقه قول الإمام البغوي ، في تفسير سورة العنكبوت ، في تفسير قوله تعالى : {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } [ العنكبوت : 56] قال : قال سعيد بن جبير : إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها ، فإن أرضي واسعة ، وقال عطاء : إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا ، فإن أرضي واسعة .

وكذلك يجب على كل من كان ببلد ، يعمل فيها بالمعاصي ، ولا يمكنه تغييرها الهجرة إلى حيث تتهيأ له العبادة ، لقوله تعالى : {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [ الأنعام : 68]

وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي في شعب الإيمان :
(...وكل بلد ظهر فيه الفساد وكانت أيدي المفسدين أعلى من أيدي أهل الصلاح أو غلب الجهل على أهله وتشعبت الأهواء بهم وضعفت العلماء وأهل الحق عن مقاومتهم واضطروا إلى كتمان الحق خوفا على أنفسهم من الإعلان به فهو كمكة قبل الفتح في وجوب الهجرة منها عند القدرة عليها ومن لم يهاجر ـ والحالة هذه ـ لم يكن من الأشحاء بدينه بل من السمحاء المتساهلين فيه) اهـ بتصرف من الدرر السنية 8/290ـ 294
وقال الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي في أسنى المتاجر (المعيار 2/121): (الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل بظلم أو فتنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوشك أن يكون خير مالي المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن "أخرجه البخاري والموطأ وأبو داود والنسائي وقد روى أشهب عن مالك :"لا يقيم أحد في موضع يعمل فيه بغير الحق " قال في العارضة : فإن قيل فإذا لم يوجد بلد إلا كذلك ؟قلنا يختار المرؤ أقلها إثما ..اهـ
قال اسحق بن عبد الرحمن بن حسن :(وقد تقرر في عبارات أئمتنا الحنابلة وغيرهم: أنهم يوجبون الهجرة بمشاهدة ما هو دون ذلك، حتى من بلد تظهر فيها عقائد أهل البدع، كالمعتزلة والخوارج والروافض. وقد حكى ابن العربي المالكي، عن ابن القاسم، قال: سمعت مالكا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسب فيها السلف ; وقال في "الإقناع وشرحه" - لما ذكرها -: فيخرج منها وجوبا، إن عجز عن إظهار مذهب أهل السنة فيها، فعلق الحكم بالوصف الذي هو وجود البدع، والمعاصي، لمن لا يستطيع إنكارها، لا بالدار. )الدرر السنية 12/ 395 ـ396


الأغراض الدنيوية ليست عذرا في ترك الهجرة والجهاد

قال الشيخ عبد الطيف :( , ومدراك الأحكام : ترد القول بإباحة ترك الفروض العينية , لأغراض دنيوية )8/332
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن : ( قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: ومن المحرمات ما يباح عند الضرورة، كالدم والميتة، فهذه في حال الإباحة ليست محرمة أصلاً، وليس له أن يعتقد تحريمها حينئذ؛ وإنما تنازع العلماء، هل السبب الحاظر لها موجود وقت الضرورة، وأبيحت للعارض الراجح، أو السبب الحاظر زائل ...
قال رحمه الله: فإن الأكل والشرب واجب، حتى لو اضطر إلى الميتة، وجب عليه الأكل عند عامة العلماء، لأن العبادة لا تؤدى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. انتهى. قلت: وهذا موجود في الهجرة وأولى، لأن العبادة لا تؤدى إلا بها، ولا يقوم الدين والعمل به إلا بالهجرة؛ فبالهجرة يحفظ المرء دينه، ويتمكن من العمل به، ويعادي ويوالي فيه، وغير ذلك من المصالح الدينية، التي تفوت الحصر... فإن ضرورة العبد إلى الهجرة فوق كل ضرورة، ولو كان فيها تلف النفس والمال، فالعبد مضطر إليها عند الحاجة إليها، أعظم من ضرورته إلى الطعام والشراب.
فغاية ما في الهجرة: بأن فيها مشقة في المبادئ على النفس، من جهة مفارقة المألوفات، من الوطن أو المال، أو غيرها من الأصناف الثمانية المذكورة في أول سورة براءة؛ وهذا شأن الشرائع، كالجهاد فإن فيه مشقة، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} الآية [ سورة التوبة آية: 81]، وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} الآية [سورة البقرة آية: 216]. ولم يعذر الله تعالى ناساً تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك، بما فيها من المشقة، حتى قال الله فيهم شر ما قال لأحد، فقال: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة التوبة آية: 95].ومن المعلوم: أنه ليس في ترك الجهاد من المفاسد في الدين ما في ترك الهجرة، بل المفاسد التي في ترك الجهاد موجودة في ترك الهجرة، وأكثر منها، كما لا يخفى على ذوي البصائر والفهم، وكان الجهاد من ثمرتها ومصالحها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: والشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تأمر بما يترجح مصلحته، وإن كان فيه مفسدة مرجوحة، كالجهاد، وتنهى عما ترجحت مفسدته، وإن كان فيه مصلحة، كتناول المحرمات من الخمر وغيره؛ ولهذا أمرنا الله أن نأخذ بأحسن ما أنزل إلينا من ربنا، والأحسن: إما واجب أو مستحب، قال تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [سورة الزمر آية: 55]، فأمر باتباع الأحسن والأخذ به، قال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة الزمر آية: 17-18]؛ فاقتضى أن غيرهم لم يهده. انتهى. الدرر السنية 8/ 241-244.


تم بحمد الله الجزء الثاني و يليه الجزء الثالث :
ردة الملتحقين بصف الطاغوت و جرائمهم








فهرست

³ الجزء الثاني
الواجب نحو هؤلاء الحكام الكفرة .................................... 1
1 ـ إعتقاد كفر هؤلاء الحكام ...........................................1
2 ـ إعتقاد أن ديار المسلمين التي تسلط
عليها المرتدون ديار كفر.............. 2
3 ـ وجوب بغض هؤلاء الحكام الكفرة ................................. 5
4 ـ وجوب عداوتهم .....................................................7
5 ـ وجوب موالاة المؤمنين المجاهدين ................................ 10
6 ـ إعتزال هؤلاءالحكام المرتدين ومباينتهم ........................... 11
7 ـ وجوب الهجرة من ديار المرتدين ................................. 15
8 ـ وجوب جهاد هؤلاء الحكام المرتدين .............................. 23
فضل الهجرة ..................................................... 30
مقاصد الهجرة ................................................... 31

٭ فصل خاص
مقاصد الهجرة على التفصيل ................................. 33
أ ـ الهجرة واجبة لأن الجهاد متعين ................................... 33
والجهاد متعين لأنه جهاد دفع وتاركه فاسق .............................. 38
ب ـ الهجرة واجبة لتكثير السواد .................................... 45

ج ـ الهجرة واجبة للإعداد للجهاد ..................................... 45
د ـ الهجرة واجبة التحاكم ............................................. 46
هـ ـ الهجرة واجبة للزوم الجماعة السنية ............................. 46
و ـ الهجرة واجبة للهروب من الفتن .................................. 47
الأغراض الدنيوية ليست عذرا في ترك الهجرة والجهاد ....................... 50
[1] في الأصل مجاهدا والصحيح أثبتناه , كما نبه عليه بعض العلماء .

[2] وهذا قول طائفة البيهسية من الخوارج . قال ابن حزم رحمه الله في كلامه عن ضلالات الخوارج : (وقالت العُوفية ــ وهم طائفة من البيهسية التي ذكرنا آنفا ــ إن الإمام إذا قضى قضية جور وهو بخراسان أو بغيرها حيث كان من البلاد ففي ذلك الحين نفسه يكفر هو وجميع رعيته حيث كانوا من شرق الأرض وغربها، ولو بالأندلس واليمن فَمَا بين ذلك من البلاد.) (الفصل) لابن حزم، 5/ 54 قال الشيخ سليمان ابن سحمان : (فإذا عرفت هذا، فهذا الرجل الذي من أهل الكويت، عاص لله بإقامته في هذا البلد الذي هو بلد كفر، لا يجوز للمسلم الإقامة فيه، لكنه بهذه الإقامة إنما يكون عاصياً، ولا يكفر بهذا الذنب إلا جنس الخوارج المكفرين بالذنوب. فقول القائل: إنه من إخوان المشركين بهذه الإقامة، خطأ محض، وأخاف أن يكون قد دخل في جملة من يكفِّر بالذنوب، نعوذ بالله من القول على الله بلا علم، ومن الجراءة على الأحكام الشرعية بلا دليل)الدرر السنية 5 / 377.
وهذا المعتقد كانت عليه أيضا الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائرفي عهد عنتر الزوابري , وظهرت بوادره في عهد سلفه جمال زيتوني , الذي استحل دماء طوائف كثيرة من الأمة بحجة موالاة الطاغوت أو المصلحة , و لما جاء عنتر عمم حكم التكفيرعلى جميع الأمة في بيان المفاصلة المعروف .
وقد أعلنت جماعة حماة الدعوة السلفية براءتنا من هذا المعتقد الخبيث في أول ظهوره من هذه الجماعة الضالة . ووفق الله الحماة لقتال هؤلاء المارقين حتى أظهرهم الله عليهم . وقطع دابرالفوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين .
وإذا صارت الدار دار كفر وجبت الهجرة منها على كل قادر. وسيأتي ذكرهذه المسألة بالتفصيل .

[3] وقد يدعي المرجئة الضالون المعطلون للجهاد أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم نهى عن قتال الأئمة ويسوقون بعض كلام شيخ الإسلام , كقوله مثلا :
( ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته ) منهاج السنة النبوية ج: 3 ص: 391
وكلام شيخ الإسلام واضح و صريح أنه في المنع عن الخروج على الأئمة المسلمين وليس الأئمة الكفار, ونحن نسوق من كلامه أيضا ما هو صريح في وجوب الحروج على الأئمة الكفرة

قال شيخ الإسلام : ( و كذلك أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالكف عن قتال هؤلاء الأئمة ما صلوا فعلم انهم لو تركوا الصلاة لقوتلوا و الإمام لا يجوز قتاله حتى يكفر و إلا فبمجرد الفسق لا يجوز قتاله و لو جاز قتاله بذلك لقوتل على تفويتها كما يقاتل على تركها ) شرح العمدة ج: 4 ص: 85
وقال أيضا : (كـل طائفـة خرجـت عن شريعـة مـن شـرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين....) (مجموع الفتاوى) 28/ 510 . وقد سبق نقل قوله هذا كاملا .

وأيضا أعظم ما يدندن حوله هؤلاء المرجئة هو مسألة المصالح والمفاسد , فيزعمون أنه يحصل في الخروج على هؤلاء الأئمة الكفرة مفاسد ويسوقون كذلك كلام شيخ الإسلام كقوله مثلا :
( ولهذا أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة؛ ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة، وقال: «أدوا إليهم حقوقهم، وسلوا الله حقوقكم»... ..
وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع. وجماع ذلك داخل في «القاعدة العامة»: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد. فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به؛ بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته؛ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام )
ونحن سنأتي ما ينقض زعمهم من كلامه أيضا بنفس قاعدة المصالح والمفاسد
قال رحمه الله :( فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما فيدفع اسوأهما باحتمال أدناهما واما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما بل فعل الحسنه مستلزم لوقوع السيئة وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة فالأول كالواجب والمستحب وكفرض العين وفرض الكفاية... والثالث كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها بدار الحرب... وكتقديم قتل النفس على الكفر كما قال تعالى والفتنه أكبر من القتل فتقتل النفوس التى تحصل بها الفتنه عن الايمان لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس وكتقديم قطع السارق ورجم الزانى وجلد الشارب على مضرة السرقه والزنا والشرب وكذلك سائر العقوبات المأمور بها فانما أمر بها مع أنها فى الأصل سيئه وفيها ضرر لدفع ما هو أعظم ضررا منها وهى جرائمها إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير الا بهذا الفساد الصغير وكذلك فى باب الجهاد وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراما فمتى احتيج الى قتال قد يعمهم مثل الرمى بالمنجنيق والتبييت بالليل جاز ذلك كما جاءت فيها السنه فى حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق وفى أهل الدار من المشركين يبيتون وهو دفع لفساد الفتنه أيضا بقتل من لا يجوز قصد قتله وكذلك مسأله التترس التى ذكرها الفقهاء فان الجهاد هو دفع فتنه الكفر فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي الى قتل اولئك المتترس بهم جاز ذلك وأن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد الا بما يفضي الى قتلهم ففيه قولان ومن يسوغ ذلك يقول قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء ومثل ذلك إقامة الحد على المباذل وقتال البغاة وغير ذلك ومن ذلك إباحة نكاح الأمة خشية العنت وهذا باب واسع أيضا وأما الرابع فمثل أكل الميتة عند المخمصة ... ) مجموع الفتاوى ج: 20 ص: 51 ـ 53


[4]
وإذا لم توجد الجماعة السنية فإنه يجوز للمسلم أن يقاتلهم لوحده
-قوله تعالى: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا تفسك وحرض المؤمنين} {النساء:84} قال القرطبي: "هي أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن المنافقين وبالجد في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك". ثم قال: " ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو لوحده" {أحكام القرآن 5/293}
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: مسألة: ويُغزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق ومع المتغلب والمحارب، كما يُغزى مع الإمام، ويغزهم المرء وحده. {المحلي 7/299}
قال الشوكاني: وقد اختلف المسلمون في غزو الكفار إلى ديارهم هل يشترط فيه الإمام الأعظم أم لا؟ والحقّ أنّ ذلك واجب على كل فرد من أفراد المسلمين، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية مطلقة غير مقيدة. {الرسائل السلفية}.
- قول أبي بكر رضي الله عنه في قتال المرتدين: " والله لو لم يبق إلا الذر لجاهدتهم به" فانظر إلى الصديق رضي الله عنه كيف يرى وجوب مقاتلة هؤلاء المرتدين ولو وحده دون بقية الناس

[5] قال الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـ :( وبيقين يدري كل مسلم في العالم أن من استقاه مسلم وهو قادر على أن يسقيه فتعمد أن لا يسقيه إلى أن مات عطشا فإنه قد اعتدى عليه بلا خلاف من أحد من الأمة . وإذا اعتدى فواجب بنص القرآن أن يعتدي على المعتدي بمثل ما اعتدى به فصح قولنا بيقين لا إشكال فيه . وأما إذا لم يعلم بذلك فقد قتله إذ منعه ما لا حياة له إلا به فهو قاتل خطأ فعليه ما على قاتل الخطأ . قال أبو محمد : وهكذا القول في الجائع والعاري ولا فرق . وكل ذلك عدوان وليس هذا كمن اتبعه سبع فلم يؤوه حتى أكله السبع لأن السبع هو القاتل له , ولم يمت في جنايتهم , ولا مما تولد من جنايتهم . ولكن لو تركوه فأخذه السبع وهم قادرون على إنقاذه فهم قتلة عمد , إذ لم يمت من شيء إلا من فعلهم. وهذا كمن أدخلوه في بيت ومنعوه حتى مات ولا فرق . وهذا كله وجه واحد . وبالله تعالى التوفيق ) المحلى ج: 10 ص: 523 وكلام أهل العلم في مسلم من عامة الناس فخواصهم أولى بهذا الحكم لاسيما أهل الجهاد منهم . لأن حفظ نفوس المجاهدين حفظ للدين بخلاف غيرهم .