الجزء الرابع
من : العاصمة من الردة القاصمة



الرد على شبهات المجادلين عن المرتدين
الملتحقين بصف الطاغوت






.

الفصل الأول :
الرد على الشبهات إجمالا






1ـ الظلم ليس عذرا في إباحة الالتحاق بصف الطاغوت

قد يدعي بعض هؤلاء الفارين أنه التحق بالطاغوت بسبب الظلم والاعتداء الذي يقع بسبب بعض المجاهدين والجماعات وقد يتعلق ببعض كلام أهل العلم كقول ابن حزم ـ رحمه الله ـ :( وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره . وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب كان عازما على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه وهو كان الوالي بعد هشام فمن كان هكذا فهو معذور اهـ المحلى 13/125
والجواب : هو كالتالي:
أولا: ينبغي أن يعرف أن الفرار من صفوف المجاهدين إلى الطاغوت ردة ـ كما سبق بيانه بالأدلة وأقوال أهل العلم ـ ومن ذلك قول ابن حزم ـ رحمه الله ـ: (من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها , من وجوب القتل متى قدر عليه , ومن إباحة ماله , وانفساخ نكاحه وغير ذلك ) المحلى 139_140
الثاني:أن يعلم ان الكفر لا يباح إلا بالإكراه الملجئ كالقتل والتعذيب وغيره، قال تعالى {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الله: (فحكم تعالى حكما لا يبدل : أن من رجع عن دينه إلى الكفر فهو كافر، سواء كان له عذر خوفا على نفس أو مال أو أهل أو لا، وسواء كفر بباطنه وظاهره، أم بباطنه دون ظاهره، وسواء كفر بفعاله أو مقاله، أو بإحداهما دون الآخر، وسواء كان طامعا في دنيا ينالها من المشركين أم لا، فهو كافر على كل حال، إلا المكره، وهو في لغتنا: المغصوب.
فإذا أكره إنسان على الكفر، أو قيل له أكفر وإلا قتلناك، أو ضربناك، أو أخذه المشركون فضربوه، ولم يمكنه التخلص إلا بموافقتهم، جاز له موافقتهم في الظاهر، بشرط ان يكون قلبه مطمئنا بالإيمان، أي ثابتا عليه معتقدا له، فأما إن وافقهم بقلبه، فهو كافر ولو كان مكرها.
وظاهر كلام احمد : أنه في الصورة الأولى لا يكون مكرها حتى يعذبه المشركون، فإنه لما دخل عليه يحيى بن معين وهو مريض، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام، فما زال يعتذر ويقول حديث عمار، وقال الله:{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى لا يقبل عذرا، فلما خرج يحيى قال أحمد: يحتج بحديث عمار وحديث عمار مررت بهم وهم يسبونك، فنهيتهم فضربوني، وأنتم قيل لكم نريد ان نضربكم فقال يحيى: والله ما رأيت تحت أديم السماء أفقه في دين الله منك ) الدرر السنية 8/131_132

الثالث: ينبغي أن يكون الظلم الذي فر من أجله هذا المدعي قد بلغ حد الإكراه لأن الظلم درجات متفاوتة , فمنه ما يصل إلى القتل والتعذيب , ومنه دون ذلك . والأول هو المبيح للكفر, كالظلم الذي كانت تفعله الجماعة الإسلامية المسلحة الضالة في عهد عنتر زوابري.
الرابع: ثم إن هذا الفرار الذي يوقع في الردة والذي أبيح بسبب الإكراه ينبغي أن يتجرد من محاربة المجاهدين والمظاهرة عليهم , وإن كانوا من الخوارج لأنه لا يجوز مظاهرة الكافر على المسلم.
الخامس: ثم إن الظلم الذي بلغ حد الإكراه لا يكون مبيحا للفرار إلى صفوف الطاغوت ومحاربة المجاهدين والارتداد عن الدين إلا إذا اضطر الانسان إلى ذلك , ولم يجد غير تلك الجماعة , أما إذا وجد سبيلا آخر يلتجئ إليه وجماعة أخرى يحتمي بها من هذا الظلم ويحفظ دينه فهنا لا يجوز له الالتحاق بالطاغوت والوقوع في الكفر, بل يتعين عليه اللجوء والانضمام إليها , كما فعل كثير من مجاهدي الجماعة الإسلامية المسلحة.
هذا كله يستفاد من كلام ابن حزم السابق الذي قد يحتج به ذلك المدعي:
ـ فما ذكره عن الزهري وأنه كان عازما على الالتحاق بأرض الروم لأن الوليد بن يزيد كان قد نذر دمه ، يبين أن الظلم قد بلغ القتل , وهو حد الإكراه المبيح للفرار إلى أرض العدو.
ـ وقوله:" ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم" فهذا يُبين أن الفار إلى أرض الحرب , وإن جاز له دخولها والاحتماء بسلطانها ، لا يجوز له إعانة أهلها الكفار على المسلمين .
ـ وقوله:" ولم يجد من المسلمين من يجيره" وهذا أيضا قيد آخر, وهو انه لم يجد أمامه إلا الفرار إلى أرض الكفر والحرب , ولم يجد أحد المسلمين يستطيع أن يجيره ويحميه من هذا الظلم.
وهذه الصورة بهذه القيود فقط : هي التي تبيح له الاتحاق بدار الكفر والحرب , وهي لا تنطبق على هؤلاء الفارين إلى صفوف الطاغوت , حتى وإن كانوا في صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة ، لأنه يوجد كثير من المجاهدين في غير هذه الجماعة الظالمة من يستطيع أن يأويهم ويحميهم من ظلم الجماعة الإسلامية المسلحة ، كما يمكن لهؤلاء أن يعيشوا وحدهم في الجبال ويمتنعون عن هؤلاء الظلمة كما هو الواقع .
ثم إن هؤلاء الفارين ما إن يصلوا إلى دار الكفر ويلتحقوا بصفوف الطواغيت يقعوا في موبقات عظيمة ومنها : محاربة المجاهدين بالقول والفعل والمظاهرة عليهم ، أحبوا أم كرهوا، وإن كان أغلب هؤلاء يفعل ذلك عن طواعية.
وبالتالي لايكون لهؤلاء المدعين حجة في قول ابن حزم ـ رحمه الله ـ السابق، ثم إن الحجة هي في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وإجماع أهل العلم وليس في قول فلان أو فعله , وهو كلام كثير ما يردده ابن حزم في الرد على خصومه .
كما ينبغي أن يعلم أن ردة هؤلاء الملتحقين بالطاغوت تقتضي الإقامة على الكفر بالدخول تحت طاعة المرتدين والإلتزام بأحكامهم، ومحاربة المجاهدين وغيرها من الموبقات التي سبق ذكرها ، وهذه الصورة تختلف عن صورة من أكره على قول الكفر أو فعله مرة واحدة ، ولم يستمر على ذلك، وهي الصورة التي وقعت لعمار بن ياسر رضي الله عنه حينما نطق بالكفر تحت التعذيب , وبسبب ذلك نزلت الآية السابقة.
ولذلك لما سئل الإمام أحمد عن مثل هذه الصورة، كرهها كراهة شديدة، قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ: (سئل الإمام أحمد عن الرجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة، وقال: (ما يشبهه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا , وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم ) .المغني (10/107)
ولفظ الكراهة في كلام أحمد وغيره من السلف يدل على التحريم (انظرإعلام الموقعين 1/32) فهذا الفعل عنده يحرم حرمة شديدة، ولا يرخص لصاحبه في هذا النوع من الردة بسبب الإكراه. لأن ذلك يفضي إلى الإنسلاخ عن الدين كلية. قال ابن قدامة عقب كلام الإمام أحمد: (وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها , وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات وإن كان إمرأة تزوجوها واستولدوها أولادا كفارا وكذلك الرجل، وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والإنسلاح عن الدين الحنيفي ) المغني (10/107)
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ( لو نقدر أن السلطان ظلم أهل المغرب ظلماً عظيماً في أموالهم وبلادهم , ومع هذا خافوا استيلاءهم على بلادهم ظلماً وعدواناً , ورأوا أنهم لا يدفعونهم إلا باستنجاد الفرنج وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم إلا أن يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم , وهو الحق ودين السلطان هو الباطل , وتظاهروا بذلك ليلاً ونهاراً , مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج ولم يتركوا الإسلام بالفعل , لكن لما تظاهروا بما ذكرنا ومرادهم دفع الظلم عنهم هل يشك أحد أنهم مرتدون في أكبر ما يكون من الكفر والردة إذ صرحوا أن دين السلطان هو الباطل مع علمهم أنه حق , وصرحوا أن دين الفرنج هو الصواب ) تاريخ نجد ص 267 . قال علي بن خضير الخضير في تقديمه لكتاب التبيان في كفرمن أعان الأمريكان :( فمقصدهم دفع ظلم السلطان لكن استعانوا بالفرنج ومدحوهم بأنكم أهل عدل وفيكم خير كثير وأهل ديمقراطية ( وهذا هو دين الفرنج )، وانظر نقل الإجماع على كفرهم ) اهـ
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ أيضا :( أترى أهل الشام ( أي معاوية ومن معه ) لو حملهم مخالفة علي بن أبي طالب على الاجتماع بهم ( أي بالغالية الذين حرقهم علي بن أبي طالب لما أشركوا ) والاعتذار عنهم ( أي الاعتذار عن الذين أشركوا ) والمقاتلة معهم لو امتنعوا أترى أحداً من الصحابة يشك في كفر من التجأ إليهم ولو أظهر البراءة من اعتقادهم وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان فتفكر في هذه القضية فإنها لا تبقى شبهة إلا على من أراد الله فتنته ) تاريخ نجد ص 338[1]
2ـ الرد على:( شبهة التأويل )

قد يدعي البعض أنه لا يجوز إطلاق حكم الردة على هؤلاء الملتحقين بصفوف الطاغوت لأنهم متأولون بفعلهم هذا، وذلك لأنهم أخذوا بفتوى أهل العلم، والتأويل مانع من موانع التكفير. وعليه فهم مسلمون وليسوا بمرتدين ولا يجوز قتلهم.
الجواب:
ـ أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة قبل التحاقهم بالطاغوت فهم يعلمون حكم الله في هذه المسألة ، وهو أن من التحق بصف الطاغوت من المجاهدين مرتد عن دين الإسلام، وكانوا يعتقدون هذا وهم بين أظهر المجاهدين، كما أن أغلبهم كانوا على علم بفتوى العلماء قبل التحاقهم بالجهاد ـ أي تمنع من قتال المرتدين ـ وهذه الفتوى مشهورة عند المجاهدين في الجبال وعند الشعب، ومع اشتهار هذا الأمر وبقاء هؤلاء المرتدين مدة طويلة بين المجاهدين، لم يبد أحد منهم عدم الاقتناع بالجهاد ولم يسأل عن هذه الفتوى، مع وجود من يثق فيهم من أهل العلم في صفوف المجاهدين ويمكنه أن يسألهم بل كان يعتقد بطلانها , فهذا كله يبين أن حكم الله قد بلغهم بدون شبهة ولا تأويل، وأن حجة الله قد قامت عليهم .
ـ : أن شبهة العلماء تتعلق بترك الجهاد وليس بالتحاكم إلى الطاغوت، ومحاربة المجاهدين بالقول والفعل وغيرها من المكفرات , التي سبق ذكرها، ونحن إنما كفرناهم بأمور يعتقدون هم أنها مكفرة، والعلماء لم يفتوهم بجواز فعل هذه المكفرات، فإن كانوا معذورين في ترك الجهاد فهم ليسوا بمعذورين في فعلهم لتلك المكفرات.
ثم من أفتاه بجواز ذلك فقوله مردود ولاعبرة بخلافه لأن فتواه مصادمة لنصوص قطعية وإجماعات صريحة , فمسائل الموالاة والمعاداة من المسائل الظاهرة التي لايعذر فيها بالجهل ولا بالتأويل .
قال الإمام الونشريسي في رده على من جوز الإقامة بين أظهر المشركين في فتواه المشهورة التي ذكرها في المعيار. وبعد أن ساق كثيرا من الآيات في الموالاة قال: (وتكرار الآيات في هذا المعنى وجريها على نسق وتيرة واحدة مؤكد للتحريم ورافع للإحتمال المتطرق إليه، فإن المعنى إذا نص عليه وأكد بالتكرار فقد ارتفع الاحتمال لا شك، فتعاضدت هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والإجماعات القطعية على هذا النهي، فلا تجد في تحريم هذه الإقامة وهذه الموالاة الكفرانية مخالفا من أهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهو تحريم مقطوع به من الدين كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وقتل النفس بغير حق وأخواته من الكليات الخمس التي أطبق أرباب الملل والأديان على تحريمها، ومن خالف الآن في ذلك أو رام الخلاف من المقيمين معهم والراكنين إليهم فجوز هذه الإقامة واستخف أمرها واستسهل حكمها فهو مارق من الدين مفارق لجماعة المسلمين ومحجوج بما لا مدفع فيه لمسلم ومسبوق بالإجماع الذي لا سبيل إلى مخالفته وخرق سبيله )

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المرتدين أتباع مسيلمة وغيرهم ( وقد أجمع العلماء أنهم مرتدون ولوجهلوا ذلك ) الدرر 8/118
قال عبد الطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في توضيح كلام ابن تيمية :( إن الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح رحمه الله (أي ابن تيمية )في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الإستتابة ولم يعذرهم بالجهل) منهاج التأسيس 101 والدرر10/432ـ433
ونقل أبو بطين من كلام ابن تيمية ( إن الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين الإسلام مثل الأمر بعبادة الله وحده لاشريك له ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحوذلك يكفر مطلقاـ أي لايعذر بالجهل ولابالتأويل ) 10/ 372 ـ373 قال علي الخضير في مقدمته لكتاب التبيان في كفر الإمريكان ـ بعد نقله لكلام العلماء السابق ـ
" وهذا نقل واضح ومن أهم النقول عندنا في أن معاداة اليهود والنصارى والمشركين من المسائل الظاهرة التي لايعذر فيها بالجهل ولا بالتأويل لمن كان عائشا بين المسلمين في العالم الإسلامي وقال عن ابن تيمية ( ماظهر أمره وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر فإنه لايعذر ) الدرر 10/388 ـ إلى أن قال ـ
وحكى ابن تيمية اتفاق الصحابة والأئمة أن من جحد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة كالصلاة والصيام والحج أو جحد تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالفواحش وجحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كاللحم فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن أضمر ذلك كان زنديقاً منافقاً) الفتاوى 11/405 . فلم يعذره في الأركان الأربعة فكيف بأولها وهو أعظمها ؟ . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( ابن تيمية لا يعذر في المسائل الظاهرة ) الدرر9/405 . 4 ـ قال ابن تيمية في شرح العمدة ص51 (فيمن جحد وجوب الصلاة بجهل أنه يُعرّف كحديث العهد ومن نشأ في بادية هي مظنة الجهل وإن عاندكفر ، وقال : إن هذا أصل مطرد في مباني الإسلام الخمسة ، وفي جميع الأحكام الظاهرة المجمع عليها ، وأما الناشئ في ديار الإسلام ممن يُعلم أنه قد بلغته هذه الأحكام فلا يُقبل قوله أنه لم يعلم ذلك ) بتصرف . ووجه الدلالة : واضح هنا كالذي قبله . 5 ـ قال أبوبطين في نقله عن ابن تيمية في الدرر10/368 إن كلامه رحمه الله يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة. "ا.هـ كلام الخضير
وأيضا فقد أفتى علماء الجمعية أيام الإستعمار الفرنسي بكفر المتجنس بجنسية فرنسا ولم يعذروه بالجهل ولا بالتأويل , مع كثرة الجهل يومئذ في الأمة ووجود من يفتيهم بجواز ذلك من علماء الطرقية, فكان يحكم علىالمتجنس بالردة عينا ولايصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين .
ـ وعلى فرض أن هؤلاء متأولون، فالتأول مانع من التكفير وليس مانعاً من العقوبة , وهؤلاء مفسدون بردتهم لا ينتهي شرهم إلا بقتلهم.
ألا ترى أن الخوارج وسائر المارقين يقتلون وإن كانوا لا يكفرون لمانع التأويل، والداعية إلى بدعته يقتل، ولا يحكم بكفره، ومع ذلك يقتل لفساده في الأرض . والجاسوس عند من لا يكفره من العلماء ويحكم بقتله[2] .
ومن المعلوم أن الجاسوسية إحدى أوصاف هؤلاء الملتحقين بصف الطاغوت , وهي من أعظم مفاسدهم التي يستحقون العقوبة عليها بمجردها , زيادة على تلك الموبقات الأخرى . فإنهم يصيرون جواسيس فور وصولهم إلى معسكر المرتدين ونقلهم إليهم أخبار المجاهدين مفصلة .
جاء في شرح الكبير للدردير عن معنى الجاسوس: " كأن يكتب لهم كتابا أو يرسل رسولا بأن المحل الفلاني للمسلمين لا حارس لهم فيه ليأتوا منه " أوكماقال الشافعي في الأم :" يكتب ـ الجاسوس ـ إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم "
أو كما وقع في غزوة هوازن جاء في صحيح البخاري : أتى النبي عين من المشركين فجلس عند أصحابه يتحدث"الفتح16/168 وفي صحيح مسلم :"...ثم تقدم فجلس يتغذى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد " وفي مسند أحمد: "...وهو طليعة الكفار" أي من يأتيهم بالأخبار.
قال ابن القيم:" قال سحنون إذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل ولم يستتب وماله لورثته... وقال ابن القاسم: يقتل ولايعرف لهذا توبة , وهو كالزنديق" زاد المعاد 5/64ـ65
وفي منح الجليل في مختصرخليل :" والمسلم العين كالزنديق في تعين قتله وإن أظهر التوبة بعد الإطلاع عليه, وقبول توبته إن أظهرها قبل الإطلاع عليه" 3/163
ـ ثم إن هؤلاء الفارين بعد لحوقهم بالطاغوت يصيرون ممتنعين والممتنع لا يمكن إقامة الحجة عليه وإزالة شبهته إن كان متأولا، لذلك نص العلماء على أن الممتنع لا يستتاب ـ كما سيأتي في كلام صاحب المغني وشيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ـ والاستتابة قد تكون بمعنى إزالة موانع التكفير من جهل وتأويل , وقد تكون بمعنى طلب التوبة والرجوع عن الذنب، هذا الذي يفهم من كلام أهل العلم .

3 ـ الرد على من قال : إذا كان الملتحقون بصف الطاغوت مرتدين فإن المرتد تجب استتابته ؟

الجواب من وجهين:
الأول: أن هؤلاء مرتدون محاربون إما بالفعل كالخروج في صف الطاغوت لمحاربة المجاهدين أو بالقول كإطلاع العدو على عورات المجاهدين، والمرتد إذا ظهرنا عليه فإنه لا يسقط عنه الحد ولو تاب لأن التوبة تكون قبل القدرة عليه قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} ..الآية , قال شيخ الإسلام : ( لم نعلم مخالفا في أن المحاربين إذا أخذوا قبل التوبة وجب إقامة الحد عليهم وإن تابوا بعد الأخذ , وذلك بين في الآية فإن الله أخبر أن جزاءهم هذه الحدود الأربعة [إلا الذين تابوا قبل أن يقدر عليهم] فالتائب قبل القدرة ليس جزاؤه شيئا من ذلك وغير هذا جزاؤه جزاء أصحاب الحدود, تجب إقامتها على الأئمة لأن جزاء العقوبة إذا لم يكن حقا لآدمي حي بل كان حدا من حدود الله وجب استيفاؤه باتفاق المسلمين ) الصارم 3ص 710
وهذا المرتد داخل في هذه الآية لأنه محارب للمسلمين المجاهدين بلسانه أو يده قال شيخ الإسلام: ( والمرتد المؤذي لا ريب أنه محارب لله ورسوله ..ومحاربة المسلمين محاربة لله ورسوله ..وأولى بهذا الاسم من قاطع ونحوه لأن ذلك مسلم لكن لما حارب المسلمين على الدنيا كان محاربا لله ورسوله , فالذين يحاربهم على الدين أولى أن يكون محاربا لله ورسوله ) الصارم المسلول 3ص725
وإذا كان العلماء قد اتفقوا على وجوب إيقاع إحدى العقوبات الواردة على المحاربيين، فإن هذا المرتد وجب عقابه وقد تعين القتل بما سبق من أدلة .
الثاني: ليس كل من كان مرتدا فإنه تجب فيه الاستتابة بل هناك أنواع يقتلون بدون استتابة , كما دلت على ذلك السنة الصحيحة , قال شيخ الإسلام :في الصارم المسلول 3 ص165 (فليس كل من وقع عليه اسم المرتد يحقن دمه بالإسلام فإن ذلك لم يثبت بلفظ عام عن النبي ـ صلى الله ليه سلم ـ وأصحابه وإنما جاء عنه وعن أصحابه في أناس مخصوصين أنهم استتابوهم أو أمروا باستتابتهم ثم إنهم أمروا بقتل الساب وقتلوه من غير استتابة وقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قتل العرنيين من غير استتابة , وأنه أهدر دم بن الأخطل ومقيس بن صبابة وبن أبي السرح من غير استتابة , وقتل منهم اثنين وأراد أصحابه أن يقتلوا الثالث بعد أن جاء تائبا )اهـ و قد بين شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ سبب هذا التفريق فقال : (الردة على قسمين ردة مجردة وردة مغلظة شرع القتل على خصوصها , وكلاهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها , والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعم القسمين , بل إنما تعم القسم الاول .) ثم بين ـ رحمه الله ـ : أن الردة المغلظة ما اقترنت بحرابة بقول أو فعل , قال : ( وبالجملة من كانت ردته محاربة لله ورسوله بيد أو لسان فقد دلت السنة المفسرة للكتاب أنه كفر كفرا مزيدا لا تقبل توبته منه ) الصارم3 ص699 . وقال في الصفحة 644 ( التوبة التي تحقن الدم دم المرتد إنما هي التوبة عن الكفر, فأما إن ارتد بمحاربته مثل سفك الدم وأخذ المال كما فعل العرنيون أو كما فعل مقيس بن صبابة حيث قتل الأنصاري واستاق المال ورجع مرتدا فهذا يتعين قتله , كما قتل ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ مقيس بن صبابة وكما قيل له في مثل العرنيين [إنما جزاؤهم أن يقتلوا] { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأر ض فسادا أن يقتلوا } الآية , فكذلك من تكلم بكلام من جنس المحادة والمحاربة لم يكن بمنزلة من ارتد فقط )
ثم على فرض أن هؤلاء يستتابون قبل قتلهم , فإنهم ليسوا في قبضة المجاهدين بل هم ممتنعون , والممتنع لا يستتاب قال ابن قدامة في المغني: (لو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه , لأنه صار حرباً حكمه حكم أهل الحرب) 10/82 . قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص / ج3 ص601 ( ولأن المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب , أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام , فإنه يقتل قبل الإستتابة بلا تردد ) وقال أيضا في بعض المرتدين المحاربين الذين قتلهم ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ :(وأما ابن أبي سرح وابن الأ خطل ومقيس بن صبابة فإنه كانت لهم جرائم زائدة على الردة , كذلك العرنيون , فإن أكثر هؤلاء قتلوا مع الردة وأخذوا الأموال فصاروا قطاع طرق ومحاربين لله ورسوله , ومنهم من كان يؤذي بلسانه إذ صار به من جنس المحاربين , لذلك لم يستتابوا , على أن الممتنع لا يستتاب , وإنما يستتاب المقدور عليه )
والإمتناع قد يكون بالفرار والإختفاء , وكل من لم يؤخذ فهو ممتنع قال شيخ الإسلام ـرحمه الله ـ: (وكل من لم يؤخذ فهو ممتنع لاسيما إذا لم يؤخذ ولم تقم عليه حجة , وذلك لأن الرجل وإن كان مقيما فيمكنه الإستخفاء والهرب كما يمكن المصحر فليس كل من فعل جرما كان مقدورا عليه , بل يكون طلب المصحر أسهل من طلب المقيم إذا كان لا يواريه في الصحراء خمر ولا غيابة[3] بخلاف المقيم في المصر, وقد يكون المقيم له من يمنعه من إقامة الحد عليه ) 740ـ 741

4ـ الرد على من قال : ليس كل من يلتحق بالطاغوت يحارب؟

قد يقول قائل:ليس كل من فر من صفوف المجاهدين إلى الطاغوت يعتبر محاربا بل هناك من لا يحارب المجاهدين بقول أو فعل ؟
نقول : إن كان مراد هؤلاء المجادلين أن هناك من المرتدين من لا يعلن بمحاربته للمجاهدين كالخروج مع المرتدين في القتال أو تتبع المتصلين , نقول إن كان مرادهم هذا , فإن هناك نوعا آخر من الحرب غير هذه , وهي إمداد العدو بالمعلومات : عن مراكز المجاهدين ومسالكهم ومتصليهم وخططهم وعددهم وعدتهم وأماكن تواجد أمرائهم وغيرذلك من أسرارهم . وهذه الحرب الخفية هي أشد وأنكى من الحرب المعلنة , وهذه لا يستثنى منها أحد من هؤلاء المنهزمين , لأن العدو في حربه للمجاهدين إنما يعتمد أساسا على هذه المعلومات المهمة التي لا سبيل له إليها إلا من طريق هؤلاء المرتدين .
وهذا النوع من الحرب الذي يقوم به هؤلاء أنفع للعدو من خروجهم في صفه , لأن له من الجنود ما يغنيه عن هؤلاء المجرمين في مباشرته لهذه الحرب .وهذا لا يعني أن الطاغوت يعفيهم من هذه الحرب, فالعدو في الغالب يلزمهم بالخروج معه حين يريد قتال المجاهدين لتأكيد تلك المعلومات أو كشف بعض الأسرارأو بعض المسالك التي تحتاج إلي حضورهم , أو استخراج بعض الأمور المخبأة هذا من جهة . ومن جهة أخرى يريد الطاغوت الإنتقام منهم بذلك , وإذلالهم وكثيرا ما رآهم المجاهدون خلال التمشيط قد جعلهم العدو في مقدمة الجيش بلباس عسكري أحيانا أو بلباس مدني مميز, وربما كانوا مكبلين , في خزي وذل .
وأحيانا يمسك الطاغوت عن استعمالهم في الحرب الظاهرة كاستصحابهم معه في التمشيط مثلا , وهذا إنما يفعله الطاغوت تنفيذا لخطة معينة يكيد بها لأهل الجهاد , يريد بذلك استدراجهم للردة , ولكن ما أن تنقضي فترة الكيد حتى يعود إلى طبعه وأصله , وأحيانا قبل نهاية تلك الفترة , إذا فاجأه مالا صبر له عليه , كما حدث للمرتد المحارب المدعو"عبيدة " فإنه في أول الأمر لم يستعمله في حرب ظاهرة ضد المجاهدين , ولكن بعد قيام المجاهدين الحماة بعمل قتالي هز عروش الطاغوت ناحية "مسينا " بالشلف , والذي سقط فيه مقدم وكثير من قيادات الجيش , أخذ ذلك المرتد عبيدة من بيته, ثم دخل الطاغوت مستصحبا إياه في تمشيطه على المجاهدين , وأخبره بمواقع المجاهدين , وخاصة مركز الطلبة وتكلم في جهاز المخابرمنادياعلى المجاهدين الذين يعرفهم، والأمثلة كثيرة .
والأصل في هؤلاء الملتحقين بصف الطاغوت أنهم محاربون ـ بناء على دستور الطاغوت وقوانين الردة التي أصدرها في شأنهم ـ والتي تلزمهم بحرب المجاهدين , كما تقدم , وهوأيضا دليل واقعي يريده الطاغوت منهم للتأكد من صحة توبتهم( بالمفهوم الطاغوتي) حتى يرضى عنهم , والواقع خير شاهد على ذلك .
وإذا كان الأصل فيهم الحرابة , فإن ذلك يتحقق بمجرد انفصالهم عن معسكر المجاهدين وتوجههم إلى معسكر المرتدين , فمجرد ذلك محاربة ولولم يلتحقوا بمراكز العدو ويعلنوا الحرب على المجاهدين , لأنه شروع في المحاربة والشروع في المحاربة محاربة وإن لم تقع فعلا, فهي واقعة حكما , وإن لم تقع حقيقة يدل على هذا فعل حاطب ـ رضي الله عنه ـ فقد استحق القتل على ما صدر منه رغم أن فعله الذي كان يريده لم يتحقق , فالجرم الحقيقي أن يخبر العدو بمسير رسول الله صل الله عليه وسلم , فهذا هو الذي يترتب عليه العقاب في الحقيقة , فهذا لم يقع , وإنما الذي وقع إرساله تلك الرسالة التي تحمل الخبر, ولكنها وقعت بأيدي الصحابة قبل وصولها فاستحق على ذلك العقاب , فدل هذا على أن الإنسان يؤاخذ بقصده إلى الحرام إذا ظهر ذلك القصد في قول أو فعل , وإن لم يقع الحرام , وهذه الدلالة ظاهرة في قصة حاطب رضي الله عنه ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى {ويسعون في الأرض فسادا}
قال شيخ الإسلام:( إنه نصب على المفعول له أي ويسعون في الأرض للفساد كما قال {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ }. والسعي هو العمل والفعل , فمن سعى ليفسد أمر الدين فقد سعى في الأرض فسادا وإن خاب سعيه .
وقيل :إنه نصب على المصدر أو على الحال وتقديره سعى في الأرض مفسدا كقوله {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أوكما يقال جلس قعودا . وهذا يقال لكل من عمل عملا يوجب الفساد وإن لم يؤثر لعدم قبول الناس له وتمكينهم إياه بمنزلة قاطع الطريق إذا لم يقتل أحدا ولم يأخذ مالا )الصارم المسلول3ص732 733
وأخيرا لاشك أن القول بأنه لايتعرض المجاهدون لأحد من هؤلاء المفسدين إلا إذا أبدى لنا الحرابة وأظهرها يفتح على المجاهدين باب شر عظيم , فإن هذا يستلزم الإمتناع عن التعرض لكل من وجد فارا إلى الطاغوت , ولانعاقبه حتى يلتحق بالطاغوت ويفسد في الأرض . وتصور هذا القول يكفي في الحكم على فساده .

5 ـ الرد على من ادعى أنه أكره على محاربة المجاهدين

وقد يدعي بعض هؤلاء المرتدين :أنهم لا يريدون حرب المجاهدين ولكن يكرههم الطاغوت على الخروج في صفه أو التجسس على المجاهدين أو غير ذلك وهذا في نظرهم عذر يدرأ عنهم العذاب والعقاب؟
الجواب: أن هذا الإكراه المزعوم لا عبرة به إن وقع , كيف يكون معتبرا وقد أوقع ـ هذا المرتد ـ نفسه فيه باختياره والتحق بالطاغوت بإرادته وهو يعلم أنه ضعيف مقهور, والطاغوت له من القوة ما يستطيع إجباره على ذلك , ولا يستطيع الإمتناع . ثم إنه ليس كل إكراه معتبر و إليك أقوال العلماء .
قال القاضي عياض في كتابه "ترتيب المدارك وتقريب المسالك" :
( أبو محمد الكبراني: من القيروان، سُئل عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يُقتل؟ قال: يختار القتل، ولا يعذر أحد بهذا إلا من كان أول دخولهم البلد قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد فقد وجب الفرار، ولا يُعذر أحد بالخوف بعد إقامته لأن المقام في موضع يُطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز... . قال عياض: وعلى هذا كان جبلة بن حمود ونظرائه: ربيع القطان، وأبو الفضل الحمصي، ومروان ابن نصرون، والسبّائي، والجبيناني، يقولون ويفتون. قال يوسف بن عبد الله الرعيني في كتابه: أجمع علماء القيروان، أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي، وأبو القاسم بن شلبون، وأبو على بن خلدون، وأبو محمد الطبيقي، وأبو بكر بن عذرة: أن حال بني عُبيد حال المرتدين والزنادقة،... قالوا: ولا يُعذر أحد بالإكراه على الدخول في مذهبهم، بخلاف سائر أنواع الكفر، لأنه أقام بعد علمه بكفرهم فلا يجوز له ذلك، إلا أن يختار القتل دون أن يدخل في الكفر، وعلى هذا الرأي كان أصحاب سحنون يفتون المسلمين... ولما حُمل أهل طرابلس إلى بني عُبيد، أضمروا أن يدخلوا في دينهم عند الإكراه، ثم ردُّوا من الطريق سالمين. فقال ابن أبي زيد هم كفار، لاعتقادهم ذلك )
و قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في قوله تعالى { إن الذين توفاهم الملائكة}..الآية نزلت في أناس من أهل مكة أسلموا واحتبسوا عن الهجرة , فلما خرج المشركون إلى بدر أكرهوهم على الخروج معهم فخرجوا خائفين فقتلهم المسلمون يوم بدر, فلما علموا بقتلهم تأسفوا وقالوا : قتلنا إخواننا فأنزل الله فيهم هذه الآية
قال رحمه الله (فإن قال قائل هلا كان الإكراه على الخروج عذرا للذين قتلوا يوم بدر؟ قيل لا يكن عذرا لأنهم في أول الأمر لم يكونوا معذورين إذ أقاموا مع الكفار فلا يعذرون بعد ذلك بالإكراه , لأنهم السبب إلى ذلك حيث خرجوا معهم وتركوا الهجرة )
فإذن هؤلاء قد كفروا وهم أشد الناس رغبة في الهجرة إلى المدينة ومفارقة هؤلاء الكفار ولم يعذروا , فكيف بمن هاجر إلى الكفار وآثرهم على المجاهدين رغبة في الدنيا وخوفا من الموت وضيق العيش ؟! فلا شك أنهم أولى أن لا يعذروا إذا أجبروا على العمل مع الطاغوت ضد المجاهدين .
والواقع أن الطاغوت لا يجبرهم بل يعاملهم بقانون الإرهاب الذي استجابوا له , وهذا القانون ـ كما مر معنا ـ ينص على أن يكون هؤلاء بعد استسلامهم تحت التصرف الكلي للدولة :أي يطيعون قانون الدولة في كل شئ , ومنها محاربة المجاهدين بالقول أو الفعل , وبهذا لا يكون لأحد من هؤلاء حجة إذا أجبرعلى حرب أهل الجهاد لأنه يلزم بالقانون الذي قرر بإرادته أن يمضي تحته ويتحاكم إليه , وإن كنا قد ذكرنا أن أغلب هؤلاء الفارين يحاربون المجاهدين عن طواعية , بل منهم يصرح علنا بقتال المجاهدين في الجبال , تزلفا إلى الطاغوت وتقربا إليه .
قال عبد الرحمن بن حسن :
(ومن له أدنى مسكة من عقل وتمييز , يعلم أنه لا عذر لهذا الرجل فيما قد صدر منه ، فإن دعواه الإكراه ممنوعة , لأنه إن كان على الإقامة عندهم , فهذا باطل قطعاً , لأنهم لم يحبسوه ولم يجعلوه في وثاق , ولم يجعلوا على كل نقب من نقوب القرية حرساً , يمنعه الخروج منها , ولا جعلوا على طرقاتها رصداً , والمناهل قريب , وفيها القبائل والفرار بالدين واجب ؛ فأين الإكراه ؟
فأين حال هذا وأمثاله من حال عمار ؟ رضي الله عن عمار ، فإنه تبرأ من المشركين وسبهم , وسب دينهم و معبوداتهم , فلذلك تصدوا له ولأهله بالعداوة الشديدة , وما ثم قرية ولا قبيلة على الإسلام , فجعلوا يضربونه أشد الضرب , ويعذبونه أشد العذاب , وحبسوه في بئر ميمون , وقتلوا أباه وأمه .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم يقول (( اصبروا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة )) ومع هذا وغيره , لم يقع منه إلا القول دون الفعل , وأنتم سارعتهم بلا إكراه , وقلتم و فعلتم , تقرباً إليهم واختياراً , من غير أن يكون منهم طالب لما فعلتموه , فما طلبوا منكم ذلك , ولا امتنعتم , ولا أكرهتم عليه , فأين أنتم وعمار ؟! فهو وأنتم في طرفي نقيض ؛ شعراً :
سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب ) 8/ 247ـ 248

6ـ الرد على من ادعى أنه تاب بعد التحاقه بصف الطاغوت

وبعض هؤلاء يقول:وإن كان قد حارب ولكنه تاب وأناب ورجع إلى ربه فكيف يسوى في الحكم مع غيره من المحاربين في الحكم ؟
فالجواب: فإننا نعامل جميع المرتدين بالأصل حتى نعلم خلافه
فإننا نعامل جميع هؤلاء المرتدين على أنهم محاربون إلا من علمنا عنه التوبة حقيقة , عملا بالقاعدة الفقهية : الأصل ما كان على ما كان حتى نعلم زوال ردته بالتوبة الصحيحة ـ بشروطهاـ فمن علمنا انه ارتد , فإنه يبقى مرتدا عندنا في ظاهر حاله .
ولكن الشأن كل الشأن في هذه التوبة المزعومة فهذا , المدعي وإن كان تائبا حقيقة إلى الله نادما على ذنبه فهو لازال متلبسا بتلك الجرائم التي ذكرنا , وهي كونه كما يقولون من ( التائبين من الإرهاب ) , ونحن ليس لنا إلا ظاهره , والله يتولى السرائر , فلا يتوب حقيقة حتى يخرج من ذلك الظاهر إذ شرط التوبة بالإجماع الإقلاع عن الذنب .
وإذا قال كيف بالخروج من هذه الجرائم ؟
الجواب أنه لن يزول عنك ذلك الوصف(تائب من الإرهاب) حتى تخرج من المكان الذي يجري عليك فيه قانون الطاغوت , ولا يكون ذلك إلا بلحوقك بالمجاهدين في الجبال , وإذا أرادوا استعملوك في مكانك .
وقبل القدرة عليك فأنت لازلت محاربا غير تائب , لأن الأنتهاء من الحرابة إنما يكون بالترك قبل القدرة , ولذلك ذكر الشيخ عبد الحميد بن باديس في فتواه التي حكم فيها بردة المتجنس أن من شرط توبته إذا أراد هو الخروج من تلك البلاد التي يحكمون فيها بذلك القانون إلى بلاد تحكمه الشريعة الإسلامية قال :( فإذا أراد المتجنس أن يتوب فلا بد لتوبته من إقلاع كما هو الشرط اللازم بالإجماع في كل توبة . وإقلاعه لا يكون إلا برجوعه للشريعة الإسلامية ورفضه لغيرها . ولما كان القانون الفرنسي جاريا عليه رغم ما يقوله هو من رجوعه فإقلاعه لا يتحقق عندنا في ظاهر حاله ـ وهو الذي تجري عليه الأحكام بحسبه ـ إلا إذا فارق البلاد التي يأخذه فيها ذلك القانون إلى بلاد تجري فيها الشريعة الإسلامية . قد يكون صادقا في ندمه فيما بينه وبين الله , ولكننا نحن في الظاهر الذي أمرنا باعتباره في إجراء الأحكام لا يمكننا أن نصدقه , وهو ما زال ملابسا لما ارتد من أجله من أحكام تلك الجنسية , ولهذا لا تقبل توبته ولا تجري عليه أحكام المسلمين )
ثم إن هؤلاء مادام الأصل عندنا أنهم لا زالوا محاربين فإن توبتهم لا تتحقق ما لم ياتوا إلى المجاهدين قبل القدرة عليهم . قال شيخ الإسلام ـرحمه الله ـ 3ص772 ( الانتهاء إنما هو الترك قبل القدرة كما في قوله تعالى {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض }إلى قوله {أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} فمن لم يتب حتى أخذ فلم ينته )







الفصل الثاني :
الرد على فتوى العلماء التي تمنع من الجهاد





مقدمة:
لقد تعبدنا الله باتباع الشرع ولم يتعبدنا باتباع أقوال الرجال , مهما علا قدرهم , لأن الرجل وإن كان عظيم الشأن في العلم فإنه يصيب ويخطئ , ولو اتبع قوله في الخطأ والصواب لأدى ذلك إلى مخالفة الشرع , بل أدى ذلك إلى شرك الطاعة والإتباع الذي وقع فيه أهل الكتاب من قبلنا . قال تعالى : { ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً من دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِـــــــــداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }
فالوحي هو المتبع بالقصد الأول , وأقوال العلماء بالقصد الثاني فتعرض أقوالهم على الكتاب والسنة , فما وافقها قبل وما خالفها طرح , مهما كان قائله , وهذا أصل متفق عليه بين علماء الإسلام , وضلال الناس وهلاكهم إنما هو بمخالفة هذا الأصل , وهو الذي وقع لأهل الجهاد بالجزائر , فضل أكثر المجاهدين حين اتبعوا الفتاوى المخالفة للكتاب والسنة فتركوا الجهاد ودخلوا تحت طاعة الكفار وظاهروا المرتدين المحاربين على المجاهدين .
والذي ينبغي أن يعلم أن العلماء الذين أفتوا بحرمة الجهاد بالجزائر أصناف :
علماء التجهم والإرجاء : فهؤلاء خلافنا معهم في الأصول و خطأهم في هذه الفتوى ناتج عن ضلالهم في مسائل الإيمان والكفر, فلا يدركون الصواب في هذه المسألة الفرعية إلا بعد توبتهم ورجوعهم إلى أصول أهل السنة والجماعة .
وعلماء السلطان : وهؤلاء فتواهم تبع لهوى السلطان , ولابد لمن كان من هذا الصنف أن يفتي بغير الحق إرضاء لولي أمره , لاسيما في مسائل التكفير والجهاد التي تهز عروشهم .
قال ابن القيم رحمه الله: (كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلابد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، في خبره وإلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيراً ماتأتي على خلاف أغراض الناس، ولاسيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات فإنهم لاتتم لهم أغراضٌ إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيراً، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع مايضاده من الحق، ولاسيما إذا قامت له شبهه فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيخفي الصواب وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهراً لا خفاء به ولا شبهة فيه أقدم على مخالفته وقال لي مخرج بالتوبة...) أهـ من كتابه (الفوائد) صـ 149 ط الثامنة 1422 دارالكتاب العربي
وهؤلاء لايجوز أخذ الفتيا عنهم في هذه المسائل , وبعض هؤلاء قد يكفر إذا دارت فتواه مع هوى السلطان حيث دار
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :(ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتداً كافراً، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ . *اتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ . }.. [الأعراف: 1 ـ 3] ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقاً لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذي في الله فهذه سنة الله في الأنبياء وأتباعهم، قال الله تعالى: {الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ }. [العنكبوت: 1 ـ 3] وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْباَٰرَكُمْ } [محمد: 31]، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاَۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } [البقرة: 214].)35/355.
.
وقد تجتمع بدعة التجهم ومخالطة السلطان في بعض العلماء فيتضاعف فساده ويعظم ضرره .
وربما قد يوجد من العلماء من هم على أصول أهل السنة ولم يخالطوا السلطان , ولكنهم أخطؤوا في هذه المسألة ومنعوا من جهاد المرتدين , فهذه زلة العالم الذي حذر منها السلف , فلايجوز اتباعه فيها .
قال الشاطبي رحمه الله:( فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة قائم بحجتها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلا , وأنه متى وجد متوجها غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات أو فر ع من الفروع لم يكن حاكما ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد به عن صوب الشريعة البتة )اهـ من الاعتصام2/862 وكما قال أيضا:( إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدا له , وذلك لأنها موضوعة عن المخالفة للشرع , ولذلك عدت زلة وإلا فلو كانت معتدا بها لم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها )
وقال أيضا(ومنها انه لا يصح اعتمادها خلافا في المسائل الشرعية , لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد ولا هي في مسائل الاجتهاد , وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيه , محلا فصارت في نسبنها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة , كانت مما يقوى أو يضعف, وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل وعدم مصادفته فلا، فلذلك فإنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل والمتعة ومحاش النساء وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها) الموافقات (4/170_172)
وقال البخاري رحمه الله في كتاب الإعتصام من صحيحه ـ باب إذا اجتهد العالم ـ أو الحاكم ـ فأخطأ خلاف الرسول صلى الله عليه وسلم من غير علم فحكمه مردود لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " فتح الباري 13/317 ]
قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في (منهاج السنة) 4/543ـ 544 : (ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة ..أهل البيت وغيرهم , قد يحصل منهم نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن ونوع من الهوى الخفي , فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه , وإن كان من أولياء الله المتقين. ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين : طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه.. وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه., بل في بره وكونه من أهل الجنة , بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان وكلا هذين الطرفين فاسد .
والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا. ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه . فيعظم الحق ويرحم الخلق ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب , ويحب من وجه ويبغض من وجه , فهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة )
قال ابن القيم :( فصل . والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها :
أن تجريد المتابعة :أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه , كائنا من كان , بل تنظر في صحة الحديث أولا , فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا , فإذا تبين لك لم تعدل عنه , ولو خالفك من بين المشرق المغرب , ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها , بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه , فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله , بل أذهب إلى النص ولا تضعف , واعلم أنه قد قال به قائل قطعا , ولكن لم يصل إليك هذا, مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه , فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة , ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك , فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقا ؟! فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم , بل اقتدى بهم , فإنهم كلهم أمروا بذلك , فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم . فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها , من تقديم النص على أقوالهم . ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه , فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة , بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به , ولذلك سمى تقليدا , بخلاف ما استعان بفهمه واستضاء بنورعلمه في الوصول إلى الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول , فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره , فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى . قال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد ) الروح ج: 1 ص: 264

وقد ابتلينا في هذه البلاد خصوصا , وهو بلاء المسلمين جميعا , بهذه الفتاوى المانعة من الجهاد , لا سيما من علماء الحجاز, فكما أفتى المتأخرون منهم بعدم جواز الجهاد ضد المرتدين كذلك أفتى أسلافهم المتقدمين بإسقاط الجهاد ضد النصارى الفرنسيين بعد احتلالهم لهذه البلاد . وقد قيض الله يومها لهذه الأمة من علماء الجزائر من رد هذه الفتاوى المخالفة لصريح الكتاب والسنة والإجماع المقطوع به عند علماء الإسلام , والتي كان من ورائها جواسيس فرنسا وعملاؤهم من مقدمي الطريقة التيجانية . وظل الجهاد قائما مع قلة العدد والعدة , وكان بعض المسلمين من يقاتل فرنسا بالعصي والحجارة كما في معركة " مشونش بالأوراس " بتاريخ 15مارس1844حيث واجه المجاهدون (وكان عددهم مابين 800و900رجل) قوات العدو الفرنسي المكونة من ستة فيالق علاوة على رجال القوم الأهالي . وكان سلاح المجاهدين االسيوف والحجارة وبعض البنادق . وفي كتاب(ثورة الأوراس لعبد الحميد زوزو) صورة تخطيطية للرسام(راقييه) يظهرفيها هؤلاء المجاهدين وقد التحموا بالعدو وقد اعتلا بعضهم قمة جبل , يلقون الحجارة على رؤوس الكفارالنصارى الملاعيين .
جاء في كتاب (الجزائر الأمة والمجتمع ) لمصطفى الأشرف 121ـ122
( قال الضابط دوماس في كتابه تاريخ منطقة القبائل الكبرى على لسان أحد الجواسيس ...بأن طلاب زاوية ريفية تقع في ناحية جامع الصهريج بمنطقة القبائل , وهي زاوية سيدي عبد الرحمن , شكلوا فيما بينهم فرقة من الفدائيين وأن عددهم بلغ 600أو700طالب "وكلهم يجيدون القراءة والكتابة , كما أنهم مدربون على القتال ومسلحون بالبنادق والسيوف الطويلة والعصي الحديدية " )

وكان المسلمون يقاتلون فرنسا الكافرة بتلك العدة الضعيفة , لأنه قد استقر عندهم أن جهاد فرنسا جهاد دفع لايسقط بحال .
وكان إذا تهاون الرجال في الجهاد قام نساؤهم يحرضونهم ويهددنهم إن هم امتنعوا عن جهاد فرنسا بالخروج عن طاعتهم.
وجاء في الكتاب المذكور للضابط دوماس نقلا من المرجع السابق (الجزائر: الأمة والمجتمع 121) : في سنة 1844 سئل رؤساء منطقة القبائل لماذا دافعوا بضراوة عن قراهم ضد جيش كامل قاده بيجو بنفسه فأجابوا :" كنا مستعدين أن نستسلم بعدما شاهدنا ذلك الجيش الجرار إلا أن نساءنا اللواتي ساءهن ميلنا إلى طلب الصلح أقسمن اليمين على : أن يخرجن عن طاعتنا إذا لم ندافع عن أنفسنا مهما يكن من أمر"
واستمر جهاد المسلمين في الجزائر ضد فرنسا على تلك الحال من ضعف العدد والعدة , حتى أذن الله بخروج فرنسا النصارانية من هذه البلاد , والمسلمون لا زالوا على تلك الحال , و فرنسا قد بلغت أوج قوتها .
والآن سننقل لك ـ أخي المجاهد ـ هذه الفتاوى التي حفظتها لنا مصادرالتاريخ , وبقيت وصمة عار في جبين هؤلاء العلماء .
و من ذلك ما أفتى به بعض علماء الجزائر لأحد جنرالات فرنسا سنة 1246 ـ أسابيع بعد احتلال الجزائر العاصمة ـ وكان هذا العدو يريد التوسع نحو الجنوب وفك الحصار من عنده , فخدع بعض العلماء فأفتوا بعدم جواز قتاله إذا توجه إلى تلك المنطقة وننقل هذه القصة كما رواها أبو قاسم سعد الله في كتابه التاريخ الجزائرالثقافي (4/359):
(صدرالنداء المذكور من المفتي ـ شيخ الإسلام ـ محمد بن العنابي قبل الحكم عليه بالنفي من "كلوزيل" , والمفتي المالكي علي بن محمد المنجلاتي والقاضي الحنفي الذي لم يذكر اسمه في الوثيقة لأن بورمون قد نفاه , والقاضي المالكي مصطفى بن محمد وهو هنا ابن الكبابطي الذي يتولى الفتوى مكان المنجلاني بعد وفاته , وسيكون مصيره أيضا النفي على يد بيجو سنة 1843..
يقول النداء: إلى إخواننا المسلمين في البلدان والقرى من عرب وأتراك وقبائل..ا
أما بعد فاعلموا..أن الجنرال، (السَّرْ عَسْكَرْ)، الذي ملكه الله بلادنا بحكمه النافذ وتقديره السابق , قد علمنا منه وتحققنا أن خروجه إلى ناحيتكم لم يكن بقصد حرب ولا قتال وإنما هو بمقصد الاستيلاف ( يريد البيع والشراء) والتفرج وإعانة الضعفاء , وأنه يسالم من يسالمه ويحسن إلى جميع من لقيه من غير سلاح ويعطي ثمن كل ما يشتريه فمن يأتيه به بثمن يرضيه , وأعطانا عهد الله وميثاقه على ذلك بإيمان مغلظة حيث لم يبق لنا شك في ذلك، قال تعالى {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} ونصيحتنا لجميعكم أن تجنحوا إلى ما أمر الله وصونوا دماء المسلمين , ونحن نضمن لكم أن لا يعتريكم منه في حروبه هذا ما يضركم، لا فرق في ذلك بينكم وبين من في المدينة , فإنه آمن على نفسه وبلاده وعساكره مالم يتعرض لمكروه , فأما من شهر السلاح وأراد الحرب منكم فوباله على نفسه , والسر عسكر مجبور (عندئذ) على مدافعته ومقابلته بالحرب (والصلح خير) وكل (حد؟) مقرر على دينه(أي مقر يعني باق على دينه) وأملاكه وما تحت أملاكه )4/359 360
وهذه الفتوى من هؤلاء خطأ قطعا لما فيها من تمكين للعدو على بلاد المسلمين ولهذا قابلها أهل المدية والبليدة بالرفض , وكان فيهم ومن قادتهم فقهاء وعلماء , وحاربوا هذا الجنرال وعسكره حتى أرغموه على التقهقر والرجوع إلى العاصمة . يقول أبو القاسم سعد الله معلقا على هذه الفتوى: (واستشهد هؤلاء العلماء خطأ بالآية{وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} وقد تبين أنهم كانوا مخطئين في قراءتهم للنوايا الفرنسيين , فهؤلاء كانوا ينوون الإطلاع على عورات المسلمين ونقاط ضعفهم وجلب المواد الغذائية , ومن ثمة معرفة القوة والضعف لكي يتسعوا بعد ذلك في الاحتلال , والدليل على ذلك أنهم أرسلوا أسطول لهم إلى كل من وهران وعنابة أيضا في نفس الوقت , وأنهم حولوا النزهة إلى غزوة في كل من البليدة والمدية.
وكم من مرة استعمل علماء المسلمين والعرب في العصر الحاضر الآية المذكورة ,غفلة منهم أو تضليلا لشعوبهم , لأن شروط الجنوح للسلم معروفة وهي غير متوفرة)4/359
والمثال الثاني: الفتوى التي حصل عليها ليون روش من علماء المسلمين بالقيروان والأزهر ومكة لتوقيف الهجرة من بلاد الكفر التي استولى عليها الفرنسيون إلى بلاد الإسلام , وتوقيف الجهاد ضد هذا العدو المحتل . جاء في الجزء السادس ص363 من كتاب تاريخ الجزائر الثقافي لأبي قاسم سعد الله مايلي:
( وعندما كان كتاب الأمير يدعو المسلمين , ولاسيما العلماء والطلبة , إلى الهجرة من المناطق التي استولى عليها الفرنسيون , كان ليون روش الذي كان يتجسس على الأمير يتابع المراسلات ويطلع على ردود الأفعال . وعند استئناف الحرب مع الفرنسيين (1839) وجد ليون روش الفرصة للهروب من حاشية الأمير إلى المارشال بوجو, وقد كشف له في تقريره على عورات المسلمين لاسيما مخططات الأمير وأسراره , ومن ذلك أن المسلمين كانوا يعتبرون الأرض الواقعة تحت الإدارة الفرنسية دار حرب يجب الخروج منها , وكان ذلك هو أساس حركة الجهاد عندهم . ولمقاومة هذه الحركة ساغ الفرنسيون (فتوى ) وحملها ليون روش نفسه إلى علماء المسلمين ليفتوا الجزائريين ـ بناءا عليها ـ ومفادها أن الجزائر لاتعتبر دار حرب ولا تستوجب الجهاد مادام المسلمون قد بذلوا الجهاد في الدفاع عنها وعن الإسلام ثم عجزوا عن طرد الكافر, ثم إن هذا الكافر نفسه قد ترك لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية فعليهم إذاً أن يرضوا بحكم النصارى وأن يمارسوا الإسلام طبقا لأحكام الشريعة نفسها .
هذه (الفتوى) الغريبة حررها بعض الموالين لفرنسا من شيوخ التصوف , ومنهم كما جاء في (مجلة العالم الإسلامي ) الشيخ محمد التيجاني ومقدم الزاوية الطلبية ثم أعدت السلطات الفرنسية بعثة فيها هؤلاء الشيوخ أو نوابه ورافقوا سنة 1841 ليون روش الذي غير اسمه ( الحاج عمر ) واتجهوا أولا إلى القيروان فوافق عليها مفتي الجامع الكبير هناك , ثم القاهرة حيث وافق عليها بعض شيوخ الأزهر الشريف، ثم مكة المكرمة حيث وافق عليها مجلس العلماء الذي انعقد في الطائف تحت رعاية شريف مكة، وقد وافق عليها هؤلاء العلماء كما جاء في كتاب ليون روش :على أن الجهاد لم يعد واجبا على مسلمي الجزائر لأنه من باب إلقاء النفس إلى التهلكة ( كما جاء في مجلة العالم الإسلامي ) ونعلم أن السلطات الفرنسية قد روجت لهذه الفتوى في الجزائر, كسلاح ضد المقاومة وحركة الجهاد، فقد وزعت نسخ منها على الموظفين ورجال الدين وعلقتها على جدران المساجد ونشرتها في الصحف ولعلها جعلتها تقرأ في الخطب المنبرية أيضا... )4/363 364
وهذه الفتوى كما ترى هي خطأ قطعا و ضلال , وفيها ضرر عظيم على المسلمين في الجزائر وفيها مصلحة كبيرة للعدو الكافر بشهادة كتابهم جاء في هامش ص364 في نفس الكتاب يقول ديبون كوبولاني (الطرق الدينية الإسلامية) 1897 ص37 :( إن ليون روش قدم أكبر خدمة لنشر الهيمنة الفرنسية على الجزائر)
وفي نفس هذه السنة التي صدرت فيها هذه الفتوى كتب الأمير رسالته حسام الدين ردا على هذه الفتوى ولعلها تكون هناك ردود أخرى على الفتوى الخطيرة لم تبلغنا.
قال أبو القاسم سعد الله في نفس الكتاب ص 961
وفي رسالته المعنونة (حسام الدين لقطع شبه المرتدين) أجاب الأمير عبد القادر إجابة صريحة بوجوب الهجرة من البلد الذي غلب عليه الفرنسيون ويقصد الهجرة أو الخروج إلى المناطق التي كانت تحت سلطته …وقد عزز رأيه أيضا بأراء المفسرين وبالأحاديث وأقوال المغيلي وابن الحاج الونشريسي ورد الأمير اعتذارات المعتذرين بعدم الهجرة مهما كانت الأسباب بما في ذلك الخوف على العائلة والرزق والخوف من الجوع واعتبر الأمير أن مال المسلم المقيم مع الكفار مال مباح لأنه ليس ماله .ورد على العلماء الجهلة في نظره القائلين بمهادنة العدو لأن المهادنة في الحقيقة مخصوصة بالإمام أو نائبه وليس لعامة الناس لأن أحكامه سارية على المسلمين فكيف بمن دونه )
يقول الجاسوس الفرنسي "ليون روش" في كتابه " ثلاثون عاما عبر الإسلام" ( الذي طبع بباريس مرتين الأولى سنة 1884 والثانية سنة 1904 ) :"...إنه ـ الإسلام ـ دين المحامد والفضائل ولو أنه وجد رجالا يعلمونه الناس حق التعليم ويفسرونه تمام التفسير لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين وأسبقهم في كل الميادين , ولكن وجد بينهم شيوخ يحرفون كلمه ويمسخون جماله ويدخلون عليه ماليس منه .
وإني تمكنت من استغواء هؤلاء الشيوخ في القيروان والإسكندرية ومكة فكتبوا إلى المسلمين في الجزائر يفتونهم بوجوب الطاعة للفرنسيين , وبأن لا ينزعوا إلى ثورة , وبأن فرنسا خير دولة أخرجت للناس . ومنهم من أفتى بأن فرنسا دولة إسلامية أكثر من الدولة العثمانية " ص95 من تاريخ الجزائر العام لعبد الرحمن الجيلالي
قال أبو القاسم سعد الله في كتابه المذكور6/364ـ365 ( ... ففي سنة 1893 حاول الحاكم العام "جول كامبون" صياغة فتوى أخرى شبيهة بالأولى لكي يمنع بها هجرة الجزائريين المتكاثرة ويهدئ بها المناطق التي كانت فرنسا تعتزم احتلالها في الصحراء والتمهيد لإحتلال المغرب الأقصى وكان الإنجليز قد استصدروا فتوى من علماء مكة تذهب إلى أن الهند بلاد إسلامية رغم احتلالها من قبلهم , فلماذا لا يفعل كامبون مثلهم؟ لقد صاغ كامبون فتواه على النحو التالي: إن الجزائر رغم احتلال الفرنسيين لها تبقى بلادا إسلامية كما أن كل بلاد إسلامية يحتلها الكفار تبقى بلادا إسلامية إذا سمحوا لأهلها بإقامة شعائرهم , وليس على هؤلاء المسلمين إذن واجب الجهاد لأن بلادهم والحالة هذه لم تعد دار حرب إذا كانوا عاجزين على تحقيق الإنتصار. وتتكون فتوى كامبون من مقدمة وثلاثة أسئلة . أما المقدمة فهي : إذا كان الكفار الفرنسيون قد احتلوا أرضا إسلامية ولكنهم لم يضعوا أية عراقيل لممارسة المسلمين ديانتهم بل يشجعونهم على القيام بشعائرهم الدينية ويعينون القاضي منهم لينفذ أحكام الشريعة ويخصصون لهذا القاضي راتبا شهريا فهل يجب على المسلمين : 1) أن يهاجروا أو لا ؟ 2) هل يدخلوا في حرب مع الكفار لينتزعوا منهم السلطة ولو كانوا غير متأكدين من أنهم يملكون القوة لتحقيق الإنتصار عليهم ؟ 3) هل المكان المحتل من قبل الكفار يعتبر أرضا إسلامية ؟
وتزعم المصادر الفرنسية أن المفتين بالمذاهب الثلاثة في مكة المكرمة الشافعي والحنفي والمالكي قد أجابوا بما يرضي الفرنسيين : وهو أن الأرض المذكورة ( الجزائر ) لم تعد دار حرب وأن الجهاد أصبح غير واجب على أهلها ما داموا غير قادرين على تحقيق الإنتصار على عدوهم ومع أن العدونفسه قد ترك لهم حرية العبادة . وقد علق ديبون كوبولاني على الفتوى: بأنها ذات قيمة كبيرة لأنها (سمحت) لفرنسا باستعمال الجزرة والعصا , كما أن النص المطاط قد أعطى لفرنسا حججا يمكنها استعمالها لصالحها . ونحن لاندري كيف اطلع علماء مكة على الفتوى ؟ هل وجد كامبون شخصية كشخصية "ليون روش" ؟ أو استعمل بعض الحجاج الجزائريين فقاموا بالمهمة).
ونفس الشيء وقع مع الفتاوي التي تمنع من جهاد المرتدين , فكان من ورائها بعض مخابرات الطاغوت , ومبتدعة المرجئة الذين دينهم مسالمة الحكام المرتدين واعتبارهم ولاة أمر للمسلمين , ومن قاتلهم هو من الخوارج المارقين .ومن استمع إلى الأشرطة التي سجلت مع بعض العلماء يعلم حقيقة هؤلاء السائلين , فلا يبعد أن يكونوا من مخابرات الطاغوت .
نفس الشيء الذي فعلته فرنسا من توزيع لهذه الفتاوى على المسلمين فعله هؤلاء المرتدون , حيث قاموا بنشرها بشكل واسع , لاسيما عند المتصلين وأولياء المجاهدين , كما قاموا برميها من المروحيات في الجبال , ووضعوها بعد كل كمين أوتمشيط في مسالك المجاهدين ومراكزهم . وكانت بعض الأوراق المتساقطة على رؤوسنا من المروحيات مكتوبة بخط العثيمين , وصار عبيد الطاغوت يحتجون بها على المجاهدين أمام أوليائهم وأمام الشعب , وقد بلغنا عن أحد المرتدين أنه كان يحمل هذه الأشرطة ـ وهو سكيرـ وينادي في الناس بملء فيه :انظروا هذه أشرطة العثيمين! يفتي بعدم شرعية الجهاد في الجزائر.
وبذلك أحدثت هذه الفتاوى ضررا عظيما في الأمة , وفتن بها كثير من المجاهدين فارتدوا على أعقابهم ناكصين , ولاحول ولاقوة إلا بالله .
تفصيل الرد على الفتوى
قد تقرر عند أهل العلم أنه لا بد في العالم الذي يفتي أن يكون عالما بالشرع وعارفا بالواقع الذي يفتي فيه , وهو المناط الذي ينزل عليه الحكم الشرعي والجهل بأحدهما يوقع في الخطأ قطعا .
قال ابن القيم رحمه الله (ولايتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحـدها: فَهْم الواقـع والفقـه فيـه واستنبـاط علـم حقيقـة ماوقـع بالقـرائن والأمـارات والعـلامــات حتى يحيط به علماً.
والنــوع الثــاني: فهــم الواجــب في الواقــع، وهـو فهمُ حكـم اللـه الـذي حَكَم به في كتابـه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر.
فمن بَذَل جهده واستفـرغ وُسْعـه في ذلـك لـم يعْدم أجـرين أو أجـراً، فالعالـم مَنْ يتوصـل بمعرفـة الواقـع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله) (إعلام الموقعين) 1/ 87 ــ 88.
و لمـا سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن التتار وحكم قتالهم، أجاب بقوله (الحمد لله رب العالمين، نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم) (مجموع الفتاوى) 28/ 510.

ولايشترط الإجتهاد في الفتوى إلا إذا كانت المسألة من النوازل التي لم يعلم لها حكم في الشرع أصلا , لابعينها ولا بنظيرها .
ومسألتنا هذه لها نظائرها في الشرع يمكن لطالب العلم ومن دونه أن يعرف حكمها بسهولة , بعد معرفة حال هؤلاء الحكام المخالفة للشرع , من دساتيرهم وقوانينهم وواقعهم , الذي لاتخفى على أحد عاش بين أظهرهم .
وبعض مرجئة العصرالجهال زعم أنه حتى العلم بالواقع يشترط له الإجتهاد , وهذا ضلال بين . فمعلوم أن بعض العلم بالواقع يشترك فيه كل الناس عالمهم بالشرع وجاهلهم , كحال هؤلاء الحكام وإن كان الناس مراتب في معرفة تفاصيل ذلك , وبعضه لا يعرفه غير أهل الإختصاص وإن كانوا جاهلين بالشرع , ويسألهم أهل الشرع لزاما إن كانوا يجهلون ذلك : كمسائل الطب والفلك وغيرها , فهذا لا يشترط له العلم فضلا عن الإجتهاد . قال الإمام الشاطبي:( فاعلم أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين: نظر في دليل الحكم ونظر في مناطه . أما النظر في دليل الحكم لايمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما من قياس أو إجماع أوغيرهما...
أما النظر في مناط الحكم : فإن المناط لايلزم منه أن يكون ثابتا بدليل شرعي فقط , بل يثبت بدليل غير شرعي أو بغير دليل , فلا يشترط فيه بلوغ درجة الإجتهاد , بل لايشترط فيه العلم فضلا عن درجة الإجتهاد...) الإعتصام


كفر هؤلاء الحكام ووجوب جهادهم ثابت بالأصل والإجماع لا يحتاج إلى فتوى

· سبب قتال هؤلاء الحكام أمران: كفرهم وامتناعهم عن الشرائع
أما كفرهم فمن وجوه كثيرة وأظهرها وأهمها هو الحكم بغير الشريعة في التشريع والتطبيق. وهذا كان سببا بدوره في امتناعهم عن كثير من الشرائع وتحليل الحرام وتحريم الحلال منها : التعامل بالربا , واستباحة الزنا والخمر والميسر وإشاعة الفاحشة في وسائل الإعلام , والتسوية بين الكافر والمؤمن في الحقوق , ومنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم جهاد الكفار, وضرب الجزية عليهم , وحرية الإعتقاد , وحرية الرأي ولو كان إلحادا , واستباحة دماء الموحدين المجاهدين وأموالهم , واستباحة دماء وأعراض وأموال المسلمين عموما , وهو ما عرف بالمجازر التي كان يفعلها الطاغوت إما استقلالا أو بالتواطئ مع الخوارج المارقين من أفراد الجماعة الإسلامية المسلحة، وهو أمر مشهور مستفيض عند الشعب لا ينكره أحد.
· الأدلة على كفرهم ووجوب قتالهم
قوله تعالى:{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود بدّلوا حكم الله في الرجم بالتحميم كما جاء في تفسير بن كثير وغيره إلا أنها عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله , ولو كان منتسبا إلى الإسلام . قال القاسمي في تفسبره(وكذلك أخرجه أبو داود عن ابن عباس أنها نزلت في اليهود خاصة (بني قريضة والنظير ) لا ينافي تناولها لغيرهم لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وكلمة (من) وقعت في معرض الشرط فتكون للعموم ) محاسن التأويل 10/215 طبعة دار الفكر 1398هـ وبمثله قال بن حيان في البحر المحيط 3/ 492 (الجامع 2/992)
قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في الجامع (2/993 ) : ومما يؤكد أن الحكام المعاصرين الذين يدعون الإيمان ويحكمون بغير ما أنزل الله داخلون في الحكم الوارد في الآية أن حالهم كحال الذين أنزلت فيهم الآيات كما قال بن كثير ـ رحمه الله ـ نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله مقدمين آرائهم وافترائهم على شرائع الله عز وجل .. إلى قوله: والصحيح أنها في اليهوديين الذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي في أيديهم عن الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه) تفسير بن كثير 2/58
فصورة الواقع هي صورة سبب نزول الآيات وقد ذكرت في المقدمة السابعة أن صورة السبب قطعية الدخول في النص العام قد نقل السيوطي الإجماع على ذلك في الإتقان 1،28 ولأجل ذلك قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن بعد أن حكى الخلاف عن ذلك : " ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكما يخالف حكم الله وجعله دينا يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور حاكما كان أوغيره " نقله ابن حجر في الفتح 13/110 ونقله السيوطي في تفسيره 6/ 116
وهذا الذي ذكره اسماعيل القاضي ينطبق تماما على الحكام المعاصرين , فهم يحكمون بشرع مخترع جعلوه دينا يعبد ـ أي نظاما ملزماـ كما ذكرته في معاني الدين في المقدمة الثانية .
الآية الثانية:قوله تعالى { أم لهم شركاؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } قال بن تيمية ( فمن ندب إلى شيئ يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله , ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا مع الله..) اقتضاء السراط المستقيم
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ (ولما كان التشريع وجميع الأحكام شرعية كانت أو كونية قدرية من خصائص الربوبية كما دلت عليه الآية المذكورة كان كل من اتبع تشريعا غير تشريع الله فقد اتخذ ذلك المشرع ربا وأشركه مع الله )الأضواء 7/169
وبهذين السببين ـ أي التشريع من دون الله و الحكم بهذا التشريع ـ يحكم على هؤلاء الحكام بالكفر عينا وذلك موجب للخروج عليهم .
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ) متفق عليه
في شرح هذا الحديث قال النووي( قال القاضي عياض أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه كفر انعزل، فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلم القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك , فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر..)
ولقد تبين فيما سبق أن هؤلاء الحكام كفرهم بواح لا شك فيه وذلك لإعتمادهم في الحكم أو التشريع على القوانين الوضعية ورفضهم لشريعة الله
قال الشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ في عمدة التفسير 4/74( إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداراة.)
وقال الإمام الشنقيطي ـ رحمه الله ـ :(وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جلا وعلا على ألسنة رسله ـ صلى الله عليهم وسلم ـ لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم)
والسبب الثاني : الذي يوجب الخروج عليهم هو امتناعهم عن الشرائع التي نتجت عن تحاكمهم إلى القوانين الوضغية .
قال شيخ الإسلام بن تيمية ـ رحمه الله ـ (كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين ،فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة وكذلك إن امتنعوا عن شهر رمضان أو حج بيت الله العتيق وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة وكذلك عن الحكم في الدماء والأعراض ونحوها بحكم الكتاب والسنة وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها مثل أن يظهروا التكذيب بقدره وقضائه أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور قال تعالى{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله قال تعالى { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } الآية وهذه الآية نزلت في أهل الطائف وكانوا قد أسلموا وصلوا و صاموا لكن كانوا يتعاملون بالربا فأنزل الله هذه الآية . أمر المؤمنين بترك ما بقي من الربا وقال { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}الآية ..والربا آخر المحرمات في القرآن وهو مال يؤخذ بتراضي المتعاملين فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله فكيف من لم ينته عن هذه المحرمات التي هي أسبق تحريما وأعظم تحريما ) . وقد ثبت في الصحيحين أن عمر لما ناظر أبا بكر في مانعي الزكاة قال له أبو بكر كيف لا أقاتل من ترك الحقوق التي أوجبها الله ورسوله وإن كان قد أسلم كالزكاة وقال له فإن الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر : فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق ) 59/ 58
القول بكفر هؤلاء الحكام ووجوب قتالهم يتعين على كل مسلم إبلاغه للناس .
ـ فهذه المسألة كما ترى واضحة جلية , مقرونة بأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع توجب العمل بنفسها ولا تحتاج معها إلى قول أحد , بل يتعين على كل أحد إبلاغها ونشرها في الناس لندرة من يفتي في هذه المسائل في هذا الزمان .
قال بن القيم ـ رحمه الله ـ ( إذا عرف العامي حكم حادثة فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه؟ ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم . أحدها : الجواز لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم . والثاني : لا يجوز ذلك مطلقا .. والثالث إن الدليل كتابا أو سنة جاز له الإفتاء وإن كان غيرهما لم يجز لأن القرآن والسنة خطاب لجميع المكلفين فيجب على المكلف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبه صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يرشد غيره إليه ويدله عليه ) الإعلام 4/198 199 وهذا في العامي وأولى بالجواز من كان له نوع أهلية ونصيب من علوم الشريعة، وخاصة مع انعدام أو ندرة من يفتي في هذه المسائل التي تعاقب عليها الأنظمة المرتدة , وهي من العلم الواجب العيني .
وقال أيضا: ( إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم موثوقا بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده فيه ؟
فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك ..
وقالت طائفة : بل له أن يعمل به ويفتي به، بل يتعين عليه كما أن الصحابة إذا بلغهم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث به بعضهم بعضا بادروا إلى العمل به من غيرتوقف ولا يقول أحد منهم قط هل عمل بهذا فلان وفلان ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه أشد الإنكار, وكذلك التابعين هذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم ، وطول العهد بالسنة وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها والعمل بغيرها . ولو كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان لكان قول فلان أو فلان عيارا على السنن مزكيا لها وشرطا في العمل بها , وهذا من أبطل الباطل ..إلى أن قال : والصواب في هذه المسألة التفصيل :
فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ويفتي به ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو إمام بل الحجة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن خالفه من خالفه.. إلى أن قال : وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا وصعد فمن كلام إمامه فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقاة من كلام رسول اله صلى الله عليه وسلم أولى بالجواز.. )الإعلام 4/234 ـ 236
وكلام ابن القيم ـرحمه الله ـ حول من قرأ كتابا من كتب الحديث غير المشروحة , وكان الحديث ظاهر المعنى لكل أحد , فأولى إذا كان لهذا الحديث شروحا ودلالة الحديث واضحة , والحكم الشرعي بين جلي , كمسألتنا هذه التي هي أوضح من الشمس في كبد السماء و كثير من معاني نصوصها بينة لا تحتمل التأويل , بالإضافة إلى بيان أهل العلم الذي يكشف كل لبس , ويدفع كل شبهة .

فتاوى العلماء في نظائرهذه المسألة:

وإذا فرضنا أن هذه المسألة ـ التي هي تكفير الحاكم والخروج عليه ـ لم يظهر لنا فيها دليل من كتاب أو سنة أو إجماع فإنه قد أفتى في نظائرها أهل العلم المتقدمين ويجوز العمل بهذه الفتوى لأنه يجوز تقليد الميت في فتواه . قال ابن القيم ـرحمه الله ـ ( هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه بغير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها ؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي . فمن منعه قال : يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا .. والثاني الجواز, وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات ومن منع منهم تقليد الميت فإنما هو شيء يقوله بلسانه وعمله في فتاويه وأحكامه بخلافه، والأقوال لا تموت بموت قائليها كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها ) 4/ 215ـ 216
وقال ابن القيم أيضا: ( هل يجوز للمفتي تقليد الميت إذا علم عدالته وأنه مات عليها من غير أن يسأل عليها الحي؟
وفيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي أصحهما: له ذلك فإن المذاهب لا تبطل بموت أصحابها ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن أئمتهم ولم يسغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم ..)4/260 ـ 261
٭ فتوى الإمام ابن تيمية في ياسق التتار ومن تحاكم إليه .
ونظير هذه المسألة التي ابتلينا بها اليوم في مجتمعاتنا الإسلامية ـ أي تحكيم القوانبن الوضعية ـ وقعت في زمان التتار الذين انتسبوا إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين ولم يتحاكموا فيما بينهم إلى شريعة الإسلام وإنما تحاكموا إلى الياسق الذي وضعه لهم ملكهم جينكزخان فأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بكفرهم وبوجوب قتالهم ونقل الإجماع على ذلك , وكذلك فعل ا بن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حين استفتي في حكم هؤلاء التتار :
( ومعلوم بالإضطرار من دين الإسلام وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب قال تعالى {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله و يقولون نؤمن ببعض و نكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } ) 28/524 وقد وصفهم في بعض فتاويه أنهم ( لا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله بل يحكمون بأوضاع توافق الإسلام تارة وتخالفه الأخرى )28/505
وقال أيضا: ( كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها بإتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا إلى أن قال: وكذلك عن الحكم في الدماء والأعراض ونحوها بحكم الكتاب والسنة .. أو مقاتلتهم المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور …)
٭ فتوى الإمام ابن كثيرفي ياسق التتارومن تحاكم إليه .
وكذلك الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ أفتى بكفرهم ووجوب قتالهم ونقل الإجماع علىكفرهم قال في قوله تعالى{ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}
( وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جينكزخان وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ) تفسير بن كثير 2/67
ـ وقال أيضا : ( فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد صلى اله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه فمن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين قال تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} وقال { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } البداية والنهاية 13 /119

٭ فتوى الشوكاني رحمه الله فيمن تحاكم إلى الأعراف .

وقد أفتى الإمام الشوكاني بكفر من تحاكم إلى الأعراف الطاغوتية (وهي من جنس هذه القوانين الجاهلية ) و أفتى بوجوب قتالهم .
قال ـ رحمه الله ـ في رسالته (الدواء العاجل في دفع العدو الصائل) وصف أحوال أهل البلاد الخارجة عن سلطان الدولة في زمانه، فقال (فلنبيّن لك حال القسم الثاني: وهو حكم أهل البلاد الخارجة عن أوامر الدولة ونواهيها ــ إلى قوله ــ منها أنهم يحكمون ويتحاكمون إلى من يعرف الأحكام الطاغوتية منهم في جميع الأمور التي تنوبهم وتعرض لهم ... ولاشك ولاريب أن هذا كفر بالله سبحانه وتعالى وبشريعته التي أمر بها على لسان رسوله واختارها لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله. بل كفروا بجميع الشرائع من عند آدم عليه السلام إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب وقتالهم متعين حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة ويخرجوا من جميع ماهم فيه من الطواغيت الشيطانية. ــ إلى قوله ــ ومعلوم من قواعد الشريعة المطهرة ونصوصها أن من جرد نفسه لقتـال هـؤلاء واستعان بالله وأخلص له النية فهو منصور وله العاقبة فقد وعد الله بهذا في كتابه العزيز{ ولينصرن الله من ينصره} {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} {والعاقبة للمتقين}
ــ إلى أن قال ــ فإن تَرَكَ من هو قادر على جهادهم فهو متعرض لنزول العقوبة مستحق لما أصابه، فقد سلط الله على أهل الإسلام طوائف عقوبة لهم حيث لم ينتهوا عن المنكرات ولم يحرصوا على العمل بالشريعة المطهرة، كما وقع من تسليط الخوارج في أول الإسلام، ثم تسليط القرامطة والباطنية بعدهم، ثم تسليط الترك حتى كادوا يطمسون الإسلام، وكما يقع كثيرا من تسليط الفرنج ونحوهم فاعتبروا ياأولي الأبصار إن في هذا لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.) أهـ من رسالته (الدواء العاجل) صـ 33 ــ 35، ضمن (الرسائل السلفية) له، ط دار الكتب العلمية.

٭ فتوى أئمة الدعوة النجدية فيمن تحاكم إلى شرع الرفاقة :

كما أفتى بعض أئمة الدعوة النجدية في نظير هذه المسألة حيث كفروا وأوجبوا قتال من تحاكم إلى شرع الرفاقة وهي أعراف كان يتحاكم إليها بعض البوادي في زمانهم. قال الشيخ حمد بن عتيق بعد ذكره لفتوى ابن كثير السابقة: (ومثل هؤلاء ما وقع فيه عامة البوادي ومن شابههم من تحكيم عادات آبائهم وما وضعه أوائلهم من الموضوعات الملعونة التي يسمونها بشرع الرفاقة يقدمونها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن فعل ذلك فإنه كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم )….
وقال الشيخ سليمان بن سحمان في كلامه عن معنى الطاغوت :
(وحاصله: أن الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة؛ والمقصود في هذه الورقة هو طاغوت الحكم، فإن كثيرا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام، قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك ... بشرع الرفاقة، كقولهم شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه، الذي أمر الله باجتنابه. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه، وابن كثير في تفسيره: أن من فعل ذلك فهو كافر بالله، زاد ابن كثير: يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله. قال شيخ الإسلام: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر; ومن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل؛ وقد يكون العدل في دينها، ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام، يحكمون بعاداتهم التي لم ينْزلها الله، كسوالف البوادي، وكأوامر المطاعين في عشائرهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به، دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر. فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية، التي يأمر بها المطاعون في عشائرهم؛ فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله، فهم كفار، انتهى. وفيه بيان كفر الحاكم نفسه، والمتحاكمين على الوجه الذي ذكره، وكذا من لم يعتقد وجوب ما أنزل الله، وإن لم يكن حاكما ولا متحاكما، فتأمله; ذكره عند قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ثم قال بعد أن ذكر كلام ابن كثير السابق : (وما ذكرناه من عادات البوادي التي تسمى شرع الرفاقة هو من هذا الجنس ـ أي الياسق الذي ذكره ابن كثير ـ من فعله فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ) الدرر السنية10/ 504ـ505
وهذه الفتاوي من هؤلاء العلماء الأعلام تنطبق من باب أولى على هذا الواقع لأن التتار وأولئك الأعراب كانوا يتحاكمون بتلك الأوضاع الجاهلية فيما بينهم أما هؤلاء المرتدين فإنهم يلزمون بها الناس.
وقد نبه الشيخ أحمد شاكر على ذلك بقواه( أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ بن كثير في القرن الثامن لذلك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الله جنكيزخان ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفا أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمن سريعا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت ثم كان المسلمون اليوم أسوأ حالا و أشد ظلما وظلاما منهم لأن أكثر الأمم الإسلامية تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة التي هي أشبه شيء بذلك الياسق ) عمدة التفسير4/173 174


٭ فتوى العلماء المعاصرين في المتحاكمين إلى القوانين الوضعية

كما أفتى في هذه المسألة كثير من المعاصرين بكفرهم أو كفرهم ووجوب قتالهم . ومن هؤلاء من توفي: كالشيخ أحمد شاكر, والشيخ محمد الأمين الشنقيطي , والشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهم , ومنهم من لازال حيا . وتقدم عنهم وعن غيرهم في فصول سابقة , ونكتفي هنا بإيراد فتوى أحد العلماء الأحياء وهو الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ في كتابه العمدة (276 ـ 279 ) قال: (والسلطان إذا كفر وكان ممتنعا وجب قتاله فرض عين ويقدم على غيره
وهذا شأن الحكام الذين يحكمون بغير شريعة الإسلام في كثير من بلدان المسلمين فهم كفار لقوله تعالى{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ولقوله تعالى{ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } وغيرها من الأدلة . ومعظم هؤلاء يدعون الإسلام فهم بالكفر صاروا مرتدين والحق أن هؤلاء الحكام مع حكهم بغير ما أنزل الله يشرعون للناس ما يشاءون من أحكام فهم قد نصبوا أنفسهم أربابا للناس من دون الله تعالى ثم قال تعالى { أم لهم شركــاؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } وقال تعالى { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } فكفرهم كفر مزيد مركب مع صدهم عن سبيل الله ..
وإن كان الحاكم المرتد ممتنعا بطائفة تقاتل دونه وجب قتالهم وكل من قاتل دونه فهو كافر مثله لقوله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ومَن في الآية اسم شرط فهي صيغة عموم تعم كل من تولى الكافر ونصره بالقول أو بالفعل وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره في نواقض الإسلام ( مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } فيقاتل كل هؤلاء قتال المرتدين وإن كانوا ينطقون بالشهادتين ويظهرون بعض شرائع الإسلام بإتيانهم بما ينقض أصل الإسلام قال تعالى { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } فكل من نصر الكافر بالقول أو بالفعل لنصرة كفره فهو كافر مثله . وهذا هو حكمه الظاهر في الدنيا كممتنع عن أهل الإيمان والجهاد قد يكون مسلما في الباطن لوجود مانع من التكفير في حقه من شبهة أو نحوها إلا أن هذا لا يمنع من الحكم بكفره لقيام المقتضى في حقه وهكذا جرت السنة في الحكم على الممتنعين …
..وجهاد هؤلاء الحكام المرتدين وأعوانهم فرض عين على كل مسلم من غير ذوي الأعذار الشرعية وقد سبق أن الجهاد يتعين في ثلاثة مواضع منها إذا حل العدو الكافر ببلد المسلمين وهذا هو حال هؤلاء المرتدين المتسلطين على المسلمين فهو عدو كافر حل ببلد المسلمين فقتالهم فرض عين ولهذا قال القاضي عياض ( وجب على المسلمين القيام عليهم ) وكلام ابن حجر أوضح في إفادة العموم حيث قال ( وملخصه أن ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك ) فتح الباري 13/123 وهذا مفهوم من حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ..)
ـ ومن نظائر مسألة قتال الممتنعين عن الشرائع عموما

٭ إجماع العلماء على كفر العبيديين ووجوب قتالهم لامتناعهم عن الشرائع

أول من أفتى بكفر الممتنعين عن الشرائع أبو بكر الصديق , حين حكم على مانعي الزكاة بالردة وأوجب قتالهم وأجمع الصحابة على ذلك .
ومن نظائرها في هذه البلاد إجماع علماء المسلمين تكفيرهم للعبيديين وإيجاب قتالهم بسبب زندقتهم و امتناعهم عن الشرائع .
ـ قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 15/154: "وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد لما شهروه من الكفر الصراح الذي لا حيلة فيه، وقد رأيت في ذلك تواريخ عدة يصدق بعضها بعضا". قال القاضي عياض في ترتيب المدارك(7/278):
( قال يوسف بن عبد الله الرعيني في كتابه: أجمع علماء القيروان، أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي، وأبو القاسم بن شلبون، وأبو على بن خلدون، وأبو محمد الطبيقي، وأبو بكر بن عذرة: أن حال بني عُبيد حال المرتدين والزنادقة، فحال المرتدين بما أظهروه من خلاف الشريعة، فلا يورثون بالإجماع. وحال الزنادقة، بما أخفوه من التعطيل، فيُقتلون بالزندقة. قالوا: ولا يُعذر أحد بالإكراه على الدخول في مذهبهم، بخلاف سائر أنواع الكفر، لأنه أقام بعد علمه بكفرهم فلا يجوز له ذلك، إلا أن يختار القتل دون أن يدخل في الكفر، وعلى هذا الرأي كان أصحاب سحنون يفتون المسلمين )
و قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : (قصة بني عبيد القداح، فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة فادّعى عبيد الله أنه من آل علي من ذرية فاطمة، وتزيّا بزي الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من أهل المغرب، وصار له دولة كبيرة في المغرب ولأولاده من بعده، ثم ملكوا مصر والشام وأظهروا شرائع الإسلام وإقامة الجمعة والجماعة، ونصّبوا القضاة والمفتين، لكن اظهروا أشياء من الشرك ومخالفة الشرع، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم، فأجمع العلماء على كفرهم) انتهى. الدرر السنية ج 9/393
وقدكان العلماء رحمهم الله في الصف الأول قتالا وتحريضا . جاء في ترجمة أبي إسحق السبائي في ترتيب المدارك (6/64) :وقال السبائي (أي أبي إسحق الفقيه): "أي والله نجدُّ في قتل المبدل للدين". وتسارع الفقهاء والعبّاد في أهبة كاملة بالطبول والبنود، وخطبهم في الجمعة أحمد ابن أبي الوليد، وحرّضهم وقال: "جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله، وغيّر أحكام الله، وسبّ نبيه، وأصحاب نبيه" فبكى الناس بكاء شديدا. وركب ربيع القطان فرسا ملبسا، وفي عنقه المصحف، وحوله جمع كبير، وهو يتلو آيات جهاد الكفرة، فاستشهد ربيع في خلق من الناس يوم المصاف. (انظر خبره في ترتيب المدارك لتعلم أي العلماء هو؟).
الواجب عند اختلاف فتاوى العلماء
فإن قيل قد أفتى بعض العلماء المشهورين بعدم الجهاد في الجزائرفما موقف المسلم منها ؟
الجواب: قد تقررـ فيما سبق ـ أن العبرة ليس بفتوى المفتي , وإنما العبرة بموافقته للدليل , فإذا خالف الدليل فلا عبرة بفتواه ووجب اطراح قوله ولايجوز متابعته فيه , ومن فعل هذا فهو مستحق للعقوبة.
قال شيخ الإسلام : ـ رحمه الله ـ :( وإن ترك المسلم عالماً كان أو غير عالم ما علم من أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لقول غيره كان مستحقاً للعذاب، قال تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـاٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 63])35/ 355
وتقدم أيضا أن هؤلاء قد خالفهم غيرهم من العلماء وقالوا بوجوب جهاد هؤلاء الحكام الكفرة وهم كثير، ومن هؤلاء العلماء الشيخ حمود بن عبد الله التويجري
قال في كتابه "الإيضاح والتبيين". وقال ـ رحمه الله ـ: فصل [ اطراح الأحكام الشرعية والاعتياض عنها بحكم الطاغوت من القوانين والنظامات الإفرنجية]النوع الثاني من المشابهة، وهو من أعظمها شرا، وأسوئها عاقبة: ما ابتلي به كثيرون، من اطراح الأحكام الشرعية، والاعتياض عنها بحكم الطاغوت، من القوانين، والنظامات الإفرنجية، أو الشبيهة بالإفرنجية، المخالف كل منها للشريعة المحمدية. وقد قال الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [سورة المائدة الاية: 50]، وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة الشورى آية: 21]. وقد انحرف عن الدين بسبب هذه المشابهة فئام من الناس، فمستقل من الانحراف ومستكثر؛ وآل بكثير منهم إلى الردة، والخروج من دين الإسلام بالكلية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والتحاكم إلى غير الشريعة المحمدية من الضلال البعيد، والنفاق الأكبر، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} [سورة النساء آية: 61-60]، ثم نفى تبارك وتعالى الإيمان عمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع، ويرضى بحكمه ويطمئن إليه قلبه، ولا يبقى لديه شك أن ما حكم به هو الحق الذي يجب المصير إليه؛ فيذعن لذلك وينقاد له ظاهرا وباطنا. وأقسم سبحانه وتعالى على هذا النفي بنفسه الكريمة المقدسة، فقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [سورة النساء آية: 65]. وما أكثر المعرضين عن أحكام الشريعة المحمدية من أهل زماننا! ولا سيما أهل الأمصار، الذين غلبت عليهم الحرية الإفرنجية، وهان لديهم ما أنزل الله على رسولهمحمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة؛ فاعتاضوا عن التحاكم إليهما بالتحاكم إلى القوانين والسياسات، والنظامات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي متلقاة عن الدول الكافرة بالله ورسوله، أو ممن يتشبه بهم ويحذو حذوهم، من الطواغيت الذين ينتسبون إلى الإسلام، وهم عنه بمعزل. وأقبح من فعل المنافقين ما يذكر عن بعض أهل زماننا أنهم قالوا. إن العمل بالشريعة المحمدية يؤخرهم عن اللحاق بأمم الإفرنج، وأضرابهم من أعداء الله تعالى: وهذه ردة صريحة. والله المسؤول أن يقيض لأهلها، ولكل من لم يرض بأحكام الشريعة المحمدية، من يعاملهم معاملة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه لإخوانهم من قبل.) الدرر السنية (البيان الواضح) 16/ 227 ـ228.
إذا ثبت هذا الاختلاف فما هوالواجب حياله ؟
هذه المسألة هي ما يعرف عند العلماء باختلاف الفتوى على المستفتي؟
واختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال والصحيح الذي اختاره جمع من الأئمة الأعلام ومنهم : ابن تيمية وابن القيم والشاطبي وغيرهم أن المستفتي يأخذ بالأرجح دليلا , وإن كان قائله مرجوحا في العلم والفضل . قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ( والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى بالاتباع من دليل عام على أن أحدهما أعلم وأدين . وعلم الناس بترجيح قول على قول أيسرمن علم أحدهم بأن أحدهما أعلم وأدين لأن الحق واحد ولابد ) الإختيارات الفقهية طبعة دار المعارف ص 233
وقال ابن عبد البر ـرحمه الله ـ ( على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل عليه ) وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك قال: ليس كلما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه لقوله عز وجل { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }جامع بيان العلم 2/118
وكل هذه الفتاوى التي لا تجيز الجهاد في هذه الديار التي بلغتنا عارية عن الدليل , وهي رأي محض . أما فتوى من قال بوجوب الجهاد فهي مدعومة بالأدلة الصحيحة الصريحة , والنص حجة بنفسه لا يحتاج إلى أقوال الرجال . وقال شيخ الإسلام:( أن قبول قول الحاكم وغيره بلا حجة مع مخالفته للسنة مخالف لإجماع المسلمين، وإنما هو دين النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال: فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم» .27/260
فلا يجوز أن نقلد هؤلاء العلماء ـ الذين أفتوا بعدم الجهاد ـ في أقوالهم المجردة وترك الأدلة الواضحة البينة، وهل هذا إلا التقليد المذموم الذي ذمه الله في كتابه . وكل العلماء السلفيين ينهون عن التقليد لاسيما لمن كانت له أهلية ونصيب من علوم الشريعة فلا يسوغ له البتة تقليد غيره من غير دليل . فهذا التقليد إنما يصلح للعامي البحت إذا لم يتبين له خطأ مفتيه ومخالفته للدليل .
قال ابن عبد البر قال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه وذلك ممنوع عنه في الشريعة والإتباع ما ثبت عليه حجة ) الجامع 2/117
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: ( والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد وأن العالم قد يزل ولا بد ., إذ ليس بمعصوم , فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم , فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرمه . و أصل بلاء المقلدين وفتنتهم فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه , وليس لهم تمييز بين ذلك، فيخلطون الصواب بالخطأ ولابد , فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويشرعون ما لم يشرع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولا بد. وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كُثَير هذا عن أبيه عن جده مرفوعا "اتقوا زلة العالم، وانتظروا فئته".
وذكر من حديث مسعود بن يعد عن يزيد عن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أشد ما أتخوف على امتي ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم".
ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها، إذ لولا التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره.
فإذا عرف أنها زلة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين، فإنه اتباع للخطأ على عمد، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه، وكلاهما مفرط فيما أمر به، وقال الشعبي: قال عمر: يفسد الزمان ثلاث: أئمة مضلون، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وزلة العالم ـ إلى أن قال ـ وذكر البيهقي من حديث حماد بن زيد عن المثنى بن سعيد عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟ قال: يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيدع ما كان عليه، وفي لفظ: فيلقى من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيخبره فيرجع، ويقضي الأتباع بما حكم ـ إلى أن قال ـ قال أبو عمر: وتُشَبَّه زلة العالم بانكسار السفينة، لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير.
قال أبو عمر: وإذا صح وثبت ان العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد ان يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه".اهـ[إعلام الموقعين 2/173-175]
ولايجوزأن يلزم المستفتي بقول العالم المخالف للدليل بحجة انه أعلم من هذا المستفتي .
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ :( وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة؛ لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، ولست أعلم من هذا ولاهذا، ولكن نسبة هؤلاء إلى الأئمة [كنسبة] أبـي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبـي ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع؛ وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر: فكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول من هو دونهم كأبـي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه من السنة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «هذه وهذه سواء».
وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء! أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر؟.
وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوا بقول عمر، فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه فقال لهم: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع أم أمر عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس.
ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبـي صلى الله عليه وسلم في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَٰحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [التوبة: 31]، والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله وحده.

الخاتمة

وهذه الحرب مع المرتدين قد تمايزت صفوفها واتضحت أوصافها ولا نجد للناس فيها وصفاً أفضل من وصف شيخ الإسلام رحمه الله عندما قال في الفتاوى 28/416 في فتنة التتار فقال ”فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق: الطائفة المنصورة وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين، والطائفة المخالفة وهم هؤلاء القوم ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام، والطائفة المخذلة وهم القاعدون عن جهادهم، وإن كانوا صحيحي الإسلام، فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة؟ فما بقي قسم رابع“.
قال أيضا :( قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } فهذا نهي عن موالاة اليهود و النصارى ثم قال :{ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ـ إلى قوله ـ فأصبحوا خاسرين } فهذا وصف الذين في قلوبهم مرض الذين يوالون الكفار المنافقين ثم قال : {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم } فذكر فعل المرتدين و أنهم لن يضروا الله شيئا و ذكر من يأتي به بدلهم ثم قال : {إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة و هم راكعون و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } فتضمن هذا الكلام ذكر أحوال من دخل في الإسلام من المنافقين و من يرتد عنه وحال المؤمنين الثابتين عليه ظاهرا و باطنا . فهذا السياق ... يوجب لمن تدبر ذلك علما يقينا لا يمكنه دفعه عن نفسه أن الآية عامة في كل المؤمنين المتصفين بهذه الصفات لا تختص بواحد بعينه لا أبي بكر و لا عمر و لا عثمان و لا علي و لا غيرهم لكن هؤلاء أحق الامة بالدخول فيها ) منهاج السنة النبوية ج: 7 ص: 19ـ 20
وقال أيضا : (و المقاتلون للمرتدين هم من الذين يحبهم الله و يحبونه و هم أحق الناس بالدخول في هذه الآية ) منهاج السنة النبوية ج: 7 ص: 218


كلام نفيس للعلامة ابن القيم وشيخه العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية حول الغربة والغرباء.

فصل قال شيخ الإسلام ـ أي الشيخ إسماعيل الهروي ـ : باب الغربة قال الله تعالى : (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم ) استشهاده بهذه الآية في هذا الباب يدل على رسوخه في العلم والمعرفة وفهم القرآن . فإن الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية وهم الذين أشار إليهم النبي في قوله ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون إذا فسد الناس )) وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن زهير عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن حنطب عن المطلب بن حنطب عن النبي قال ((طوبى للغرباء قالوا يا رسول الله ومن الغرباء قال الذين يزيدون إذا نقص الناس فإن كان هذا الحديث بهذا اللفظ محفوظا لم ينقلب على الراوي لفظه وهو: الذين ينقصون إذا زاد الناس فمعناه الذين يزيدون خيرا وإيمانا وتقى إذا نقص الناس من ذلك والله اعلم . وفي حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله (( إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال النزاع من القبائل )) وفي حديث عبدالله بن عمرو قال قال النبي ذات يوم ونحن عنده : (( طوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال ناس صالحون قليل في ناس كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم )) وقال أحمد حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عثمان بن عبدالله عن سليمان بن هرمز عن عبدالله بن عمرو عن النبي قال : (( إن أحب شيء إلى الله الغرباء قيل ومن الغرباء قال الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى ابن مريم عليه السلام يوم القيامة )) وفي حديث آخر: (( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس )) وقال نافع عن مالك دخل عمر بن الخطاب المسجد فوجد معاذ بن جبل جالسا إلى بيت النبي وهو يبكي فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن هلك أخوك . قال :لا ولكن حديثا حدثنيه حبيبي وأنا في هذا المسجد . فقال ما هو قال : إن الله يحب الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة .
فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون , ولقلتهم في الناس جدا سموا غرباء , فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات . فأهل الإسلام في الناس غرباء والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء , وأهل العلم في المؤمنين غرباء , وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء , والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة , ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا فلا غربة عليهم , وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم :{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه , وغربتهم هي الغربة الموحشة وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم كما قيل :
فليس غريبا من تناءت دياره ولكن من تنأين عنه غريب
ولما خرج موسى عليه السلام هاربا من قوم فرعون انتهى إلى مدين على الحال التي ذكر الله , وهو وحيد غريب خائف جائع . فقال : يا رب وحيد مريض غريب فقيل له : يا موسى الوحيد من ليس له مثلي أنيس والمريض من ليس له مثلي طبيب والغريب من ليس بيني وبينه معاملة .
فالغربة ثلاثة أنواع :
غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق , وهي الغربة التي مدح رسول الله أهلها وأخبر عن الدين الذي جاء به : أنه بدأ غريبا وأنه سيعود غريبا كما بدأ وأن أهله يصيرون غرباء . وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان ووقت دون وقت وبين قوم دون قوم , ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا , فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ولم يدعوا إلى غير ما جاء به , وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم , فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس . فيقولون : فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم , وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده . فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها , بل هوآنس ما يكون إذا استوحش الناس , وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا , فوليه الله ورسوله والذين آمنوا , وإن عاداه أكثر الناس وجفوه . وفي حديث القاسم عن أبي أمامة عن النبي قال عن الله تعالى : إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاته أحسن عبادة ربه وكان رزقه كفافا وكان مع ذلك غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع وصبر على ذلك حتى لقي الله ثم حلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه .
ومن هؤلاء الغرباء من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي : رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره . وفي حديث أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل عن النبي : قال ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنة . قالوا بلى يا رسول الله. قال : كل ضعيف أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره . وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها للناس حال وله حال الناس منه في راحة وهو من نفسه في تعب .
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة , بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم , فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم . ومعنى قول النبي هم النزاع من القبائل أن الله سبحانه بعث رسوله وأهل الأرض على أديان مختلفة فهم بين عباد أوثان ونيران وعباد صور وصلبان ويهود وصابئة وفلاسفة وكان الإسلام في أول ظهوره غريبا وكان من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته . فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل بل آحادا منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام , فكانوا هم الغرباء حقا حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا فزالت تلك الغربة عنهم . ثم أخذ في الاغتراب والترحل حتى عاد غريبا كما بدأ , بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره , وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة , فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس .
وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات , ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول , فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم . فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه كما قال النبي: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامّهم فإن وراءكم أيام صبر, الصابر فيهن كالقابض على الجمر. ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه أجر خمسين من الصحابة ففي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال سألت رسول الله عن هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فقال : بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام فإن من وراءكم أيام الصبر, الصبر فيهن مثل قبض على الجمر. للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قلت يا رسول الله أجر خمسين منهم . قال أجر خمسين منكم . وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم , فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه وفقها في سنة رسوله وفهما في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه , وطعنهم عليه وإزرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه , كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه , فأما إن دعاهم إلى ذلك وقدح فيما هم عليه فهنالك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله. فهو غريب في دينه لفساد أديانهم , غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع ,غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم , غريب في صلاته لسوء صلاتهم ,غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم , غريب في نسبته لمخالفة نسبهم ,غريب في معاشرته لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم .
وبالجملة فهو غريب في أموردنياه وآخرته , لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا . فهو عالم بين جهال , صاحب سنة بين أهل بدع , داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع , آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف .
النوع الثاني من الغربة: غربة مذمومة , وهي غربة أهل الباطل وأهل الفجور بين أهل الحق , فهي غربة بين حزب الله المفلحين , وإن كثر أهلها فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم , أهل وحشة على كثرة مؤنسهم , يعرفون في أهل الأرض ويخفون على أهل السماء .
. النوع الثالث :غربة مشتركة لا تحمد ولا تذم , وهي الغربة عن الوطن , فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء فإنها ليست لهم بدار مقام , ولا هي الدار التي خلقوا لها . وقد قال النبي لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما :"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وهكذا هو نفس الأمر لأنه أمر أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حق المعرفة ولي من أبيات في هذا المعنى :
وحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم
وأي اغتراب فوق غربتنا ال تي لها أضحت الأعداء فينا تحكم
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه ليس ينعم
فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة من العمر إلا بعد ما يتألم . وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا وهو على جناح سفر, لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور, فهو مسافر في صورة قاعد . وقد قيل :
وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد
وأعجب شيء لو تأملت أنها منازل تطوى والمسافر قاعد . ) مدارج السالكين ج: 3 ص: 195ـ 201

وقال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصــــل في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء!».
لا يقتضي هذا أنه إذا صار غريباً يجوز تركه ـ والعياذ بالله! بل الأمر كما قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلاَْخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } [آل عمران: 85]، وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } [آل عمران: 19]، وقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [آل عمران: 102]، وقال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى ٱلاَْخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [البقرة: 130 ـ 132].
وقد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر. وبينا أن الأنبياء كلهم كان دينهم الإسلام من نوح إلى المسيح.
ولهذا لما بدأ الإسلام غريباً لم يكن غيره من الدين مقبولاً، بل قد ثبت في الحديث الصحيح ـ حديث عياض بن حمار ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ـ عربهم وعجمهم ـ إلا بقايا من أهل الكتاب» الحديث.
ولا يقتضي هذا أنه إذا صار غريباً أن المتمسك به يكون في شر، بل هو أسعد الناس كما قال في تمام الحديث «فطوبى للغرباء». و «طوبى» من الطيب، قال تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـئَابٍ } [الرعد: 29] فإنه يكون من جنس السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان غريباً.
وهم أسعد الناس. أما في الآخرة فهم أعلى الناس درجة بعد الأنبياء عليهم السلام.
وأما في الدنيا فقد قال تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الأنفال: 64] أي أن الله حسبك وحسب متبعك. وقال تعالى: {إِنَّ وَلِيِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ } [الأعراف: 196] وقال تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ } [الزمر: 36] وقال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاَْخِرِ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً } [الطلاق: 2، 3]. فالمسلم المتبع للرسول: الله تعالى حسبه وكافيه، وهو وليه حيث كان ومتى كان.
... فإنه لا بد أن يحصل للناس في الدنيا شر وللّه على عباده نعم، لكن الشر الذي يصيب المسلم أقل والنعم التي تصل إليه أكثر. فكان المسلمون في أول الإسلام وإن ابتلوا بأذى الكفار والخروج من الديار فالذي حصل للكفار من الهلاك كان أعظم بكثير، والذي كان يحصل للكفار من عز أو مال كان يحصل للمسلمين أكثر منه حتى من الأجانب.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما كان المشركون يسعون في أذاه بكل طريق ـ كان الله يدفع عنه ويعزه ويمنعه وينصره، من حيث كان أعز قريش ما منهم إلا من كان يحصل له من يؤذيه، ويهينه من لا يمكنه دفعه، إذ لكل كبير كبير يناظره ويناويه ويعاديه.
وهذه حال من لم يتبع الإسلام ـ يخاف بعضهم بعضاً، ويرجو بعضهم بعضاً.
وأتباعه، الذين هاجروا إلى الحبشة أكرمهم ملك الحبشة وأعزهم غاية الإكرام والعز، والذين هاجروا إلى المدينة فكانوا أكرم وأعز.
والذي كان يحصل لهم من أذى الدنيا كانوا يعوضون عنه عاجلاً من الإيمان وحلاوته ولذته ما يحتملون به ذلك الأذى. وكان أعداؤهم يحصل لهم من الأذى والشر أضعاف ذلك من غير عوض لا آجلاً ولا عاجلاً، إذ كانوا معاقبين بذنوبهم.
وكان المؤمنون ممتحنين ليخلص إيمانهم وتكفر سيئاتهم. وذلك أن المؤمن يعمل للّه، فإن أوذي احتسب أذاه على الله، وإن بذل سعياً أو مالاً بذله للّه فاحتسب أجره على الله.
والإيمان له حلاوة في القلب ولذة لا يعدلها شيء ألبتة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا للّه، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» أخرجاه في الصحيحين. وفي صحيح مسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً».
وكما أن الله نهى نبيه أن يصيبه حزن أو ضيق ممن لم يدخل في الإسلام في أول الأمر فكذلك في آخره. فالمؤمن منهي أن يحزن عليهم أو يكون في ضيق من مكرهم.
وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام جزع وكل وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا؛ بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأن العاقبة للتقوى. وأن ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر، إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم يعود غريباً كما بدأ» يحتمل شيئين:
أحدهما أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريباً بينهم ثم يظهر، كما كان في أول الأمر غريباً ثم ظهر. ولهذا قال: «سيعود غريباً كما بدأ». وهو لما بدأ كان غريباً لا يعرف ثم ظهر وعرف، فكذلك يعود حتى لا يعرف ثم يظهر ويعرف. فيقل من يعرفه في أثناء الأمر كما كان من يعرفه أو لا.
ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى مسلماً إلا قليل. وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة. وحينئذ يبعث الله ريحاً تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة.
وأما قبل ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة». وهذا الحديث في الصحيحين، ومثله من عدة أوجه.
فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تزال طائفة ممتنعة من أمته على الحق أعزاء لا يضرهم المخالف ولا خلاف الخاذل. فأما بقاء الإسلام غريباً ذليلاً في الأرض كلها قبل الساعة فلا يكون هذا.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم يعود غريباً كما بدأ»، أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه، وقد قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَاـٰفُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ } [المائدة: 54]. فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك.
وكذلك بدأ غريباً ولم يزل يقوى حتى انتشر. فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة ثم يظهر حتى يقيمه الله عز وجل، كما كان عمر بن عبد العزيز لما ولى قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر. فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريباً.
وفي السنن: «إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». والتجديد إنما يكون بعد الدروس، وذاك هو غربة الإسلام.
وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام، ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكون في شك من دين الإسلام، كما كان الأمر حين بدأ.
قال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } [يونس: 94]، إلى غير ذلك من الآيات والبراهين الدالة على صحة الإسلام.
وكذلك إذا تغرّب يحتاج صاحبه من الأدلة والبراهين إلى نظير ما احتاج إليه في أول الأمر. وقد قال له: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَـٰتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلاَْرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [الأنعام: 114 ـ 116]، وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلاَْنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } [الفرقان: 44].
وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة. ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريباً بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد.
ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله. فإن إظهاره والأمر به والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
وإذا قدر أن في الناس من حصل له سوء في الدنيا والآخرة بخلاف ما وعد الله به رسوله وأتباعه فهذا من ذنوبه ونقص إسلامه، كالهزيمة التي أصابتهم يوم أحد.
وإلا فقد قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلاَْشْهَـٰدُ } [غافر: 51]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } [الصافات: 171 ـ 173]. وفيما قصّه الله تعالى من قصص الأنبياء وأتباعهم ونصرهم ونجاتهم وهلاك أعدائهم عبرة، والله أعلم.
فإن قيل: قوله تبارك وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ } [المائدة: 54] هو خطاب لذلك القرن، كقوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلاَْرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } [النور: ]. ولهذا بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أهل اليمن الذين دخلوا في الإسلام لما ارتد من ارتد من العرب. ويدل على ذلك أنه في آخر الأمر لا يبقى مؤمن.
قيل: قوله تبارك وتعالى: [يأيها الذين آمنوا ِِ] خطاب لكل من بلغه القرآن من المؤمنين كسائر أنواع هذا الخطاب، كقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة: 6] وأمثالها. وكذلك قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلاَْرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } [النور: 55].
وكلاهما وقع ويقع كما أخبر الله عز وجل. فإنه ما ارتد عن الإسلام طائفة إلا أتى الله بقوم يحبهم يجاهدون عنه، وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة.
يبين ذلك أنه ذكر هذا في سياق النهي عن موالاة الكفار، فقال تعالى: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ َيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهُـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَـاٰفُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ } [المائدة: 51 ـ 54]. فالمخاطبون بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة. ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة.
وهو لما نهى عن موالاة الكفار وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئاً.
بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم، كما قال في أول الأمر: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } [الأنعام: 89]. فهؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام، وأولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه ـ لا يضرون الإسلام شيئاً. بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة.
وأهل اليمن هم ممن جاء الله بهم لما ارتد من ارتد إذ ذاك. وليست الآية مختصة بهم، ولا في الحديث ما يوجب تخصيصهم. بل قد أخبر الله أنه يأتي بغير أهل اليمن كأبناء فارس، لا يختص الوعد بهم.
بل قد قال تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلاَْرْضِ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلاَْخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلاَْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } [التوبة: 38، 39] وهذا أيضاً خطاب لكل قرن، وقد أخبر فيه أنه من نكل عن الجهاد المأمور به عذبه واستبدل به من يقوم بالجهاد. وهذا هو الواقع.
وكذلك قوله في الآية الأخرى: {هَآ أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَـٰلَكُم } [محمد: 38]. فقد أخبر تعالى أنه من يتول عن الجهاد بنفسه أو عن الإنفاق في سبيل الله استبدل به.
فهذه حال الجبان البخيل، يستبدل الله به من ينصر الإسلام وينفق فيه
فكيف تكون حال أصل الإسلام من ارتد عنه؟ أتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.
وهذا موجود في أهل العلم، والعبادة، والقتال، والمال؛ مع الطوائف الأربعة مؤمنون مجاهدون منصورون إلى قيام الساعة، كما منهم من يرتد أو من ينكل عن الجهاد والإنفاق.
وكذلك قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلاَْرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } [النور: 55]. فهذا الوعد مناسب لكل من اتصف بهذا الوصف. فلما اتصف به الأولون استخلفهم الله كما وعد. وقد اتصف بعدهم به قوم بحسب إيمانهم وعملهم الصالح. فمن كان أكمل إيماناً وعمل صالحاً كان استخلافه المذكور أتم. فإن كان فيه نقص وخلل كان في تمكينه خلل ونقص. وذلك أن هذا جزاء هذا العمل، فمن قام بذلك العمل استحق ذلك الجزاء.
لكن ما بقي قرن مثل القرن الأول، فلا جرم ما بقي قرن يتمكن تمكن القرن الأول. قال صلى الله عليه وسلم: «خير القرون القرن الذين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
ولكن قد يكون هذا البعض أهل القرن، كما يحصل هذا لبعض المسلمين في بعض الجهات، كما هو معروف في كل زمان.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث ريحاً تقبض روح كل مؤمن» فذاك ليس فيه ردة، بل فيه موت المؤمنين. وهو لم يقل: «إذا مات كل مؤمن» أن يستبدل الله موضعه آخر، وإنما وعد بهذا إذا ارتد بعضهم عن دينه.
وهو مما يستدل به على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا ترتد جميعها، بل لا بد أن يبقي الله من المؤمنين من هو ظاهر إلى قيام الساعة. فإذا مات كل مؤمن فقد جاءت الساعة.
وهذا كما في حديث العلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. فإذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا». والحديث مشهور في الصحاح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: ففي حديث ابن مسعود وغيره أنه قال: «يسري على القرآن فلا يبقى في المصاحف منه آية ولا في الصدور منه آية» وهذا يناقض هذا..
قيل: ليس كذلك. فإن قبض العلم ليس قبض القرآن بدليل الحديث الآخر: «هذا أوان يقبض العلم». فقال بعض الأنصار: وكيف يقبض وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءنا وأبناءنا؟ فقال: «ثكلتك أمك! إن كنت لأحسبك لمن أفقه أهل المدينة أوَليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؟ فماذا يغني عنهم؟».
فتبين أن مجرد بقاء حفظ الكتاب لا يوجب هذا العلم، لا سيما فإن القرآن يقرأه المنافق والمؤمن، ويقرأه الأمي الذي لا يعلم الكتاب إلا أماني. وقد قال الحسن البصري: «العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان. فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده». فإذا قبض الله العلماء بقي من يقرأ القرآن بلا علم، فيسري عليه من المصاحف والصدور.
فإن قيل: ففي حديث حذيفة الذي في الصحيحين: إنه حدثهم عن قبض الأمانة وأن: «الرجل ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت. ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فتراه منتبراً وليس فيه شيء».
قيل: وقبض الأمانة والإيمان ليس هو قبض العلم. فإن الإنسان قد يؤتى إيماناً مع نقص علمه. فمثل هذا الإيمان قد يرفع من صدره، كإيمان بني إسرائيل لما رأوا العجل. وأما من أوتي العلم مع الإيمان فهذا لا يرفع من صدره. ومثل هذا لا يرتد عن الإسلام قط، بخلاف مجرد القرآن أو مجرد الإيمان، فإن هذا قد يرتفع. فهذا هو الواقع.
لكن أكثر ما نجد الردة فيمن عنده قرآن بلا علم وإيمان، أو من عنده إيمان بلا علم وقرآن. فأما من أوتي القرآن والإيمان فحصل فيه العلم فهذا لا يرفع من صدره. والله أعلم. 18/291ـ305

و الحمد لله على التوفيق

وصلى الله علىنبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

















فهرست

الجزء الرابع
من: العاصمة من الردة القاصمة

الرد على شبهات المجادلين عن المرتدين
الملتحقين بصف الطاغوت......................................................1
الفصل الأول :
الرد على الشبهات إجمالا
1 ـ الظلم ليس عذرا في إباحة الالتحاق بصف الطاغوت....................................... 2
2 ـ الرد على:( شبهة التأويل ) ...............................................................6
3 ـ الرد على من قال: إذا كان الملتحقون بصف الطاغوت
مرتدين فإن المرتد تجب استتابته ؟ ...................................... 11
4 ـ الرد على من قال : ليس كل من يلتحق
بالطاغوت يحارب......................................................... 13
5 ـ الرد على من ادعى أنه أكره على محاربة المجاهدين......................................... 16
6 ـ الرد على من ادعى أنه تاب بعد
التحاقه بصف الطاغوت......................................................18
الفصل الثاني :
الرد على فتوى العلماء التي تمنع من الجهاد
مقدمة ......................................................................................20
تفصيل الرد على الفتوى..................................................................... 30
كفر هؤلاء الحكام ووجوب جهادهم ثابت
بالأصل والإجماع لا يحتاج إلى فتوى ............................................... 32
القول بكفر هؤلاء الحكام ووجوب قتالهم
يتعين على كل مسلم إبلاغه للناس ............................................... 35

فتاوى العلماء في نظائرهذه المسألة......................................................... 37

ـ فتوى الإمام ابن تيمية في ياسق التتار ومن تحاكم إليه...................................... 37
ـ فتوى الإمام ابن كثيرفي ياسق التتارومن تحاكم إليه.......................................... 38
ـ فتوى الشوكاني رحمه الله فيمن تحاكم إلى الأعراف.........................................39 ـ فتوى أئمة الدعوة النجدية فيمن تحاكم إلى شرع الرفاقة .................................... 40
ـ فتوى العلماء المعاصرين في المتحاكمين
إلى القوانين الوضعية ...................................................42
ـ إجماع العلماء في كفر العبيديين ووجوب قتالهم
لامتناعهم عن الشرائع..............................................43
الواجب عند اختلاف فتوى العالم .............................................................44
الخاتمة:.ـ...............................................................................50

ـ كلام نفيس للعلامة ابن القيم وشيخه العلامة شيخ
الإسلام ابن تيمية حول الغربة والغرباء...............................................51



[1] . تأمل ـ أخي الموحد ـ في هاتين القصتين اللتين ذكرهما وطابق بينها وبين ما ادعاه الإنقاذيون من أنهم تركوا الجهاد لأجل كشف من كان وراء المجازر وكانوا يعنون يومها من يدعونهم "بالإستئصاليين " في صف الطاغوت , وانحازوا لأجل ذلك إلى صف من يسمونهم" بالمعتدلين" ووالوهم ومدحوهم وتحالفوا معهم ضد كل من عادى وثن ( وطن ) الجزائر, كما سبقت تصريحاتهم , وكل ذلك ما هو إلا تلبيس من تبليسات الشيطان اللعين عليهم .
فمعلوم أن الإستئصاليين والمعتدليين كلهم مرتدون حرب على الإسلام والجهاد . و موالاة أي الطائفتين نصرة للشرك والوطن , الذي لا يدين بالإسلام , ردة صريحة عن الإسلام , فكيف بمدح هؤلاء الكفار المعتدلين ومودتهم ؟!
تأمل كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب :" لا يشك في كفر من التجأ إليهم ولو أظهر البراءة من اعتقادهم وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل القصاص..." فكيف بمن مدح وزين مذهبهم من غير براءة ومن غير حجة بينة كحجة أولئك( القصاص ) ؟! فهذا أولى بالكفر والشرك !
بل وكيف بالتحالف معهم ومظاهرتهم على المجاهدين الموحدين كما سبق بيان ذلك من تصريحاهم؟!

[2] قال شيخ الإسلام بن تيمية : [ وهنا قاعدة شريفة ينبغي التفطن لها: وهو أن ما عاد من الذنوب بأضرار الغير في دينه ودنياه فعقوبتنا له في الدنيا أكبر، وأما ما عاد من الذنوب بمضرة الإنسان في نفسه فقد تكون عقوبته في الآخرة أشد، وإن كنا نحن لا نعاقبه في الدنيا.
وأضرار العبد في دينه ودنياه هو ظلم الناس؛ فالظلم للغير يستحق صاحبه العقوبة في الدنيا لا محالة لكف ظلم الناس بعضهم عن بعض....
ولهذا يعاقب الداعية إلى البدع بما لا يعاقب به الساكت، ويعاقب من أظهر المنكر بما لا يعاقب به من استخفى به، ونمسك عن عقوبة المنافق في الدين وأن كان في الدرك الأسفل من النار.
وهذا لأن الأصل أن تكون العقوبة من فعل الله تعالى، فإنه الذي يجزي الناس على أعمالهم في الآخرة، وقد يجزيهم أيضا في الدنيا. وأما نحن فعقوبتنا للعباد بقدر ما يحصل به أداء الواجبات وترك المحرمات بحسب إمكاننا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» وقال تعالى: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال: 93] وقال: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلاَْخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } [البقرة: 712].
ولهذا من تاب من الكفار والمحاربين وسائر الفساق قبل القدرة عليه سقطت عنه العقوبة التي لحق الله، فإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه عصم دمه وأهله وماله، وكذلك قاطع الطريق والزاني والسارق. والشارب إذا تابوا قبل القدرة عليهم لحصول المقصود بالتوبة وأما إذا تابوا بعد القدرة لم تسقط العقوبة كلها لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الحدود وحصول الفساد؛ ولأن هذه التوبة غير موثوق بها؛ ولهذا إذا أسلم الحربي عند القتال صح إسلامه لأنه أسلم قبل القدرة عليه، بخلاف من أسلم بعد الأسر فإنه لا يمنع استرقاقه وإن عصم دمه.
ويبنى على هذه القاعدة أنه قد يقر من الكفار والمنافقين بلا عقوبة من يكون عذابه في الآخرة أشد إذا لم يتعد ضرره إلى غيره: كالذين يؤتون الجزية عن يد وهم صاغرون، والذين أظهروا الإسلام والتزموا شرائعه ظاهرا مع نفاقهم؛ لأن هذين الصنفين كفوا ضررهم في الدين والدنيا عن المسلمين، ويعاقبون في الآخرة على ما اكتسبوه من الكفر والنفاق، وأما من أظهر ما فيه مضرة فإنه تدفع مضرته ولو بعقابه وإن كان مسلما فاسقا أوعاصيا أو عدلاً مجتهدا مخطئا، بل صالحا أو عالما، سواء في ذلك المقدور عليه والممتنع.
مثال المقدور عليه إنما يعاقب من أظهر الزنا والسرقة وشرب الحمر وشهادة الزور، وقطع الطريق وغير ذلك لما فيه من العدوان على النفوس والأموال والأبضاع، وإن كان [مع] هذا حال الفاسق في الآخرة خيرا من حال أهل العهد الكفار، ومن حال المنافقين إذ الفاسق خير من الكافر والمنافق بالكتاب والسنة والإجماع.
وكذلك يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس في دينهم؛ وإن كان قد يكون معذورا فيها في نفس الأمر لاجتهاد أو تقليد.
وكذلك يجوز قتال «البغاة»: وهم الخارجون على الإمام أو غير الإمام بتأويل سائغ مع كونهم عدولاً...وذلك أن التفسيق انتفى للتأويل السائغ. وأما القتال فليؤدوا ما تركوه من الواجب، وينتهوا عما ارتكبوه من المحرم وإن كانوا متأولين.
وكذلك نقيم الحد على من شرب النبيذ المختلف فيه، وإن كانوا قوما صالحين، فتدبر كيف عوقب أقوام في الدنيا على ترك واجب أو فعل محرم بين في الدين أو الدنيا، وإن كانوا معذورين فيه لدفع ضرر فعلهم في الدنيا، كما يقام الحد على من تاب بعد رفعه إلى الإمام وإن كان قد تاب توبة نصوحا، وكما يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم وفيهم المكره فيحشرون على نياتهم وكما يقاتل جيوش الكفار وفيهم المكره كأهل بدر لما كان فيهم العباس وغيره، وكما لو تترس الكفار بمسلمين ولم يندفع ضرر الكفار إلا بقتالهم، فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة، وتكون في حقه من جملة المصائب كما قيل في بعضهم: القاتل مجاهد والمقتول شهيد.
... فهذا «أصل عظيم» إن عقوبة الدنيا المشروعة من الهجران إلى القتل لا يمنع أن يكون المعاقب عدلاً أو رجلاً صالحا كما بينت من الفرقه بين عقوبة الدنيا المشروعة والمقدورة؛ وبين عقوبة الآخرة، والله سبحانه أعلم ] ج10/ 373 .


[3] (خمر :ماوراك من الحجر والجبال ونحوها )لسان العرب 4 ص256
(الغيابة منهبط من الأرض ) المفردات 366